عبد الله مكسور: كيف لإنسان أن يتحدث عن الحب وهو يتعرض كل يوم للقتل

الجمعة 2014/01/17
مكسور: الوطن في الغياب ألم لا يشعر به إلا فاقده

القاهرة -روائي سوري أفجعه ما تعانيه بلاده من خراب وتدمير، ودوامات عنف لا تنتهي، فأبى إلا أن يعبر بقلمه عن فاجعة بلاده. هو الروائي عبد الله مكسور الحاصل على ماجستير في الإعلام من جامعة القاهرة، والذي كتب حتى الآن أربع روايات هي “شتات الروح”، و”الطريق إلى غوانتنامو”، و”زوربا العربي”، و”أيام في بابا عمرو” وآخرها “عائد إلى حلب” هنا حوار معه.

يرفض الروائي السوري عبد الله مكسور أن يغمض عينيه عمّا يحدث في بلاده، فالكتابة في ظل هذه الظروف التي تعاني منها سوريا مغامرة كبرى لا بدّ من خوضها.

ويتحدّث مكسور عن روايته “عائد إلى حلب” التي كتبها كجزء ثان لروايته “أيام في بابا عمرو” منوّها إلى أنه سيلحقهما بجزء ثالث يأمل أن ينتهي منه في العام الجاري.


مغامرة الكتابة


يقول مكسور في حواره مع “العرب” إنه تحدّث في روايتيه “أيام في بابا عمرو” و”عائد إلى حلب” عن الحالة السورية في الوقت الراهن متجاهلا هؤلاء الرافضين للكتابة عن الحدث وقت وقوعه، مستطردا بقوله إنّ “تناول الحالة السورية أمر طبيعي، فكيف لإنسان أن يتحدّث عن الحب وهو يتعرّض للطعن والذبح كل يوم، الكتابة عن الحدث لحظة وقوعه هي بلا شك مغامرة كبرى وسير في دهاليز وسراديب معتمة مخيفة بحثا عن بصيص أمل، ولكن لو لم نخض هذه التجربة لبقيت كل القصص تنتقل مشافهة على لسان أبطالها الذين عانوا وما زالوا يعانون حتى اللحظة، فالكتابة كانت ضرورية والانحياز للإنسان واجب أخلاقي وأدبــي قبل كل شيء”.

الكتابة عن مخاض عسير كالذي يحدث على أرض سوريا هي مثل انتظار المجهول بمعنى كأنك تقف في محطة قطار وكل راكب من أي اتجاه سيستهدفك

ويضيف ’’الكتابة عن مخاض عسير كالذي يحدث على أرض سوريا هي مثل انتظار المجهول بمعنى كأنك تقف في محطة قطار وكل راكب من أي اتجاه سيستهدفك لأنك لم تمض معه في رحلته، فكانــت المغامـــرة؛ فهناك من يطالب بانتظار اختمار الحدث ونضوجه للكتابة عنه، وهذا كلام كان سيصبح منطقيا لولا أن المأساة فاقت كل الحدود وسبقت كل التصورات فلا يمكن لأيّ أحد أن يتوقع حدوث كل ما حدث، فأي انتظار سيكون له معنى أمام هول الفاجعة التي لم تترك أحدا وشأنه..

حتى من ارتبط مع سوريا بزيارة عابرة ولم تجمعه معها حالة ذاكرة مشتركة طويلة لم يستطع أن يمسك دموعه أمام كلمات طفل قال وهو ينازع البقاء صارخا “سأخبر الله بكل شيء”..

فكيف يطالبنا البعض بالصمت وانتظار اكتمال الحدث.. أيّ فانتازيا هذه التي تقف فيها الأبجدية لانتظار الموت الذي لا بدّ أن يكتمل للضحية!‘


عائد إلى حلب


في روايته الأحدث “عائد إلى حلب” يقدّم مكسور سيرة متخيلة مستمدّة من قصص واقعية لأناس دفعوا ضريبة صمودهم، وآخرين يعانون من القصف والدمار، مصوّرا حال اللاجئين السوريين والكتائب المسلحة المحاربة، والظواهر البارزة في سوريا ويقول مكسور عن الرواية ’’رأى البعض تشابها بينها وبين رواية “عائد إلى حيفا” للراحل غسان كنفاني، ولكنني لم أقصد وجود أيّ تشابه أو مقارنة بينهما، فلا يوجد أي تقاطع بينها وبين رواية غسان إلا على مستوى العنوان فقط ولم يكن ذلك مقصودا، فرواية “عائد إلى حلب هي الجزء الثاني من رواية “أيام في بابا عمرو” والتي انتهت بأسئلة عدمية تبقى معلقة وقد كانت لديّ نيّة مبيتة لاتباعها بجزء ثان منذ لحظة البداية، أما الجزء الثاني فقد أنهيته بمشهد ضرب الكيمياوي قبل استخدامه في الصراع بحوالي أربعة أو خمسة أشهر، ولكنه بقي مفتوحا على العدم أيضا”.

ويستطرد مكسور “النهايات المعلقة في الروايتين لاتحمل بالضرورة إسقاطا على الواقع، وإن كان هناك تشابه يصل ربما حدّ التطابق، فالوضع في سوريا مفتوح على كل الاحتمالات في ظل التخبط الذي يحدث وكذلك أسئلة الأدب ربما هي الوحيدة التي ترى بينما تكون الأجوبة كلها عمياء أو أغلبها، فقد حاولت أن أقدم توصيفا للحالة بعيدا عن المنطلقات النظرية والمبادئ الأساسية وكلام التنظير، فجاء العمل مبنيا بشكل درامي على لسان أشخاص عايشوا الحدث الجلل ولكن من خلال عيني الراوي البطل الذي يستخدم لغة الأنا المتضخمة ليندمج مع الأرض والمدن وتاريخها وأهلها الأوائل، وكشف تجار الحرب ومتسلقي الثورات، وبائعي الدم، إنها الحرب.. التي تجري في مواجهة الوطن أمام عيون الجميع".


السجن والأدب


وبالنظر إلى أبرز الأعمال الأدبية الصادرة عن أدباء سوريين في العام السابق، نجد أن الشأن السوري كان هو الهمّ الأكبر الشاغل لهم جميعا وإن اختلفت طرق التعبير، وتأتي على رأس هذه الأعمال رواية “لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة” للروائي خالد خليفة، و”تقاطع نيران” للروائية سمر يزبك، و”من لايعرف سيمون” للروائي عمر مقدور، و”طبول الحرب” للكاتبة مها حسن، بالإضافة إلى بروز كتابات عن أدب السجون وعلى رأسها كتاب “خيانات اللغة والصمت – تغريبتي في سجون المخابرات السوريّة” للشاعر فرج بيرقدار الذي وثق فيه تفاصيل الموت البطيء في المعتقلات السورية فضلا عن رواية الكاتب “عائد إلى حلب”.

مكسور ينعى غيابه عن وطنه

وعن هذا يقول مكسور “من الطبيعي أن يكون هناك سطو كبير للأحداث المزلزلة التي تشهدها البلاد ولكن اختلف تناولها بين الكتاب فمنهم من عاد بالذاكرة إلى الماضي البعيد ليناقش جذور المشكلة، ومن هذه الحالة رواية خالد خليفة ومنهم من اتجه لمناقشة الحدث الآني اللحظي الذي يسيطر على المشهد ككل، وهنا أقصد الحالة الثقافية عموما التي شهدت انقساماً ملحوظاً تجاه ما يحدث في سوريا، وليس فقط الحالة الروائية”.

ويستطرد “العمل الأدبي ليس خارطة طريق وليس وثيقة تاريخية، إنه يقدم رؤية ربما تكون عميقة على لسان شخوص متنوعين تكون أرض الحدث هي مسرحهم، فالعمل الأدبي محاولة لإيجاد الحقيقة أو إعادة قراءتها، وربما في لحظة ما إعادة تشكيل الحقيقة التي يراها الإنسان من زاويته التي يقف فيها فقط في حين تكون زيفا لإنسان يقف على الضفة الأخرى، العمل الأدبي رؤية تسعى لتقديم سرد عميق بقراءة متأنـــية وبتفصيـــل يصل حدّ المـــلل والموت”.

يؤكد مكسور أنه يقف في أعماله على مسافة واحدة من كل الشخضيات التي تأخذ منه ويعطيها بعضا من شخصيته، ولكنه لا يشبه أحدا منهم حدّ التطابق قائلا “أنا نسخة مزيفة عنهم وهم نسخة مزيفة عني، نقترب في بعض فواصل الذاكرة ثم نفترق في مفاصل الأحداث ليسير كل منّا حسب سرده الدرامي”.

وينوه إلى أنه بصدد كتابة الجزء الثالث من السلسلة بعد روايتي “أيام في بابا عمرو”، و”عائد إلى حلب” ومن المتوقع أن ترى النور نهاية العام الجاري، رافضا ذكر أيّ تفاصيل تتعلق بالعمل إلا بعد الانتهاء منه.


طاقات إبداعية


وبأسى ينعى “مكسور” غيابه عن وطنه فيقول “الوطن في الغياب ألمٌ لا يشعر به إلا فاقده و المواطنةُ تغدو رفاهية في ظل الموت القادم من كل اتجاه، فالغياب فُرض عليّ ومن ثم كانت طريق المطار هي أقصر الطرق نحو المستقــبل، وحــين يصــبح المــوت غيمة تظلل البلاد تصبح الحياة كشعلة في رأس شمعة موضوعة في مهبّ الريح”.

ويعبر مكسور عن إعجابه برواية “لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة” للروائي السوري خالد خليفة والمرشحة في القائمة الطويلة لنيل جائزة البوكر معتبرا أن ترشيح عمل سوري واحد فقط لنيل الجائزة مقابل عدة أعمال من مصر والمغرب والعراق لايعبر عن وجود أيّ أزمة في الإبداع وإنما هي ظروف المشاركة في الجوائز، فليس كل الكتاب أو دور النشر تشارك بأعمالها في الجوائز".

ويضيف “حالة المشاركة لها ظروفها وشروطها ووقتها الزمني ولكن لو نظرنا بشكل عام إلى الإصدارات الإبداعية لكتاب سوريين منذ ثلاث سنوات حتى اليوم لوجدناها كثيرة جدا، فضلًا عن المجلات والصحف والمواقع الألكترونية التي ظهرت وهذا يدل على وجود طاقات إبداعية خلاقة، وبالتالي لا توجد أيّة أزمة في الإبداع".

ويستطرد مكسور “الأزمة تكمن في تسويق المنتج الثقافي وإيجاد سوق حقيقية للمطبوعات فضلا عن قوانين حقوق الملكية الفكرية، ولا بدّ من إيجاد خطط واعية تدرك هذا الواقع المخيف الذي يرشح لنا تقارير المعرفة العربية، فتسويق المنتج هو الأساس في إيجاد حالة ثقافية حقيقية تساعد المجتمعات على النهوض”.


* مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد


15