عبد المالك أشهبون: علينا أن نتحول من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث

الجمعة 2013/12/13
أشهبون: تراجعت الدولة العربية المدنية لصالح الدولة الدينية

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشددة ومتطرفة، أدت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حادّ في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار ضمن سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

وصف الناقد المغربي عبد المالك أشهبون الأزمة الراهنة للفكر العربي بأن العرب لم يعيشوا بعد عصر الأنوار الذي يحيل إلى هذه الظاهرة الفكرية الواسعة الانتشار التي عرفتها أوربا في القرن الثامن عشر.

وأكد أشهبون أن الحاضر تسوده عناصر الشك والريبة والحيرة جراء الاختلاف، وقلة المفكرين الذين يمكنهم ملامسة أسباب تأخر المجتمع العربي، واكتشاف تغلغل التدين في المجتمعات العربية، وفي الحوار معه ألقى الضوء على النقاط الجوهرية التي ينبغي العمل عليها للخروج بالفكر من أزمته.


مجتمع العقل

العقل العربي لم يقطع مع الماضي، بكل تجلياته من قبيل انتشار الفكر الخرافي وترسخ ظواهر الاستبداد وانتشار الأمية والفقر، كل هذا يشكل عائقا شامخا نحو مجتمع (العقل) وسيادة حضارة (العلم) وثقافة (الحرية)


بداية أكد عبد المالك أشهبون أن الوضعية الراهنة مثيرة للكثير من التساؤلات، فكأن الواقع الجديد تجاوز كل حدود الفهم والإدراك، نظرا لتسارع الأحداث والوقائع على الأرض نتيجة ما عرف بالربيع العربي الذي وسمه آخرون بالخريف العربي نتيجة ما ترتب عن هذه الثورات من قضاء على الحكم الاستبدادي من جهة، ومن ارتدادات بالغة الخطورة في مجال حرية الرأي وحقوق الإنسان وتراجع الدولة المدنية لصالح الدولة الدينية في بعض الأقطار التي شهدت هذه الثورات.

وفي هذا الشأن، أضاف أشهبون قوله: "وكأن كل التنظيرات الفكرية التي عرفها وبشر بها مفكرون عرب أمثال محمد عابد الجابري أو عبد الله العروي أو حسن حنفي أو محمد أركون وغيرهم من دعاة التنوير في الفكر العربي المعاصر، انهارت فجأة وغدت الثقافة العربية بلا سند تنويري.

وغدت كل أدوات صناعة الثقافة في عالمنا العربي أقرب إلى العقم والصدأ، كأن لا ماضي وراءنا، ولا مستقبل أمامنا، أما الحاضر فهو حاضر التفتت والحيرة، والشك والريبة، "لكثرة الخلاف فينا ولوحدة المختلفين علينا" تلك هي المسألة التي تقض مضجع كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج".

ولفت عبد المالك أشهبون الانتباه إلى أن قليلين من يجرؤون على استذكار هزائم الدول العربية، وقليلين هم المفكرون الذين لامسوا أسباب تأخر المجتمع العربي. "من أجل تجاوز تلك الأسباب في أفق ولوج مرحلة قادمة، يكون المؤشر الكبير لميلاد وعي فكري جديد بإمكانه الدفع إلى الأمام من أجل مواجهة صريحة مع الذات والآخر، في اتجاه خروج الإنسان العربي من حالة كونه قاصراً، وعاجزا عن استعمال ذهنه دون الاستعانة بالآخرين، وهو المسؤول عنها، لأن سبب ذلك ليس في الذهن، بل هو نقص شجاعة في أن يسلك الإنسان طريقه دون استعانة بالآخرين".

وأكد أن العرب لم يعيشوا بعد عصر الأنوار الذي يحيل إلى هذه الظاهرة الفكرية الواسعة الانتشار التي عرفتها أوربا في القرن الثامن عشر، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، والتي تجلت في عدة مناح، منها نقد الفكر الديني، وتأكيد أولية الإنسان ودعم استقلاله وإرادته، وباعتبار أن شرعية السلطة يجب أن تكون نابعة من "التعاقد الاجتماعي" الحر، بالمقابل لا زال عالمنا العربي يكشف عن طبيعة تشكل العقل العربي الذي لم يقطع بعد مع الماضي، بكل تجلياته المعيقة لتطوره والتي تحول حجرة عثرة في سبيله من قبيل انتشار الفكر الخرافي والأسطوري وترسخ ظواهر الاستبداد، وانتشار الأمية والفقر، كل هذا وذاك يشكل لا محالة عائقا شامخا نحو مجتمع "العقل" وسيادة حضارة "العلم" وثقافة "الحرية".


تحرير العقل المجتمعي


في ضوء ذلك تجيء تساؤلات كثيرة منها لماذا الفكر العربي هش؟

هل هشاشته ترجع إلى كونه لم يقدم رؤية مستقبلية تسهم في تحرره ومن ثم تحرير العقل المجتمعي أم بسبب ضربات الأنظمة وحلفائها من جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي؟ أم أن هشاشته داخلية نتيجة انقسامه بين الاتجاه للغرب والاتجاه للتراث؟

وهنا رأى عبد المالك أشهبون أنه رغم أننا نجد الجابري قد كتب "نقد العقل العربي"، فيما كتب محمد أركون "نقد العقل الإسلامي"، وحلل عبد الله العروي "أزمة المثقفين العرب"، وشرح "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، فيما انبرى صادق جلال العظم إلى نقد التفكير الديني وصب جام غضبه على "ذهنية التحريم" التي تسود ثقافتنا العربية، وفي المنحى نفسه كتب حسن حنفي" من "العقيدة إلى الثورة".

وكلها كتب تحث على ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث: أي إرساء قطيعة إبستيمولوجية ـ بالمفهوم الباشلاري ـ مع "بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر"، بما لا يعني هنا الانفصال الكلي عن التراث ذاته بل "القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا من "كائنات تراثية" إلى كائنات لها تراث، أي إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها، المقوم الجامع بينها كشخصية أعم، هي شخصية الأمة صاحبة التراث".

رغم أن عددا كبيرا من الدراسات في الفكر العربي المعاصر قد كشفت سمات العقل العربي، إلا أن ذلك لم يتبلور على صعيد الممارسة وتطوير النظام السياسي والتغيير نحو إنتاج الديمقراطية والعقلانية

وأضاف "مع ذلك اكتشفنا مع ثورات الربيع العربي أننا أمام تغلغل مظاهر التدين الشعبي بصورة لم نكن نتصورها من قبل، مما يدفعنا إلى طرح سؤال هشاشة آراء وتصورات وأفكار رواد التنوير وعدم استطاعتهم نقل أفكارهم من دوائر محدودة من القراء المتخصصين، نحو إشعاع أكبر يطول فئات وشرائح مجتمعية أكبر وأوسع وأشمل.

من هنا نستعيد من الجابري نصيحته التي ينهي بها كتابه "الخطاب العربي المعاصر": "إن الحاجة تدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى تدشين "عصر تدوين جديد تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح…نقد العقل العربي".

وخلص عبد المالك أشهبون إلى أنه رغم أن عدداً كبيراً من الدراسات في الفكر العربي المعاصر قد كشفت سمات العقل العربي، إلا أن ذلك لم يتبلور على صعيد الممارسة وتطوير النظام السياسي والتغيير نحو إنتاج الديمقراطية والعقلانية، والحل يبدأ من الكشف عن القوى المهيمنة للنسق الاستبدادي في الثقافة العربية، فبدون ذلك يغدو السياق الثقافي العربي غير منتج لأي تغيير أو نمو فعلي.

_________________________


الإثنين: رسول محمد رسول "المثقف الإرهابي"- جزء من نخبة تستمرئ قتل الآخرين

15