عبد الوهاب البياتي: اسمي يحتل الصدارة لخمسين عاما والشعراء الآخرون يتلاشون

الاثنين 2014/01/06
للبياتي إستراتيجية خاصة به هدفها الخلق والإبداع

تواصل “العرب” نشر الجزء الثاني من حوار الشاعر العراقي عبدالوهّاب البياتي الذي كان أجراه معه الشاعر والصحفي الجزائري أزراج عمر في تسعينات القرن الماضي ومرّت عليه سنوات طويلة دون أن يُنشر. وفي الحوار يتأكّد القول بأنّ الخوض في شعره لا يستقيم له معنى ما لم نضعه على محكّ سيرته الحياتية.

ذلك أنّ البياتي من الشعراء الذين خَبِروا زمانَهم بتصاريفَ وقائعه وأخبروا عنه في حياتهم ونصوصهم حتى صار يصعب على القارئ تبيّن حدود التجربة وحدود التخييل في أشعارهم.

ولعل هذه الخصيصة هي التي مكّنته من حيازة تجربة شعرية لها ملامحها التجديدية ولها أساليبها في التحرّش بالسائد الاجتماعي والسياسي والفني، ولها قدرتها على تجاوز المحليّ والوطني وملامسة حدود الكونية.

وفي هذا الجزء من الحوار، يتعرّف القارئ على بعض ملامح شعر البياتي وحياته ومواقفه من التراث العربي والإنساني وفلسفة ألبير كامو والأنظمة السياسية العربية وعلاقة المثقّفين العرب بالسلطة، وغير هذا كثير.

في التسعينات من القرن العشرين وفي ذروة الحصار المضروب على العراق لسنوات طويلة دُعيت لأشارك في مهرجان المربد للشعر بالعراق، وعند وصولي ضمن وفد الشعراء والأدباء العرب والأجانب الذي اتجه من لندن عبر باريس إلى بغداد وجدنا الشاعر الشهير عبدالوهاب البياتي ومعه الوفد العراقي الذي كان في استقبالنا بمطار بغداد.

وفي الليلة الأولى من وصولنا كانت لي، وبحضور الناقد السوري خلدون الشمعة بفندق الشيراتون، جلسة ممتعة مع الشاعر البياتي. حيث طال الحديث بيننا طوال السهرة قضايا كثيرة نوردها اليوم في الجزء الثاني من حوارنا معه.


سقوط التماثيل


إن التأريخ لمسار البياتي الشعري بدأ من قضايا الريف والمدينة والعمال والفقراء والمنفى كما في مجموعاته “أباريق مهشمة” و”سفر الفقر والثورة” و”أشعار في المنفى” و”عشرون قصيدة من برلين” و”كلمات لا تموت”. وقد كانت انطلاقته مما يسميه النقاد بالواقعية النقدية للحياة العربية ثم انتقل إلى مرحلة البحث والشك بأبعاده الدينية والأسطورية.

كيف يمكن للشاعر أن ينسلخ بسرعة عن وجوده الواقعي وعن كشف التناقضات التي تحاصر الإنسان العامل، والفلاح النازح من الريف إلى المدينة، وينتقل إلى عالم الأسطورة وعالم الوجد الصوفي، وإلى العوالم الوجودية الميتافيزيقية القلقة؟ ويجيب البياتي عن هذا التساؤل بالقول: “هذا يرتبط بفكرة الرحلة إلى الداخل والخارج. البحث عن الإنسان يتمّ بطرق مختلفة. ففي بعض كتبي حاولت أن أبحث عن الإنسان من الخارج في مظاهره الخارجية، في أمله وطموحه وفي عمله وفي كدحه وفي نضاله من أجل خلق عالم جديد.

اسمي يزداد سطوعا منذ أن بدأت أكتب الشعر حتى الآن وكل الشعراء الذين ظهروا منذ ظهرتُ قد اختفت أسماؤهم تماما. إن اسمي يحتل مركز الصدارة على مدى خمسين عاما وهذا شيء لم يحدث حتى بالنسبة للشعراء الأوروبيين

كما اكتشفت محاولات الإنسانية اليائسة، وظهور ثورات في التاريخ وأنبياء كثيرين ظهروا ولكن ذهبت ثورات الإنسان سُدًى وعبثا. فلقد حاولت أن أبحث في التراث العربي الإسلامي والصوفي وفي التراث الإنساني عامة عن نقاط ضوء جديدة لإعادة التكوين، أو عن نقطة بداية جديدة للانطلاق من الرحلة إلى داخل الإنسان، ليس الإنسان المعاصر فقط وليس الإنسان النموذجي، بل الإنسان عامة الذي له مواقف مختلفة.

في رحلتي إلى الداخل حاولت إيجاد صور وملامح جديدة للإنسان. إن الانتقال كان طبيعيا لأن من يتأمل الواقع العربي مثلا في مسيرته ومنذ تخلصه من ربقة الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية سيرى سقوط الأنظمة الحاكمة الهشة التي صنعها الاستعمار، ووجود من حل محل هذا الاستعمار أي استعمار الداخل، كما يكتشف سبب الهزائم العربية المتتالية مما يعني أن الأنظمة العربية لم تحاول البناء والتأسيس الثقافي.

ولمّا حاولنا أن نعرف إن كان البياتي يقصد جميع الأنظمة العربية، أجابني قائلا: “معظمها تقريبا، ولهذا فقد ظهرت كل عوراتها في هزيمة حزيران وسقط الواقع العربي ودمّر تدميرا أبديا، ولهذا فإن الواقع العربي في العام 1967 دمّر الواقع العربي وأسقط تماثيل هذا الواقع الملطخة بالطين.


سقطات ألبير كامو


الظاهر أن مسيرة الثقافة العربية والأمة العربية بدأت منذ بداية السبعينات من القرن العشرين ودخلت في مرحلة جديدة. ولقد قال البياتي في إحدى قصائد ديوان “بستان عائشة” إن الإنسان العربي لم يمت بل هو قابع تحت الأنقاض يراقب شهود الزور، ومحاولة منا لتفكيك هذه الفكرة، ذكرنا للبياتي أنه لا شك في أن شعره ينتمي إلى صف الثورة لكن هناك أشياء تناقش حتى داخل الثورة نفسها.

ما الذي يجمع بين ألبير كامو الذي انتصر من الناحية العملية للاستعمار من جهة وبين جميلة بوحيرد ومالك حداد اللذين يمثلان حالة تاريخية مضيئة في التاريخ الجزائري العربي تتناقض مع ألبير كامو ومن “سيزيفيته”.

كما نعرف، فإن سيزيف كامو يرفع الصخرة إلى أعلى القمة ثم تسقط منه وتتدحرج إلى الأسفل ويستمرّ هكذا دون توقف، وهذا يعني أنه لا يوجد استقلال وإنما توجد عبودية حامل الصخرة. وسألناه: في شعرك تتردد هذه الرموز على نحو متوازن أحيانا ولكن كيف يمكن أن نوفق بين هذه الرموز المتناقضة.

الثورة العظيمة هي التي تبقى في حالة تمرد وعندما يتوقف تمردها تتحول إلى سلطة

وتعليقا على قولنا، أجاب البياتي: “أنا أعتقد أن ألبير كامو لم يطرح النموذج الكوني الثوري كخلاص بل هو قدّم النموذج المتمرّد الذي بقي في العذاب على طول الخط. أنا عندما أتأمل في وجه مفكر سواء كان من العصور القديمة أو الحديثة لا أتأمل فيه كلية، بل أتأمل في جزئية من جزئياته. ألبير كامو لعله من أكبر مفكري العصر الذي عبر عن فكرة التمرّد فلسفيا وهذه الناحية قد جذبتني إليه، أما مواقفه الأخرى فأنا ضدها وأشجبها شجبا كاملا.

وهكذا فإنني لست متعصبا أو إنني ضدّ الثقافة الأوروبية حتى وإن كان بعض المثقفين الأوروبيين قد وقفوا مواقف معادية للشعوب الأخرى أو لثورات شعوب العالم الثالث. ألبير كامو مفكر كبير بالرغم من سقطاته وأخطائه، منها مواقفه من الثورة الجزائرية على سبيل المثال لا الحصر، و لكن في توضيحه لفكرة التمرّد لقد عبّر تعبيرا إنسانيا، وهذا الموقف ليس ملكه بل استطاع أن يعبّر عن فكرة التمرّد بشكل واضح وقوي.

التمرّد هو جزء من الثورة وأنا أعتقد أن الثورة العظيمة هي التي تبقى في حالة تمرّد وعندما تتوقف الثورة عن تمرّدها تتحول إلى سلطة وهذا ما حصل لبعض الأنظمة مثلا، ولا داعي لضرب الأمثلة لأن الأمثلة واضحة في العالم العربي وقد عبرت عن ذلك في قصيدتي الموجهة إلى مالك حداد إن كنت تتذكرها أو يتذكرها القارئ العربي، لهذا فإنني كما ذكرت لا أقف مواقف متعصبة لأنني في بحثي عن الإنسان أستفيد من كل الإنجازات الإنسانية، وخاصة أن بعضها لم يعبر عنه كامو بشكل فلسفي تجريدي بل من خلال أعماله الأدبية والفنية وهذا مهم جدا لأن مثل هؤلاء قد أضافوا للأدب الحديث إضافات كثيرة لا يمكن نكرانها تماما”.


أرض الكلاب


الحديث عن شعر البياتي هو حديث عن إضافات إلى القصيدة العربية، وإلى القصيدة العالمية لكن أريد أن أسألك أيضا عن حقيقة ما يقال عنك في الاتحاد السوفييتي أين حدثني كتاب سوفييت وقالوا لي بأنك كنت صديقا للاتحاد السوفييتي وبعد مدة كتبت عنهم قصيدة “أرض الكلاب” فتألموا وحزنوا واعتبروا هذا خيانة لهم.

فما هو موقفك؟ يجيب البياتي بقوله: “أولا، لا توجد قصيدة لي بهذا العنوان على الإطلاق بل توجد قصيدة بعنوان “موت المتنبي”، ولا علاقة لها بهم، وهؤلاء الذين قالوا هذا سقطوا تحت الأرجل والأقدام، وسحقتهم الأقدام ونثرتهم الريح رمادا، ويعني هذا أنني كرجل ثوري أرتبط بفكرة الثورة العالمية ولا أرتبط بأنظمة أيديولوجية بائدة. في هذه القصيدة لم أنتقد الاتحاد السوفييتي كبلد ولم يخطر على بالي هذا على الإطلاق بل هي تفسيرات بائسة”.

وحول ما إذا كان البياتي يعني بإجابته السابقة أنه لا وجود عنده لقصيدة “أرض الكلاب” عن الاتحاد السوفييتي، أجابني بقوله: “على الإطلاق، هذا شيء غريب، فدواويني منتشرة في كل مكان ويستطيع القارئ أن يبحث فيها”. ولما ذكرنا له أنّ القصيدة لم تنشر في ديوان وإنما ظلّت مكتوبة على الورق فقط، نفى ذلك وقال: “طبعا لا، لأنني إذا كتبت قصيدة ولم تعجبني فإنني أتلفها ولا أحتفظ بها”.


شعري يثير الزوابع


هناك شعراء عرب وبعض المثقفين الذين يقولون إن الشاعر عبدالوهاب البياتي في ديوانه “بستان عائشة” تقهقر إلى المواقع الخلفية لأنه مهد فيها لأن يلتحم بالسلطة وليصبح جزءا منها.

قصائدي نالت إعجابا شديدا في كل مكان؛ أما الضفادع فهي تنق ليلا أمام الضوء أو أمام النور الخاطف. ليتحدث أو يثرثر الثرثارون، وشيء طبيعي بالنسبة إليّ أن يثير شاعر مثلي زوبعة. إن كتبي تنال الإعجاب في كل مكان

هل يمكن لشاعر “عائشة” وللشاعر الذي احتضن تمرّد ألبير كامو وللشاعر عموما أن يصبح جزءا من السلطة، يجيب البياتي: ’’هذه ثرثرة المقاهي.. إن كل دواويني حتى آخر ديواني “بستان عائشة” كتبت عنها دراسات كثيرة ونشرت في الصحف والمجلات في العالم العربي".

ويضيف البياتي قائلا: "إن القصائد التي يضمّها هذا الديوان قد نالت إعجابا شديدا في كل مكان، أما الضفادع فهي تنق ليلا أمام الضوء أو أمام النور الخاطف. ليتحدث أو يثرثر الثرثارون، وهذا شيء طبيعي بالنسبة إلى شاعر مثلي أن يثير الزوبعة.

إن كتبي تنال الإعجاب في كل مكان”. ولمّا حاولنا معرفة إن كان الشاعر عبدالوهاب البياتي راضيا عمّا يحدث في المجتمع العراقي، أجابنا قائلا: “إن أسئلة من هذا النوع يصعب تناولها لأن رؤية الشاعر للحياة أو للأشياء مختلفة عن رؤية الإنسان العادي.

فأنا لا أحب التفسيرات المتجهة إلى الأشياء لأن هذه الأشياء تحتاج إلى دراسة حقيقية وإلى الغوص في أعماقها. في الواقع أنا لا أطلق أحكاما جزافية على الأشياء لأن الشاعر له استراتيجية لا تتنافى مع استراتيجية المواطن أينما يكون. ولكن هذه الاستراتيجية هدفها الخلق والإبداع وليس الخضوع إلى منطق الواقع كمـــا هو.

إن هــذه قضية مهمة جدا ولهذا فإنك ترى أن اســمي يزداد سطوعا منذ أن بدأت أكتب الشعر حتى الآن وكل الشعراء الذين ظهروا منذ ظهرت قد اختفت أسماؤهم تماما. إن اسمــي يحتل مركــز الصدارة على مـــدى خمسين عاما وهــذا شيء لم يحدث حتى بالنسبة للشعــراء الأوروبيين”.

غدا جزء ثالث وأخير

15