عبد الهادي الوشاحي فنان الطرافة والغرابة والمنحوتات الطائرة

الأحد 2013/10/06
الوشاحي كان يؤكد أن الهدف الأسمى للفنان يتمثل في إسعاد العالم ومحاربة الظلام

رحل الفنان عبد الهادي الوشاحي أحد أهم فناني العالم في فن النحت عن عمر يناهز السبعين، قضى ما يزيد عن خمسة عقود من عمره وهو مشغول بإسعاد العالم وتحرير الكتلة من الفراغ، جاءت أعماله الفنية مغايرة ومثيرة للدهشة منشغلة بطرح التساؤلات، حول الهوية المصرية، لذلك جاءت أعمال الوشاحي لتنقر على جدار ذاكرة المصريين تدعوهم للتفاؤل، لذا جاء رحيل الوشاحي بمثابة صدمة للحركة التشكيلية في العالم العربي.

يبدأ الفنان سيد عبده سليم.. حديثة عن الوشاحي "لقد استقبلت خبر رحيل الوشاحي بمنتهى الحزن والأسف. فقد خسرت ساحة الفن التشكيلي واحدا من أهم علامات النحت في مصر والعالم العربي كله، وأحد رواد التنوير في حركة الفن التشكيلي".

وأضاف سليم أن معرفته بالوشاحي جاءت منذ فترة أواخر الستينات وبداية السبعينات، فقد تخرج من كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1967، وكان الوشاحي وقتها قد سبقه بالتخرج بسنة أي عام 1966. كانت تلك الفترة والمسافة الزمنية التي خرج فيها الوشاحي من الإسكندرية للقاهرة تاركا بكلية الفنون الجميلة بعض الأعمال الفنية التي أبهرتهم، وكانت مغايرة لكل ما كان مطروحا في هذا التوقيت. امتدت علاقته بالوشاحي بعد تخرجه من الفنون الجميلة وصار أحد المقربين إليه، غير ذلك صارت مشاركة فنية بينه وبين الوشاحي في بعض الأعمال.

استمرت هذه العلاقة حتى قبل رحيله بساعات. ويستطرد عبده سليم: "لقد كان الوشاحي طوال الوقت مهموما بفكرة التنوير التي منها انطلقت أعماله وأفكاره التي كان يهدف بها طوال الوقت إلى إسعاد العالم. ثمة رؤية فلسفية وراء كل ما كان يقدمه الوشاحي؛ فكان يؤكد لنا دائما أن الهدف الأسمى للفنان يجب أن يتمثل في إسعاد العالم ومحاربة الظلام. ورغم كل الظروف التي عاشها الوشاحي وكثير من الفنانين أمثاله والمهمومين بفلسفة الفن من خلال صراع الفن مع الوجود، إلا أن صراعه مع المرض في الفترة الأخيرة لم يشغله عن استكمال مشروعه الفني"..

يبقى شيء جدير بالإشارة أن تفرد الوشاحي جاء نتيجة لتميز أسلوبه بالدقة في اختيار موضوعاته، وقد جاءت أعماله الفنية في منتهى الدقة والمهارة، إذ استطاع أن يخترق الفراغ وأن يحرر الكتلة من الفراغ؛ هذا ما صنع له بصمة جعلته متفردا في مجال فن النحت ولا يمكن لأحد أن ينافسه عليه.

يمكن القول إن أعماله استطاعت أن تصل إلى العالمية. ففي الوقت الذي كانت فيه الواقعية الكلاسيكية منتشرة خرج الوشاحي لكي يتألق بين أقرانه بأسلوبه المتفرد، فتناول الأسطح والكتلة بمهارةٍ شديدة الخصوصية. لقد تجاوز فنه حدود الرؤية النحتية. فتجده يحوي طاقات جمالية، وأخرى فلسفية، ورؤى مبتكرة في الكتلة والفراغ، وكانت أعماله هي الصراع مع الزمن؛ فتجد أعمالا مثل الصرخة، والوجوه، وإنسان العصر الحديث تصدر تلك الجماليات.. غير أن تمثال طه حسين تلك القطعة الرائعة والجميلة لقيمة التنوير والوعي هي أحد أعمال الوشاحي المميزة، والتي يجب على الدولة اختيار أحد الميادين العامة ليدشن فيها تمثال طه حسين.

أعمال الوشاحي تميزت بالنحافة الجمالية والانطلاقة في هواء الوطن


أعمال ثائرة


يضيف الفنان عبد الرازق عكاشة: "إنه برحيل الوشاحي تسقط أوراق توت شجر الهوية المصرية لما يمثله هذا الرجل من حجر زاوية في النحت المصري المعاصر. ذلك النحات الصلب الرقيق الذي نحت الحرية في أعمال طائرة وثائرة. فتميزت بالنحافة الجمالية والانطلاقة في هواء الوطن المعطر برائحة الثورة، ومازال عالقا في الذاكرة عمله الرهيب الفخم "تمثال طه حسين" الذي توقف فجأة؟؟ بعد صده من وزارة الثقافة، لكن هذا العمل هو حقيقي علمي عالجه بأفكار فلسفية. والفلسفة تتمثل في هوية الرجل "طه حسين" واستيعاب فكره وأدبه الإبداعي في منطقة الرأس التي تشابهت كثيرا مع تمثال "بلزاك" الذي نحته "رودان" في ميدان مونبرناس بباريس.

أما "الجسد" فكان عملا إبداعيا رائعا موازيا لأعمال الوشاحي السابقة.. المرأة الإنسان، فيه تبسيط واختصار واتزان، والاتزان فلسفي وإبداعي، وفي التكوين نجد الوشاحي ملكا في مملكة النحاتين الذين ينحتون الاتزان والتوازن. وبرحيل الوشاحي تسقط وريقات الهوية المصرية الواحدة تلوى الأخرى".


مشاريع ميدانية


ويضيف الفنان التشكيلي ياسر سلطان: "عبد الهادي الوشاحي كان فنانا كبيرا ومبدعا، وكلمتا كبير ومبدع ليست مجرد كلمات تقال لملأ فراغ التعبير، فحين نصف بهما فنانا مثل عبد الهادي الوشاحي فهما في موضعهما تماما.. والأسباب كثيرة، أولا من حيث الأصالة، فهو كفنان يتسم بأسلوب خاص، وفريد ميّز أعماله النحتية، ففي حين كانت أعمال معظم الرواد الذين سبقوه أسيرة لطغيان الكتلة الفرعونية، تحرر الوشاحي من ذلك الأسر بقوة تكاد تكون ارتدادية أو معاكسة، وأعمال الوشاحي كانت في حالة تحليق، حالة من الحركة الدائرية، كانت تسيطر على الأعمال بشكل مذهل ورائع. كان الرجل فريدا فى أسلوبه وكان فريدا أيضا في اختياراته لمضامين الأعمال، وهو ما ينعكس على أسماء أعماله مثل القفزة المستحيلة، ومحاولة لإيجاد توازن، وتشوف، ورؤية.

تميزت أعمال الوشاحي أيضا ببنائها الصرحي حتى لو تضاءلت أحجامها، فكل عمل من أعماله هو في الحقيقة مشروع لعمل ميداني. يعود ذلك إلى اعتماده على منطق الدوران في الفراغ، فالكتل التي ينحتها الوشاحي لا بدّ لها أن تقيم حوارا مع ما يحيط بها من فراغ".
الوشاحي.. ملك في مملكة النحاتين الذين ينحتون الاتزان والتوازن

"عبد الهادى الوشاحي كان فنانا قديرا خسرته الحركة التشكيلية المصرية حقا، فهو أستاذ للعديد من المثاليين المجدّين في ساحة العمل الفني في مصر الآن، كثير منهم يدين له بالفضل والأستاذية، حتى وإن لم يتتلمذ على يديه بشكل مباشر، كان الرجل يفتح ذراعيه للجميع، وكان محترفه مفتوحا دائما لطلبه الفنون، حتى فى أيامه الأخيرة التي عانى فيها كثيرا من تداعيات المرض"، هكذا ختم سلطان.


مشاغبات فنية


ويقول محمد عيد إبراهيم: " يعدّ الفنان عبد الهادي الوشاحي قامة كبيرة في عالم النحت المصريّ والعربيّ، بل والعالميّ، وقد أثار طيلة حياته مشاغبات فنية، مما جعل المسؤولين يعاندونه لصراحته البالغة واستغنائه عن كلّ شيء، وهو موقف للفنان يُحسب له، حيث ساعده في التخلّي عمّا لا يريد، والتمسّك بكلّ ما يريد، كأنه صوفيّ النحت، يعمل على نفسه يوما بعد يوم، خبرة وثقافة واستبصارا ورؤية، حتى صارت الكتلة لديه تعبّر عن مفهوم خاص في تعاملها مع الفراغ".

يضيف إبراهيم: "الواقع دائما لا يجب أن يتطابق مع الفنّ، بل يتسامى فوقه ويعجنه في صورة لا يعود بها الواقع واقعا ولا الحجر حجرا. الوشاحي إنسان أولا، يتعامل بتهذيب تام مع الجميع، لكن لو مسست طرفه بسوء ينقلب وحشا لا رادّ له، كان في صورة فنان مثقف واضح الهوية لا يرضخ لأحد، وفي حكايته مع تمثال عميد الأدب العربيّ طه حسين دلالة على ذلك، فقد بدأ التمثال ليوضع في حديقة الأوبرا، لكن وزير الثقافة وقتها لم يكن يرضى منه هذا الاستغناء الذي يعيش به، ولا تلك العزة التي تبدو على ملامحه، فأسند المهمة إلى فنان متواضع نحت التمثال في فترة وجيزة ووضع في الأوبرا، لكنه لم يجلب إلاّ النقمة، حيث لم تكن فيه أية قيم فنية رفيعة، بل مجرد ترداد للملامح المعروفة من دون رؤية فنية لعالم رائد التنوير الكفيف الذي قاد المبصرين".

يستدرك إبراهيم: "لم يُثن ذلك الوشاحي عن أن يتم تمثاله، وظلّ سنين يفكّر ويحاول ويجرّب حتى توصل إلى صيغة فنية للتمثال، حيث ترك عينيه فجوتين بإحداهما عصفور يطلّ، أي ترجمة لفكرة التنوير التي تجسّدت في ذلك الطائر الذي يصدح لنا أن نمشي إلى فكرة الفيلسوف ابن رشد التي ترمي إلى العقلانية، مع فكرة الفيلسوف كانط في الشكّ وصولا إلى مبدأ الحقيقة، كما أن بنية التمثال محنية من ضغط الصراعات التي تلقاها طه حسين طيلة حياته، والمعارك التي خاضها في سبيل مجتمع أرقى، بدءا من التعليم للجميع، وصولا إلى حرية البحث في التراث العربي وتنقيته مما علق به من خرافات وأتربة غطّت على الجزء العقلانيّ فيه، حتى ترميزه في كتابة الأدب، الرواية تحديدا، وكتب السيرة النبوية وفتنة عليّ وبنيه".

يختم إبراهيم: "حين يتواشج الكلام عن الوشاحي بالكلام عن طه حسين، فهو دلالة أن الاثنين كانا على الطريق السديد كلّ من جهته. كان الوشاحي يبدع تاركا للحوار أن يتألق ما بين الكتلة والفراغ مرة متناقضين ومرة متصالحين، لكن في لغة وانسجام ورفعة سواء في رؤيته للمرأة الحبيبة أو رؤيته للشخصية التي يودّ أن يطرحها في عالم الفنّ استجلابا من عالم الواقع. بينما كان طه حسين يبدع تاركا للعقل أن يقوده في بحثه العميق، على رغم علّته في البصر، فكان بصيرة لكلّ المبصرين في الإخلاص لفكره وتعرية الفقر والتخلّف والجهل والمرض، في الفكر أساسا، حتى أنه صار أيقونة عربية يُشار لها في أيّ بحث عميق كالمنارة. وهو ما جسّده الوشاحي في تمثاله الذي يرتفع كالمنارة مع أنه محنيّ، لكنه لم يكن محنيا لأحد أو أمام أحد، بل صار ظهره مثقلا من ضغط الأفكار التي يودّ تطبيقها على أرض الواقع لحياة أفضل للمصريين".

ينعى إبراهيم فقيد النحت المصري قائلا: "علينا أن نكفّر عن ذنبنا تجاه الفنان الوشاحي، الذي تركناه نهبا للظروف، حتى أنه توفّي في مستشفى حكوميّ عام، لم تسانده وزارة ولا هيئة أو جمعية، بل كان رجلا وحده، عاش وحده، ومات وحده. أظنّ من المفضّل أن نتبنّى وضع تمثاله "طه حسين" في ميدان التحرير، رمز الثورة، تلك الثورة التي حضرها وساندها قلبا وروحا، مع أنها لم تنصفه، كما كان الحال فيما هو قبل الثورة، وللميدان رمزية ولطه حسين رمزية مقابلة، ووضعه هناك يعطينا إشارة إلى أننا نمضي على طريق العقل، من دون عماء. رحمه الله، فنانا كبيرا وروحا ثائرة وجبهة عريضة للحق والخير والجمال".

12