عبد الوهاب الأسواني: أنا ضد الديمقراطية وأحلم بعبد الناصر جديد

الخميس 2014/01/02
الأسواني: مشاكل قبائل الجنوب المصري شبيهة بمشاكل الدول

القاهرة – ثمة مقولة شائعة في الوسط الثقافي المصري، تقول إنّ من لم يقرأ للروائي عبد الوهاب الأسواني، أضاع نصف عمره في النبش عن ملامح الحياة في الجنوب. فهذا الكاتب الجنوبي الذي اتخذ من القاهرة مستقرا لحياته بعد رحلة طويلة، انتقل فيها من الصعيد إلى الإسكندرية، عاش ليكتبنا نحن أبناء الجنوب، يكتب تاريخنا الذي صرنا فيه أبطال رواياته. "العرب" التقت بالكاتب عبد الوهاب الأسواني لتتعرف على أهمّ ملامح مسيرته الإبداعية ورأيه في الواقع العربي الراهن.

يمكن القول إن الكتابات الإبداعية لعبد الوهاب الأسواني هي كتابات حية وحقيقية ترافقنا دوما في رحلتنا الطويلة مع الحياة، يكتبنا الأسواني بحب، ويغرس بذور الدهشة على وجوهنا، ويجعل شخصياته تكاد تصافحنا في الشوارع. وهي شخصيات لا يغيب عنها المثقف أبدا وإن كان ملمحه الإنساني فيها بسيطا.

ولا تُخفي روايات هذا الكاتب المشترَك بينها ممثَّلا في ثنائية المثقف والسلطة سواء في صورتها المجتمعية المُحيلة إلى منظومة القيم والعاداتوالتقاليد أو في صورتها السياسية.

مملكة بلا ملك

رداً على سؤالنا حول إن كان يوجد مشروع ثقافي مصري قابل للتنفيذ، يقول الروائي عبد الوهاب الأسواني: "نحن الأدباء مملكة بلا ملك، وأصعب شيء على الكاتب أن يُفرض عليه مشروع ثقافي لا يساهم في تصوّره، فالأدب موهبة فردية ولا يوجد مشروع ثقافي دون استثمار تلك الموهبة، ولكن من الممكن أن تكون هناك إصلاحات كالتي قام بها ثروت عكاشة في أكاديمية الفنون وقصور الثقافة، فكلمة مشروع هنا ليست في محلها" .

خلال العقدين الأخيرين، يرى البعض أن الثقافة العربية بدأت تمرّ بمرحلة من الركود، وصارت أسسها تجرف بطريقة ملفتة للانتباه، مما ينذر بخطر شديد وخلق نوع من هواجس الخوف عليها في ذهن المثقف العربي، وهي مسألة يقول في شأنها الأسواني: "نعم هناك نوع من التجريف تعيشه ثقافتنا المصرية منذ عهد مبارك ، وأنا أرى أنّ ذلك بدأ منذ عصر الرئيس أنور السادات عندما تم طرد ثروت عكاشة من الوزارة".

عايش الأسواني ثلاثة عصور، هي عصر جمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك، وعن رأيه في هذه الحقب السياسية يقول الأسواني:" عصر عبد الناصر لا يتكرر، وقد واصل السادات النهج نفسه تقريبا، إذ كان نتاج معارك كثيرة صنعت هذا الكيان، فالفترة الناصرية لن تتكرّر قبل 100 سنة، فعلى ما أذكر، الوفد في زمانه كان هو الحزب الشعبي الذى يؤلف الوزارة ويكتسح الانتخابات، ثم يقيل الملك الوزارة لأن الملك والإنكليز كانوا معارضين للوفد، ويكرهون أي تقدم لمصر لأن ذلك ليس في صالحهم، وقد ورث الأميركان من الإنكليز تلك الفكرة، واعتبروا مصر منطقة لنفوذهم، حيث أن أميركا لا تستطيع مد نفوذها على الاتحاد الأوروبي مثلا أو على الصين، وغيرهما، وإنما تسعى إلى الاستحواذ على الشرق الأوسط لتفتّت جهود المنطقة الثقافية وتفرق الحكام والسياسات على عكس أيام عبد الناصر حيث كان الحكام يلبّون أيّ دعوة تصدر عن عبد الناصر لحضور اجتماع عربيّ خوفا من ردّة فعل شعوبهم" .

ذلك الخطأ

هناك من يذهب إلى القول بأن فترة حكم حسني مبارك كانت مخالفة تماما لفترة عبد الناصر، وهذا ينسحب خاصة على الميدان الثقافي، فقد لوحظ تغيير كبير على مستوى الخارطة الثقافية.

وفي هذا السياق يؤكد عبد الوهاب الأسواني أن مبارك أعطى ظهره للعرب ولأفريقيا، إذ لم يكن المستشارون يستطيعون إيصال المعلومات الصحيحة له، خصوصا تلك التي كانت تعكر مزاحه.

الشعر القديم كان يتحدث عن حياة العرب، أما الشعر الحديث فيتكلم بشكل غامض وفلسفي

ويضيف قائلا: "وصول مبارك إلى سدة الحكم كان أساسا خطأ فادحا، وهنا أسوق قصة بسيطة حصلت أيام مبارك، عندما طلبت أميركا نائبا للرئيس، اختاره السادات لأنه يعرف أن مبارك لا يفهم شيئا في السياسة وحيلِها، لأنه عندما حدث الانقلاب على النميري تم إرسال اثنين من المسؤولين هما مسؤول عن الطيران (وهو مبارك) وآخر سياسي، وخلال تلك المهمة تعرف عليه، ورأى أنه محدود الذكاء وغير مثقف. وبالمناسبة كل أعضاء الثورة لم يكن فيهم مثقف سوى اثنين هما عبد الناصر وخالد محيى الدين، حيث كان عبد الناصر قارئا جيدا، وكل مشروع ينفذه كان يدرسه دراسة جيدة ويشهد بذلك سيد مرعي" .

حضور القروي

لم يكن غريبا على إبداعات الأسواني أن تكون مرآة لبيئة القرية بكل ما فيها، فهو مؤمن بمقولة ماركيز "الطفولة هي مخزني الروحي"، وعليه فقد كانت طفولته بين قريته في أسوان، في أقصى الصعيد، والإسكندرية التي يسكنها الخواجات، وهناك لا أحد يلعب معه من أبناء المصريين.

وكان لتردده على السينما، واطلاعه على المجلات التي تصدر آنذاك الأثر الواضح في تكوين شخصيته، إضافة إلى عدم اختلاطه بأهل القاهرة إلا بعد بلوغه سن الثامنة عشرة، لذا كان من الطبيعي أن تكون القرية هي مصدر إلهامه ومبعث خياله، ولئن أثرت الإسكندرية بكل ما فيها من أحداث في قريحة الأسواني، فإن شيئا من أيام طفولته الجنوبية ظلّ محفورا على جدران ذاكرته.

تعدد الأصوات

عبد الوهاب الأسواني مغرم بتكنيك تعدد الأصوات واستخدمه فى أكثر من عمل كأخبار الدراويش وكرم العنب. في هذا السياق يقول:" الموضوع دائما يفرض نفسه، وأنا لم أتعمّد اختيار شكل من الأشكال الفنية، ولكن حينما أبدأ الموضوع أجد أنه لا يصلح له سوى تعدد الأصوات على سبيل المثال، لأن الكاتب مطالب بأن يكون محايدا، فحينما تترك الشخصيات تتحدث عن نفسها وعن الآخرين من وجهة نظرها، لا أظنّ أن هناك فائدة في تدخّل الكاتب، فكل شخصية لديّ لها ما يشبه الملف الصغير وحينما أنطلق أنسى أمر هذا الملف ولكن المعلومات الأساسية أو البناء الرئيسي لكل شخصية هو شيء مهم لأيّ كاتب، وكل النقاد الذين تحدثوا عن أعمالي ذكروا الجودة فى تصوير الشخصيات، كالباحث علي الراعي ورجاء النقاش ويوسف الشاروني وإبراهيم فتحي وصبري حافظ وغيرهم، لدرجة أن أستاذ مساعد بجامعة المنيا يدعى سعيد الطواب بكلية دار العلوم كانت رسالته للماجستير بعنوان "تصوير البطل الصعيدي في روايات عبد الوهاب الأسواني" والتي ركز فيها على الشخصيات التي قال عنها إنها كادت تُحس".

شخصية الانتهازي


في "كرم العنب"، شخصية الانتهازي تكاد تكون المسيطرة على أجواء الرواية، فهل يجوز القول بأن ذلك راجع إلى اختيار الأسواني أم أن سياق الأحداث فرضت عليه هذه الشخصية وبهذه المواصفات، وللإجابة عن ذلك يقول الأسواني: "شخصية الانتهازي تحتل مساحة كبيرة، وتأتي فى المرتبة الثالثة من حيث البطولة بعد مراد والعمدة رشوان وتتمثل فى شخصية عطوان التي أينما ذهبتَ تجد نظيرها في مجتمعنا الحالي وهي تميل مع الريح حيث مالت. والانتهازيّ كائن ينافق دائما أصحاب السلطان والقوة لكي يستفيد، حيث يبدو بلا مبادئ.

أنا جنوبي وأعشق القرية وأحب "الشاي الثقيل" وجيلي الأدبي في القاهرة أكثر حظا من الأجيال الجديدة

وفي الوقت نفسه يتظاهر بأنه صاحب المبدأ الذي يعتنقه السلطان، وهذه الشخصية لعبت دورا كبيرا في الرواية لأنه يتخفي ويظهر في أكثر من شكل وهو بعكس الإنسان الصادق الذي يصبح واضحا ومستقيما" . ويضيف الأسواني قوله: "كنتُ أعيش مشاكل بين قبائل الجنوب شبيهة بما يحدث من مشاكل بين الدول، وفيها كنت متعصبا لقبيلتي، وعند حدوث مشاكل كان يذهب أبي لحلها باعتباره كبير العائلة، وقد استفدت من مجالس الصلح كثيراً، والتي كانت تحدث في بيت جدي لأمي على مستوى قريتي والقرى المجاورة، ثم قلد أبي جدي في هذا، واستفدت من الإسكندرية أدبيا، حيث عقدنا ندوات أدبية، كان كل روادها مصريين سوى اثنين واحد يوناني والآخر يوغوسلافي، وكانا يكتبان بالعربية الفصحى، لكنهما يتحدثان بلغة عربية غير سليمة و كانت تسمى " ندوة السبت"، زد على ذلك أن الخطابات دربت الكثير من أدباء جيلي على الكتابة وكوّنت لديهم أسلوبا فنيا، ذلك أن الكتابة تحتاج إلى ممارسة دائمة"

طقوس طريفة

كل كاتب له طقوسه حينما يمسك القلم، كي يخطّ على الورقة البيضاء، وللأسواني طقوس طريفة حين يكتب، يقول عنها: "كان لزاما عليّ النوم ساعتين على الأقل، ثم أقوم بسَنِّ من 10 إلى 12 قلم رصاص وأحضر كوبا من "الـشاي الثقيل" ، ومؤخراً أصبحتُ أضيف إليه اللبن، وأدخن من 5 إلى 6 سجائر، وكثيرا ما أكتب بالرصاص لإمكانية التصحيح أو المحو ثم أنقل ما أكتب إلى مسودة الرواية، والمكتبة المفهرسة كانت تساعدني كثيراً".

وعن المشاكل التي يواجهها الجيل الحالي من الكتاب، يقول الأسواني: "كان حظنا أفضل، الآن هناك زحام من الإذاعات والفضائيات والجرائد والمجلات، وفيه بات من الصعب أن يُعرف كاتب بسهولة، في الماضي كانت هناك جريدة واحدة فقط هي التي تُقرأ وإذاعة واحدة فقط هي التي تُسمع، والجيل الذي سبقنا كان أفضل حظاً حيث كان عدد الكتاب أقل، وبصفة عامة بالنسبة إلى الساحة الأدبية فهي تستشعر الأدب الجيد من الأدباء الجدد، وإن كانت لهم كتابات فستجد طريقها إلى الناس".

المحارب القديم

عبد الوهاب الأسواني، كاتب لا يهدأ أبدا، دائم الترحال والتنقل، فهو كالمحارب، لكنه يرفض الاستراحة ولا يبحث عن الخلود، وفي هذا الشأن يقول: "الكاتب لا يستريح أبداً، والخلود ،حتى الأهرامات ستنهار فى يوم من الأيام.

هناك حضارات كثيرة اندثرت كما نعرف، فالعرب كانوا منقسمين إلى البائدة والعاربة والمستعربة، والعرب البائدة تنقسم إلى قبيلتين هما "جاديس" و"قُصر"، وقد عرفنا هاتين القبيلتين من بيت شعر لأبي العلاء المعري قال فيه: سيسأل قومُ ما الحجيج ومكةً/ كما سأل قوم ما جاديس وقُصر".

وعن علاقة الأدب بالسياسة، يرى الأسواني أن الأديب والسياسي لا يتفقان.

فالسياسي يبحث عن الاستقرار من أجل الكرسي والأديب يحب التغيير نحو الأفضل. وهنا أتذكر قولة عبد الناصر: أنا ثائر ولست سياسيا ويقول: أنا ضد الديمقراطية واستمد شرعيتي من الشعب وقوانينه" . وأعتقد أن وضعنا السياسي اليوم في مصر يحتاج إلى عبد الناصر جديد".

موضة فقط


كثيرة هي الأصوات الشعرية التي تحولت إلى كتابة الرواية، وهذا نلاحظه اليوم في كثرة المنجزات الأدبية التي عُرف أصحابها بكتابة الشعر، فكيف نفسر هذا الخلط، يقول الأسواني: "أعتقد أنها موضة فقط، فأول من كتب الرواية كان حسنين هيكل في روايته " زينب"، وكان من العيب أن يكتب شاعر رواية، لذا فقد كتب عليها "بقلم مصري فلاح" وعندما وجد الكلام عن الرواية جيدا في "دراسة للسكوت" كتب اسمه على الرواية ثم كتب على نهجه طه حسين والعقاد والمازني ففتح الباب لإبداع الرواية العربية.

وعن غياب نظرية نقدية عربية واتجاه الكبار لتقليد الغرب، يقول الأسواني:" صراحة، لا توجد نظرية نقدية عربية والنقد لا يُنسب لشعب بعينه ولكن يوجد نقد عالمي، فأول من نقد هو أرسطو والنقاد في زماننا مظلومون، فمثلا النقد كان موجوداً في منابر كالصحف أما الآن فلا يوجد للنقد تلك الأهمية" .

وعن الجوائز في حياة الأسواني ودورها في تحفيز المبدعين، يقول: "بالتأكيد، الجوائز لها فضل كبير، فقبل ابتكار الجوائز كنت أشك فيما أكتب ولكن بعدها تغير الموقف ودخلت أول مسابقة في مجلة القوات المسلحة " النصر حاليا" بقصتين قصيرتين، إحداهما حصلت على المركز الثالث مكرر والثانية تحصلت على المرتبة 17، وعندئذ بدأت أثق في أنني أكتب قصة قصيرة" .

هناك من يذهب إلى القول بأن الرواية هي في حقيقة الأمر إعادة إنتاج للأحداث التاريخية، وأن هناك تشابها بينهما، وفي هذا الإطار، يرى الأسواني أن هناك تشابها بين التاريخ والرواية فكل منهما صراع ما بين الشخصيات، فمثلا هناك شخصيات كانت موجودة في عصر على بن أبي طالب وما بعده لتحمي الأسرة العباسية وفي العصر الحالي أيضا هناك امتداد لهذه الشخصيات .

15