عبد الله العراقي يحرض على القتل من أجل أرض الميعاد

السبت 2013/10/12
أصله العراقي لم يخمد كراهيته للعرب

لندن- عوفاديا يوسف، الحاخام الأكبر للطائفة الشرقية "الأول في صهيون"، والزعيم الروحي للشرقيين ومفتي الإسرائيليين وقاضي التوراة وعملاقها كما يطلق عليه أنصاره.. كان زعيما دينيا ذا نفوذ سياسي كبير في إسرائيل.. يكره العرب كرها شديدا وقتلُ الفلسطينيين عنده "واجب توراتي مقدّس".

بينما كانت حشود الإسرائيليين وكبار المسؤولين الغربيين يشيّعون جثمان كبير الحاخامات اليهود، في إسرائيل، والزعيم الروحي للطائفة اليهودية الشرقية، عوفاديا يوسف، كان صدى تصريحاته المتطرّفة يرنّ مذكّرا بهذا الحاخام الذي تذلّل له مختلف قادة إسرائيل، من رابين إلى نتنياهو.

رغم أنه كان عراقي المولد والأصل، إلا أن الكراهية التي كنّها عوفاديا يوسف، أو عبد الله، وهو اسمه الأصلي عندما ولد في بغداد، للعرب كانت متطرّفة جدّا، وقد عبّر عن مشاعره في مختلف خطبه الدينية وتصريحاته وفتواه، عُرف عن يوسف، أنه كان سليط الألفاظ ومتطرّف الوصف، وقد كال للعرب الكثير منها، حيث قال في إحدى عظاته في القدس عام 2001 "إنهم يتكاثرون كالنمل.. تبا لهم فليذهبوا إلى الجحيم". وفي أحد دروسه الدينية أفتى بإجازة "قتل العرب وإبادتهم جميعا".

هذه المشاعر تجاه العرب والفلسطينيين إلى جانب تمسّكه الشديد بمزاعم أرض الميعاد ومعارضته الشديدة للمساس بالقضايا المحورية في المفاوضات مع العرب وأهمها القدس والمستوطنات واللاجئين، جعلته يتبوّأ مكانة هامّة في المجتمع الإسرائيلي ويكون صاحب تأثير كبير في السياسات الإسرائيلية.

في إحدى خطبه يزعم يوسف أن الدين اليهودي يحث على التخلص من كل من يسكن فلسطين، وأنه جاء في التلمود "إذا دخلت المدينة وملكتها فاحرص على أن تجعل نساءها سبايا لك ورجالها عبيدا لك أو قتلى مع أطفالهم".

كما صرح في بعض كلماته الأسبوعية بأنه يأمل في أن يختفي الذين يكرهون إسرائيل مثل الفلسطينيين وإيران من العالم، وقال "ليختفي كل هؤلاء الأشرار الذين يكرهون إسرائيل مثل الرئيس عباس والفلسطينيين عن وجه الأرض وليضربهم الطاعون".

وتصف دراسة تحليلية لمركز "أطلس" للدراسات الحاخام اليهودي بأنه كان زعيما دينيا وسياسيا كبيرا بدرجة غير مسبوقة، وكان الشخص السياسي من خارج الحياة السياسية الرسمية الأكثر تأثيرا ونفوذا على الحياة السياسية، بحكم سلطته ونفوذه على حركة "شاس"، وعلى جمهور اليهود الشرقيين عامة، مما منحه مكانة استثنائية، وأشعره بثقة مطلقة وكأنه فوق القانون، وعمليا كان فوق القانون فاستخف بقوانينهم وسخر من علومهم، وكان لسانه سليطا حادا نزقا وعصبيا، لذلك كان سرعان ما ينعت خصومه أو منتقديه بالكفر والزندقة ويخرجهم من اليهودية، دون أن يجرؤ أحد على مقاضاته على القذف والشتم أو التحريض العنصري.


حراس التوراة الشرقيين


مثّل موت الحاخام عوفاديا يوسف، الذي ولد في بغداد سنة 1920، وهاجر في سن الرابعة مع والديه إلى فلسطين، حدثا بارزا في المجتمع الإسرائيلي. وبإعلان خبر وفاته قطعت كافة وسائل الإعلام الإسرائيلية بثها لنقل الحدث، بينما نشر رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بيانا بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي أعرب فيه عن حزنه لوفاة "عملاق التوراة".

عوفاديا يوسف هو الحاخام الأكبر السابق لليهود الشرقيين (السفارديم والحريديم) في إسرائيل وكثيرا ما حاول الساسة الإسرائيليون ونواب الكنيست كسب وده، للفوز بنواب حزبه الذي يمثل حجر الزاوية في الائتلافات الحكومية. ونجح يوسف في جمع تأثير رجال الدين ودهاء السياسي من خلال "حركة شاس" التي أسسها، وهو حزب ديني متشدّد يعدّ من أعمدة التحالف الحكومي في إسرائيل ولعب منذ تشكيله دورا مهما ومؤثرا في الحياة السياسية في إسرائيل. وتشغل الحركة أحد عشر من مقاعد البرلمان الـ 120. و"شاس" هو اختصار لاسم "حراس التوراة الشرقيين".


مواقف متشددة


في العشرين من عمره نال عوفاديا يوسف لقب حاخام وأصبح "ديانا" قاضيا في محكمة شرعية، وفي سنة 1943 أرسل إلى القاهرة ليكون قاضيا ونائبا للحاخام الرئيسي حاييم ناحوم افندي، وإلى إسرائيل سنة 1950. وتشير السيرة الذاتية ليوسف، الصادرة عن مركز "أطلس" للدراسات، إلى أنه منذ عودته من القاهرة عكف على القراءة الدينية وكتابة الكتب، إلى جانب وظائفه الدينية في المؤسسات الحاخامية، وفي سنة 1972 وصل إلى المنصب الرسمي الديني الأعلى لليهود الشرقيين وهو الحاخام الأكبر للطائفة الشرقية ويلقب "الأول في صهيون"، حيث لإسرائيل حاخامان أكبران؛ أحدهما للاشكناز وآخر للشرقيين، بحكم اختلاف العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية لكل طائفة.

وبعد تقاعده من وظيفته كحاخام أكبر دعم الحاخام شاخ، أحد أكبر الحاخامات الاشكناز، وشكل مجلس حكماء التوراة الذي ترأسه. هذه المناصب العليا، التي تجمع بين البعدين الديني والسياسي، التي شغلها عوفاديا يوسف، إلى جانب مواقفه المتشدّدة بشأن القضية الفلسطينية، جعلته يتمتّع بمكانة متميزة في إسرائيل مكّنته من أن يكون صاحب قرارات ومواقف مؤثرة في الرأي العام الإسرائيلي.

لذلك يعتبره الكثيرون أهم شخصية دينية في الجيل الحالي، وهو مصدر الفُتيا الدينية. فكما كان الراحل مثيرا للجدل بفتاويه الغريبة والعنصرية، كان أيضا أكثر رجال الدين نفوذا في إسرائيل.

المختصون في الدراسات التوراتية يقولون إن تأثير يوسف على الإسرائيليين واليهود بصفة عامّة سيبقى بارزا، حتى بعد وفاته، نظرا إلى إسهاماته الفقهية الكبيرة.

ويجمع المختصون وكبار رجال الدين، وأيضا الزعماء السياسيون، على أنه كان يتمتع بجرأة كبيرة في مجال الإفتاء، وكان يختلف مع من سبقوه، ويخرج أحيانا عن بعض الفتاوى القديمة المؤسسة، حيث استند بشكل أساسي في فتاويه الخاصة إلى تطبيق الشرائع اليهودية في الحياة الدنيوية على مبدأ التخفيف والاعتدال.

ويذكر الدارسون للمشهد السياسي الإسرائيلي أن يوسف كان يتبع منهجا ليبراليا نسبيا في المسائل الدينية، حيث سمح لزوجات الجنود الإسرائيليين، الذين قتلوا في حرب أكتوبر 1973، والذين لم يتم العثور على جثثهم بالزواج مرة أخرى، في فتوى اُعتبرت ثورية من وجهة نظر حاخاميي الأصولية المتشددة، واعترف بيهودية اليهود الأثيوبيين (الفلاشا) وهي مسألة اختلف عليها حاخامات آخرون، كما أنه أجاز التهويد داخل المؤسسة العسكرية، وكان له وجهة نظر "معتدلة" من زواج مجهولي النسب، ومن الاستماع لصوت المرأة في المذياع، وعمل المرأة في بعض المؤسسات الخيرية التطوعية، وله عشرات الكتب والكتيبات في مجال الفقه اليهودي، ويقول عنه نتنياهو في هذا الشأن "كان الحاخام عوفاديا يوسف واحدا من العظماء، استطاع أن يفتي فتاوى جليلة كان لها أثر عظيم في تاريخ إسرائيل"، أما بيرس فيقول عنه "كان الحاخام عوفاديا يوسف رجلا عظيما وهب نفسه للعلم، واستطاع أن يحل مشكلات ما كان غيره يستطيع حلها".

ومن تصريحاته المتطرّفة: "في القدس لا يسكن سوى شعب إسرائيل، والسور يكرس قداسة المكان، ولا يسكن في المكان سوى اليهود، وكل الأغيار جميعا، سيأتي المسيح ويحرقهم كلهم، هكذا دفعة واحدة ويلعن أباهم". كما أثار فضيحة عندما قال إن ضحايا "المحرقة اليهودية" هم انبعاث لأرواح خاطئة، تم بعثهم مرة أخرى للتكفير عن أخطائهم وابتعادهم عن التوراة.


تحسين أوضاع السفارديم

الزعيم الروحي لـ"السفارديم"
عوفاديا يوسف من مواليد بغداد 1920، وكان اسمه في العراق "عبد الله"، وهو ابن يعقوب وجرجيا "يوسف"… هاجر مع أبويه إلى فلسطين وهو في الرابعة من عمره واستقرت أسرته في القدس. توفي عن سنّ نهازت الـ93 سنة، بعد مشوار حياة مثيرة للجدل جمعت بين الديني والسياسي.

درس يوسف التوراة منذ صغره وتم اعتماده كحاخام بمعرفة الحاخام الأكبر آنذاك "بن تسيون مائير"، وعندما تزوج من مرجليت بنتال في الأربعينات، عمل أيضا كقاض، وفي عام 1947 سافر مع أسرته إلى مصر ليترأس المحكمة الحاخامية (محكمة دينية خاصة بالطائفة اليهودية)، ولكنه لم يكمل مدة البعثة بسبب خلافات مع اليهود في مصر.

بعد عودته إلى إسرائيل خدم في المحكمة الحاخامية في بتاح تكفا، وفي 1951-1952، نشر كتابه عن قوانين عيد الفصح اليهودي بعنوان (عوفاديا تشازون).

وعين عوفاديا في محكمة الاستئناف اليهودية العليا في القدس، وتم انتخابه كبيرا لحاخامات السفارديم (اليهود الشرقيين) في إسرائيل في عام 1973. وهو الزعيم الروحي لحزب حركة "شاس" وهو ثالث حزب إسرائيلي..


ودعا يوسف إلى "إبادة العرب بالصواريخ" وتمنى "محوهم من وجه البسيطة". وعشية الاحتفال بإطلاق مفاوضات السلام المباشرة في أنابوليس عام 2008 تمنى يوسف زوال الفلسطينيين "الأشرار" من العالم بضربة قاضية.

في المقابل رفض عوفاديا يوسف التوقيع على فتوى عنصرية لمجموعة حاخامات في 2010 حرموا فيها تأجير الشقق للعرب، وأشار إلى مخاطرها على اليهود في العالم. وفي معرض تبرير رفضه للفتوى يتساءل يوسف: تخيلوا أن يحاول يهودي في بريطانيا أو فرنسا ويطلب ابتياع أو استئجار شقة ويرفضونه فماذا نقول عندها؟ لكن الحاخام يوسف كان أصدر فتوى عنصرية مماثلة في أكتوبر/تشرين الأول 2011 حرّم فيها بيع المنازل للعرب حتى لقاء مبالغ باهظة "كي لا يسيطروا على الدولة".

كرّس يوسف حياته لدعم مواقفه التي آمن بها وسعى إليها ودافع عنها، من ذلك سعيه الدؤوب لتحسين أوضاع اليهود السفارديم في إسرائيل. وكان ذلك لا يكون إلا بالتصويت في الانتخابات البرلمانية، والمشاركة في الحياة السياسية وهو ما يعتبره المفتاح لتحسين تلك الأوضاع.

وقد رفع يوسف التمييز عن "السفارديم"، وهم اليهود من أصول شرقية، الذين يمثلون نحو نصف السكان في إسرائيل، والذين لطالما عانوا من المؤسسة "الاشكينازية"، أي اليهود الغربيين بما في ذلك في أوساط اليهود المتدينين.

لكن، على الرغم من رغبته وطموحه الجامح في إعادة المكانة الرفيعة للفقه الشرقي "عطراه ليوشناه"، إعادة المجد الماضي، فإن الطائفة الدينية الاشكنازية ظلت تهيمن في مجال الفقه، واحتفظت تقاليدها بمكانتها المرموقة داخل الطوائف الدينية، وظل الفقهاء الاشكناز هم أصل الفقه حتى في نظر الحاخامين الشرقيين.


أهمية سياسية


الزعيم الديني كان أيضا زعيما سياسيا مؤثّرا ولاعبا رئيسيا في الملف السياسي الإسرائيلي وملف القضية الفلسطينية واتفاقيات السلام وخصوصا ما يتعلّق بالقدس المحتلّة. ومن خلال زعامته الدينية لحزب شاس، كانت له العديد من المواقف المثيرة للجدل في السياسة الإسرائيلية، فقد أثار الحاخام يوسف الكثير من الجدل داخل إسرائيل، على مدى سنوات، حيث ظل يخصص خطبة يوم السبت لـ"سب" زعماء اليسار واليمين، وبينهم بنيامين نتنياهو وإرييل شارون.

كما وافق الحاخام يوسف على مشاركة "شاس" في معظم الحكومات الإسرائيلية، باستثناء الحكومتين الأخيرتين لأرييل شارون، كما عارض بشدة في عام 2005 خطة الانسحاب الأحادي الجانب من غزة، ورفض فكرة إجراء استفتاء عليها، وأصدر تعليماته لأعضاء "شاس" في الكنيست بالتصويت ضد الخطة. ومن أنواع الضغوط التي مارسها أنه أعطى توجيهاته لزعيم حركة "شاس" إيلي يشاي بالعمل للإفراج عن جلعاد شاليط.

وسيطرة حركة "ساش" شكلت نقاشا وتجاذبا حادا على المستوى السياسي والاجتماعي الإسرائيلي وصل حد الاتهامات العنصرية والشقاق العرقي، ونظر إليها خصومها السياسيون وغالبية المجتمع والإعلام على أنها حركة طائفية تبتز الحكومات، وتشكل عبئاً مالياً على خزينة الدولة، حيث تحصل بطريقة الابتزاز السياسي على أموال كبيرة من الدولة، تنفقها على مؤسساتها التعليمية والاجتماعية، مما أسهم في تشكل رأى عام كبير نسبياً ضد حركة "شاس" أفضى إلى إقامة أحزاب سياسية على خلفية العداء لحركة "شاس" من أبرزها "شينوى وحزب المستقبل".

وتعرض يوسف لانتقادات من اليمين المتطرف، عندما امتنع عن التصويت في الكنيست على اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين. وأكد وقتها أن "الحياة أهم من الأراضي (الفلسطينية)" أي قبول فكرة القيام بتنازلات عن الأراض مقابل السلام، ولكنه، وبعد "التسامح" الذي أبداه واستقباله لقادة فلسطينيين على خلفية فتواه التي ساهمت في تمرير اتفاق أوسلو في 1993، أنقلب الحاخام وتبنى مواقف أكثر تشددا بضغط من قاعدته اليمينية.

وأصبحت "شاس" جزء من المشروع الاستيطاني والأمني في الضفة، وتحولت إلى أكثر الحركات ارتباطا بالمشروع الصهيوني من بين كل الأحزاب الأصولية، وهو ما يستقيم جيدا مع روح الفكر السياسي الديني للحاخام عوفاديا يوسف الذي جمع بين العنصرية الدينية والعنصرية السياسية.

بعد موت الزعيم الروحي للحزب عوفاديا يوسف، عن سنّ ناهزت الـ 93 عاما، فإن المخاوف بدأت تسود أوساط حركة "شاس" من وقوع انشقاقات داخلها، على الرغم مما نُقل عن أحد أولاد الحاخام يوسف العشرة أن والده أوصى بالمحافظة على الحزب وحمايته من الانشقاق. وذكرت صحيفة يديعوت أن العيون تتجه الآن إلى وزير الداخلية السابق وزعيم الحركة السابق، إيلي يشاي، تحسبا من قيامه بقيادة عملية الانشقاق عن الحركة وتأسيس حزب جديد، وذلك على خلفية النزاع مع رئيس الحركة الحالي أرييه درعي.

15