"عبد" القرن الـ21 ظاهرة تبررها التشريعات الدينية في ليبيا كما في سنجار

السبت 2017/12/02
صورة مؤلمة تعكس خرافة العالم "الحديث"

برلين - “انهضوا أيها العبيد. فإنكم لا ترونهم كباراً إلا لأنكم ساجدون” هكذا تحدّث الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن الذي لقّب بـ”محرر العبيد”، ذات يوم من أيام القرن التاسع عشر. أما اليوم فيفاجئ العالم سكّانه بخبر يقول إن أعضاء مجلس الأمن الدولي بحثوا بالفعل خلال جلسة خاصة الأسبوع الماضي، أي في القرن الحادي والعشرين، إمكانية فرض عقوبات على زعماء عصابات تهريب المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا بسبب تورطهم في تجارة البشر.

المنظمة الدولية للهجرة كانت قد أعلنت في وقت سابق أن “مهاجرين متحدرين من بلدان غرب أفريقيا يباعون في (أسواق الرق) في ليبيا”. ونقلت المنظمة عن مهاجرين أفارقة “بأن هناك أسواقا للرق وسجونا خاصة في مختلف أنحاء ليبيا”.

هذا التوجّه الأممي جاء بعد أن تعالت مطالب عديدة من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى عدد آخر من الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، بمعاقبة المسؤولين عن تهريب البشر وإصدار مذكرات جلب بحقهم لمحاكمتهم أمام القضاء الدولي.

أما في ليبيا فيقول مصدر أمني مقرب من المجلس الرئاسي لحكومة “الوفاق” إن “أجهزة الأمن الليبية سلّمت قائمة بأسماء زعماء عصابات تهريب البشر على الأراضي الليبية، أغلبهم يقودون ميليشيات مسلحة منتمية إلى التيار الديني المتطرف”.

إلغاء العبودية يرتطم بالذهنيات

باكتشاف هذه الشبكات التي تتاجر بالبشر في ليبيا تعود تلك الظاهرة إلى سطح المكتب بعد أن كنا قد ظننا أنها انتهت ببدء ما سمّيت، زوراً، بالدولة والمجتمعات الحديثة في العالم العربي. والعلاقة ما بين افتضاح أمر وجود العبودية في عالمنا العربي وانهيار فكرة حداثة الدول والمجتمعات علاقة وثيقة دون شك. فلو أنها الحياة تحدثت بالفعل لتحدثت معها المواطنة ولترقّى من كانوا مماليك وعبيدا إلى مستوى المواطن كامل الحقوق.

رغم أن المنظمات المتطرفة التي تتخذ من الدين الإسلامي قناعاً لها تجد في نصوص التراث ما يبرر سلوكها، إلا أن الإسلام كان قد حاول بالفعل تطويق العبودية ولكنه لم يلغها. وبقيت ممارسة شرعية حتى عصرنا الحديث أسوة بانتشارها بين الأمم الأخرى.

ولعل أشهر قصص العبودية العالمية تلك التي شاعت وانتشرت عن عبيد الولايات المتحدة الأميركية الذين كانوا يجلبون بسفن مشؤومة من أفريقيا عبر المحيط، واستمرت أحوالهم على هذا النحو حتى الحرب الأهلية الأميركية في أواسط القرن التاسع عشر، بعد أن نقلت تلك السفن ما يزيد عن 10.7 ملايين شخص من غرب أفريقيا إلى “العالم الجديد” بين عامي 1525 و1866. لكن التقارير المحزنة تشير إلى أن عدد العبيد اليوم يتراوح ما بين 20 و45 مليون إنسان في أنحاء الكرة الأرضية.

وقد عرف عالمنا العربي والإسلامي تمرّد العبيد مبكّراً في ما سمّي بـ”ثورة الزنج” التي انطلقت من البحرين عام 863 ميلادية بوجه الخلافة العباسية واستمرت حتى العام 883 ميلادية وعدّت أطول تمرّد واجهه العصر العباسي، خاصة بعد انتقال تلك الثورة إلى البصرة وبقية أصقاع المشرق، حين أعلن قائدها علي بن محمد أن هدفه، بالنسبة إلى الزنج والعرب الفقراء، الذين يعملون في جنوب العراق، هو أولاً تحرير الرقيق من العبودية وتحويلهم الى سادة لأنفسهم.

وثانيا إعطاء العبيد حق امتلاك الأموال والضيعات. وثالثاً ضمان المساواة التامة في نظام تكافل اجتماعي جديد. فانتشرت دولة الزنج حتى بلغت الأهواز والقادسية وواسط وجنبلاء وخرزستان وعبادان وغيرها، وكانت عاصمتها “المختارة”.

مصدر أمني مقرب من المجلس الرئاسي لحكومة "الوفاق" يؤكد أن "أجهزة الأمن الليبية سلمت قائمة بأسماء زعماء عصابات تهريب البشر على الأراضي الليبية، أغلبهم يقودون ميليشيات مسلحة منتمية إلى التيار الديني المتطرف"

لكن المؤرخين يقولون إن ثورة الزنج فشلت في أن تكون ثورة اجتماعية بسبب الجرائم الوحشية التي ارتكبوها للانتقام من عصر العبودية من اغتصاب للنساء وقتل للأطفال والمسنين وتدمير شامل للمدن، لكنها نجحت في استيقاف العرب المسلمين عند فكرة حق العبيد بالحياة مثل غيرهم من البشر لا مثل الحيوانات وهذا بحد ذاته انتصار كبير في زمنه. لكن ومع ذلك فقد استمرت العبودية طويلاً بعدها.

أول قرار يجرم استرقاق العبيد صدر عن السلطات العثمانية عام 1855 جرى تعميمه، آنذاك، على جميع الأراضي الخاضعة لحكمها، بما فيها عالمنا العربي، فقابل عدد من أهالي تلك المناطق ذلك القرار بالرفض، ونظروا إليه على أنه مخالف للشريعة التي تبيح الرق.

وحين وصل القرار إلى مكة ووجد أحد حكامها وكان يدعى الشريف عبدالمطلب أهاليها غير راضين عنه، تواطأ مع تجّار الرقيق والنخاسين، وأجبر علماء مكة على إصدار فتوى ضد إلغاء تجارة العبيد. ونشبت معارك حربية مع القوات التركية بسبب هذا.

وكتب حينها المستر وايلد القنصل البريطاني في جدة مذكرة توضيحية موجهة إلى رؤسائه في الخارجية البريطانية عام 1877 وقال إن “ممارسة الرق في الحجاز غدت مؤسسة معقدة حيث أنها تمارَس منذ عهد النبّوة، وإن التدخل بين العبيد وملاّكهم إنما هو مسألة شديدة الصعوبة”. وتفاقمت الأزمة مع الوقت حتى أخذ العبيد في العام 1891 يلجؤون إلى القنصليات الأجنبية للحصول على صكوك حريتهم.

وتكشف الوثائق أن العبودية استمرت مع ذلك حتى منتصف القرن العشرين، فقد حددت إحدى تلك الوثائق الصادرة في العام 1956 سعر الجارية التي تتقن الطبخ والتنظيف والتي لم تتجاوز عمر 18 عاما بـ38 ألف ريال سعودي. أما سعر الجارية التي يتراوح عمرها ما بين الـ27 والـ30 عاما فقد تم تقديره بـ40 ريالا فقط.

وحتى العام 1931 تم إحصاء العبيد في السعودية بقرابة الـ40 ألف عبد وجارية، وكانت جنسياتهم الأصلية تعود إلى إثيوبيا والسودان وجاوى والهند وسوريا وماليزيا.

واستمر الوضع على هذا الحال حتى صدر قرار وليّ العهد السعودي فيصل بن عبدالعزيز بإلغاء العبودية والاتجار بالرقيق بشكل نهائي من على الأراضي السعودية وتعويض ملاك العبيد من خزينة الدولة في 7 نوفمبر العام 1962.

وقد أوردت وسائل إعلام سعودية قبل سنوات قصة لأحد العبيد المسنين أصر على البقاء في خدمة سيده رغم تحريره، وبعد أن مات السيد وورثته احتفظ به أحد الأحفاد الذي يروي عنه أنه كان في طفولته، راعي غنم قامت مجموعة من البدو باختطافه وإخصائه وبيعه في منطقة “برحة العباس” في الطائف.

"الحراطين"عبيد موريتانيا

قبل افتضاح شبكة الرق الليبية كانت وسائل إعلامية خليجية قد سلّطت الضوء على فضيحة من نوع آخر شهدها عصرنا، في دولة لطالما رسّخ في الأذهان أنها بعيدة كل البعد عن الجهل فما بالك بالعبودية. إنها موريتانيا. حيث كشفت الأعوام القليلة الماضية أنه وعلى الرغم من مرور ثلاثة عقود على قرار إلغاء الرق في بلاد المليون شاعر كما تسمّى إلا أن هذا البلد مستمر في ممارسة الرق والاتجار به وبصمت من السلطات الرسمية فيه.

الإحصاءات تقول إن سفن العبيد الأميركية كانت قد نقلت ما يزيد عن 10.7 مليون شخص من غرب أفريقيا إلى "العالم الجديد" بين عامي 1525 و1866. لكن التقارير المحزنة تشير إلى أن عدد العبيد اليوم يتراوح ما بين 20 و45 مليون إنسان في أنحاء الكرة الأرضية.

والعجيب أن عبيد موريتانيا ظاهرة فريدة من نوعها، فمن بينهم سياسون كبار في الدولة وضباط في الجيش ممن يتحدرون من شريحة “الحراطين” مثل رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير زعيم حزب التحالف الشعبي التقدمي وهو وزير ومرشح سابق للرئاسة.

يكشف الداه ولد بوسحاب وهو أحد الناشطين في صفوف حركة “إيرا” أن واقع العبيد والأرقّاء السابقين في موريتانيا “يشهد ظروفا معيشية قاسية لبقائهم في دائرة التبعية للأسياد، وغياب وجود أيّ برامج تنموية تساهم في اندماجهم بالمجتمع”، ويضيف أن الحكومة الموريتانية “تخفي حقيقة وجود الظاهرة في البلاد رغم أن المؤشرات الميدانية تؤكد ذلك”.

ويتهم المعارضون الموريتانيون الحكومة بأنها تصدر القوانين بشأن موضوع العبودية وتعدلها من أجل تبييض وجهها خارجيًا في حين أنها تمتنع عن تطبيقها داخليا. بينما يؤكد ولد بوسحاب أن مشروع القانون الذي يحل محل القانون رقم 48 في سبتمبر 2007 المجرّم للعبودية، يعدّ “اعترافًا واضحا من الحكومة الموريتانية باستفحال العبودية في البلاد”.

أما مؤلف كتاب “الرق في موريتانيا” محمد سالم ولد محمدو، فيقول إن “الأكيد أن ثمة إرثًا واسعًا لعبودية مروّعة، وبالغة السوء لا تزال تعاني من آثارها السلبية شريحة الأرقاء السابقين”. ويضيف ولد محمدو أن حلّ مشكل العبودية يتمثل في “مواجهتها تنمويًا واستهداف الفقراء، خصوصًا المتضررين والعمل على تطوير تعاطي خطاب القانون والفقه والسياسة ليعي حقيقة مشكل الرق”.

وذكرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في تقرير لها في أغسطس العام 2015 أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً في مسألة محاربة العبودية إلى قضية رأي عام في موريتانيا، بسبب “نضال بعض المنظمات الحقوقية، وأصبح من الطبيعي أن تخرج مظاهرات لرفض العبودية في شوارع نواكشوط ومدن كبيرة أخرى، فيما دخلت على الخط أحزاب سياسية فرضت سن قوانين جديدة تكافح العبودية خلال حوار سياسي نظم في العام 2011 وأسفر عن تجريم العبودية في الدستور الموريتاني لأول مرة”.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمات حقوقية دولية آخرها منظمة “وولك فري” التي صنفت موريتانيا في مقدمة البلدان من حيث نسبة المواطنين الذين يخضعون للعبودية، وقدرت المنظمة نسبة العبيد في موريتانيا بأنها تتراوح ما بين 10 و20 بالمئة.

عبيد في لندن

ينقل عن مؤسسي لجنة إبطال تجارة الرق البريطانية الشعار الشهير “ألستُ رجلا وأخا لكم في الإنسانية؟”. تلك الجمعية التي تأسست في العام 1787 لم يكن يخطر ببالها أن العبودية ستستمر ثلاثة قرون أخرى بعد نضالها من أجل إلغائها. لا سيما بعد قضية جيمس سومسرت العبد الذي جلب إلى لندن، وحصل على حريته بفضل حكم القاضي اللورد مانسفيلد في العام 1772 الذي أقر بأن العبودية “ضد القانون”.

خبير العبودية الشهير البروفسور كيفن بيلز من جامعة روهامبتون في لندن يتوقع وجود حوالي 27 مليون شخص يعانون من العبودية الكلاسيكية حول العالم. يضاف إليهم أكثر من 100 مليون شخص بحسب منظمات الإغاثة ممن يعيشون في ظروف أقرب إلى العبودية

وقد كشفت منظمة “هوب فور جوستس” والتي يعني اسمها “أمل من أجل العدالة” أن التحقيقات الرسمية برهنت على أن 336 جريمة عبودية قد وقعت في بريطانيا ما بين عامي 2011 و2014. وأن عدد حالات الاتجار بالبشر تقدر بنحو 100 ضعف ذلك الرقم.

وقال الرئيس التنفيذي للمنظمة إن العبودية الحديثة “ليست مسألة محدودة وإنما تشكّل تجارة كبيرة ومربحة في بريطانيا إضافة إلي كونها قليلة المخاطر”. مضيفاً أن الاتجار بضحايا العبودية يحقق ربحا شهرياً للمتورطين يقدّر بنحو 15 ألف جنيه إسترليني.

تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية التي كانت تتولى حينها حقيبة الداخلية اعترفت بأن “الرق في العصر الحديث جريمة شنعاء لا تعرف أيّ حدود ولا تفرّق على أساس الجنس أو السن أو العقيدة أو الثقافة أو العرق”، وأعلنت عن قرارها بنشر موظفي جمارك متخصصين في مكافحة “العبودية الحديثة ” في المرافئ والمطارات البريطانية.

العالم عاريا أمام قيمه

تذكر وكالة الأنباء الألمانية أنه وعلى المستوى الرسمي، فقد تم القضاء على العبودية في كافة أنحاء العالم، لكن ذلك “يبقى مجرد حبر على ورق على أرض الواقع”. وتنقل عن خبير العبودية الشهير البروفسور كيفن بيلز من جامعة روهامبتون في لندن أنه يتوقع “وجود حوالي 27 مليون شخص يعانون من العبودية الكلاسيكية حول العالم. يضاف إليهم أكثر من 100 مليون شخص بحسب منظمات الإغاثة ممن يعيشون في ظروف أقرب إلى العبودية، ونحن نقوم باستهلاك ما يصنعون”.

حالات الاستعباد في أنحاء العالم كثيرة جداً، وبات من الصعب تمييزها عن كافة ممارسات الاستبداد، سواء استبداد السلطات الحاكمة أو استبداد المال أو استبداد الدين ورجاله.

والحقيقة أن القيم العالمية بحد ذاتها، وبوجود هذا القدر من العبيد، إنما تجد نفسها عارية أمام المرآة، حين يعجز قادة الحضارة العالمية عن إيقاف هكذا ظاهرة. لتصبح تلك القيم محل تشكيك من جديد. إذ أن اختبار تلك القيم ما يزال يثبت عدم صدقيتها سواء في أبوغريب في العراق أو في سوريا أو ليبيا أو اليونان التي تتاجر فيها شبكات الرق باللاجئين واللاجئات علناً ودون أيّ تدخل من المنظمات الدولية.

وكيف يمكن للأنساق الحديثة أن تحارب العبودية والرق في ظل وجود تشريعات في مناهج الدراسة في عالمنا العربي والإسلامي تبيحه وتتغنّى به، دون أن تشير إلى أن ذلك الزمن الذي شاعت فيه تقاليد الغزو والسّبي قد أفل منذ عصور، وأن الزمن الحالي هو زمن المساواة بين البشر، ولكن من أين يمكن لواضعي المناهج الحديث عن المساواة في هذا الزمن وكل ما فيه يشير إلى وجود سادة وعبيد حتى دون أن تكون بشرتهم سوداء ودون أن يحملوا صكوك عبودية، فإلى أيّ عالم نحن سائرون؟

12