عبد الوهاب البياتي في كلامه الأخير: الأندلس هو المستقبل

الجمعة 2014/01/03
الشاعر باحث أبديّ يجمع صورة الكون الممزقة

قبل أن يغادر الشاعر عبد الوهّاب البياتي العراق صوب إحدى الدول الأوروبية لمداواة ابنته المريضة، وذلك في بداية الحصار الجائر الذي عاشه العراق لسنوات طويلة، التقيت به عندما دُعيت لأشارك في مهرجان المربد للشعر، إذ بمجرّد وصولي ضمن وفد الشعراء والأدباء العرب والأجانب الذي اتجه من لندن عبر باريس إلى بغداد وجدنا الشاعر الشهير عبد الوهاب البياتي ومعه الوفد العراقي الذي كان في استقبالنا بمطار بغداد. وفي الليلة الأولى من وصولنا كانت لي، وبحضور الناقد السوري خلدون الشمعة بفندق الشيراتون، جلسة ممتعة مع الشاعر البياتي. حيث طال الحديث بيننا طوال السهرة قضايا كثيرة، فاستأذنت الشاعر البياتي في تسجيل ما كان يدور بيننا من كلام حول شعره وتجربته الحياتية، فكان هذا الحوار الذي تاه طويلا بين أشيائي الضائعة بين لندن والجزائر، وقد عثرت عليه مؤخرا كهدية عزيزة ضائعة، وتنشره “العرب” على ثلاثة أجزاء هذا أوّلها.

مرّت سنوات طويلة دون أن يرى حواري مع الشاعر عبد الوهاب البياتي نور النشر، وذلك جراء توقف مجلة الدستور عن الصدور نهائيا، حيث كنت من قبلُ أتعاون معها بصفة دائمة في التسعينات من القرن الماضي، إضافة إلى حياة الترحال الدائم التي عشتها شخصيا في المهجر البريطاني لمدة طويلة. وبعد مرور أكثر من ربع قرن على إجراء هذا الحوار، عدت إليه مسجلا بصوته فوجدته طازجا وجديرا بأن ينشر ولو بعد رحيله عن دنيانا، إحياء لذكراه ولدوره الريادي إلى جانب الشعراء الرواد العرب في بناء وتطوير القصيدة العربية الحديثة في القرن العشرين.


الأول والأخير


بدأ حواري مع البياتي بسؤاله حول علاقة شعره بالأندلس التي يمتزج فيها الواقع والتاريخ والحضارة بالأسطورة الموغلة في القدم وفي اللاوعي البشري، حيث أجابني بقوله: “أعتقد أن الأندلس هي ليست أندلس الجغرافيا والتاريخ، بل هي رمز للمدينة الفاضلة التي طالما بحثت عنها في شعري منذ البداية، ولهذا فإن الأندلس أو كلمة الأندلس تثير في ذهني فكرة الثورة المستمرّة لأن محاولة تحقيق المدينة الفاضلة لم تتمّ وهذا ما يعطي لفكرة الأندلس فكرة مستقبلية.

إن الأندلس جزء من الوطن، وذلك إذا نظرنا إلى الوطن على أنه الوطن العربي، وهي جزء تاريخي وجغرافي منه، ولكنني لا أنظر إليها من هذه الزاوية بل أنظر إليها من الزاوية الشعرية الفنية، فهي الملاذ لفكرة المستقبل.

عندما زرت الأندلس لأول مرة وتأملت قصر الحمراء رأيت أن نقطة البداية التي كان يجب أن تبدأ بها الإنسانية مسيرتها هي قصر الحمراء، لأن قصر الحمراء ليس مجرّد حجارة وزخرفة وهندسة معمارية بل هو أجمل قصيدة كتبها شعب وهو الشعب العربي، وهذه القصيدة موجهة إلى المستقبل. لو انطلقت الحضارة الأوروبية الحاضرة من فكرة رسالة قصر الحمراء أو من هذه القصيدة الموجهة إلى المستقبل لتغيّر وجه العالم وتغيرت التقسيمات الجغرافية والتاريخية.

نحن لا نزال على مستوى العالم نخضع إلى التقسيمات الجغرافية فهناك شمال وجنوب وهناك عالم أول وعالم ثان وعالم ثالث، وهي نفس الفكرة التي بدأت بها الإنسانية مسيرتها، ولهذا فإن فكرة العدالة والديمقراطية والحق التي نادى بها الأنبياء والفلاسفة منذ أقدم العصور لم تتحقق لأن هذه التقسيمات لا تزال قائمة”.

ويضيف البياتي قوله: “الأندلس تبدأ من هنا ومن جديد وتبدأ من قصيدة المستقبل، وقصيدة المستقبل هي ليست الكلام الموزون والمقفى فحسب، بل هي المستوى الفكري الثوري والفني والحضاري أيضا أي كافة المستويات.

ويبقى الوطن بالنسبة إليّ هو نقطة الانطلاق، نقطة الضوء التي ينطلق منها الإنسان، فأنا كلما انتقلت من الوطن وانطلقت منه ألتقي بالأندلس. الأندلس ليست الجنة الضائعة بل هي الجنة الحقيقية الموجودة على الأرض ولكن على الإنسان أن يحاول تحقيق العدالة فيها أو فكرة العدالة التي تحدثنا عنها”.

جميل أن تكون الأندلس قصيدة تأتي من المستقبل، ولكن الأوروبيين يقولون إن الأندلس حسب مفهوم الغرب كانت مستعمرة عربية -إسلامية، عن هذه المقولة الغربية، يعتقد عبد الوهاب البياتي “أن الأندلس وما بناه العرب فيها من حضارة هي المحاولة الأولى والأخيرة من تاريخ الإنسانية لأن العرب عندما ذهبوا إلى الأندلس لم يكونوا محتلين بل إنهم أقاموا فيها وجعلوا منها وطنهم الأول والأخير”.

ويضيف البياتي قائلا: “هناك فرق بين الاحتلال الاستعماري وبين الإقامة والاستيطان لأن الإقامة على أرض الأندلس نتجت عنها حضارة عظيمة انتقلت منها الحضارة الإغريقية العربية إلى أوروبا. إن العرب لم يكونوا محتلين للأندلس ولم ينهبوا ثرواتها وخيراتها وينقلوها إلى بلدان أخرى بل كانت وطنهم ونتج عن وجودهم هناك مزيج حضاري عجيب وسحري.

ديواني "الذي يأتي ولا يأتي" منبثق من الفكرة الصوفية، إنها الفكرة التي ترتبط بظهور الأنبياء وانتظار الناس لهم، وبفكرة الولادة في مدن لم تولد

ليس العرب وحدهم هم الذين صنعوا الحضارة العربية في الأندلس بل كافة الأقوام الذين كانوا ينتمون إلى بلدان مختلفة وإلى أديان مختلفة. إنه لأول مرّة يقوم التاريخ على تعاون حضاري إنساني حقيقي أنجزه العلماء والمفكرون والشعراء وحدهم بعيدا عن السياسة التي كانت مشغولة بصخبها وعنفها في ذلك الوقت. مثلا، إن الجامعات التي قامت في غرناطة وفي قرطبة وفي إشبيلية كانت ملتقى لعلماء من كافة بلدان العالم وإن حركة الترجمة التي نشطت في تلك السنوات قد لعبت دورا كبيرا في مسار الحضارة العالمية سواء على مستوى العلوم الإنسانية أو على مستوى التكنولوجيا والعلوم. إن ظاهرة التبادل الإنساني الحرّ لم يتمّ في القرن العشرين بنفس الطريقة مع الأسف. فالغرب حاول استلاب العالم الثالث أو الجنوب كما يسمونه الآن وحاول أن يصدّر ويبيع التكنولوجيا والثقافة عن طريق الهيمنة والسيطرة وليس عن طريق التبادل الإنساني الحر”.


نافذة عربية


يرى البياتي أن كل ما أنجزه العرب في الأندلس كان ملكا مشاعا لكل الإنسانية ولكن الغرب يحتكر الآن التقدم العلمي لنفسه فقط ليستخدمه أداة لإذلال الشعوب الأخرى وهو لا يسمح بالتقدم العلمي والتكنولوجي إلا بشروط معينة تكاد تكون متخلفة بالنسبة للتقدّم الذي بلغته أوروبا.

وفي هذا الشأن يقول: “أوروبا الآن تبدو وكأنها العجوز التي تعاني أيامها الأخيرة ولذلك فهي تقاتل بشكل شرس وتحاول الهيمنة واحتكار ثروات العالم الثالث وكل ما ينادون به بأنهم يدافعون عن الحضارة الإنسانية هو كذب محض، إذ أنهم يعنون بالحضارة الحضارة الأوروبية وعندما يتكلمون عن الإنسان وحقوق الإنسان فإنهم يعنون الإنسان الأوروبي فقط”.

ولهذا يعتقد البياتي أن “التبادل العلمي الثقافي الحضاري الفلسفي الذي تمّ في العصور القديمة كان كثيرا وأفضل مما يتمّ الآن. إن هذا يعني أن العرب القدامى كانوا ورثة للحضارة الإغريقية وللعلوم التي أضافوا إليها الشيء الكبير وطوروها ونقلوها إلى أوروبا، وبهذا المعنى فقد كانت الأندلس نافذة للنور بالنسبة إلى المغرب العربي، إذ أن كافة الهجرات بدأت من الجزيرة العربية وامتدّت في المغرب العربي وإلى الأندلس. وهكذا كان هناك خيط مصاهرة مسحور يمتدّ من صنعاء وينتهي في قرطبة وغرناطة وفي فاس ومكناس وقسنطينة وسواها من المدن العربية التي تمتدّ من جنوب الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا إلى الأندلس. إن هذا التمازج بين القبائل الرحل والإشارات الضوئية من الهجرات التي فتحت آفاق الانصهار الروحي والمادي في البحر الأبيض المتوسط كان للعرب فضل كبير جدا فيها”.


موت الأسطورة


يلاحظ النقاد أن البياتي مشبع بالتراث الصوفي العربي، وفي شعره تبرق المدن المسحورة وعائشة والقمر القطبي وأنه مشبع بالثقافة الفلسفية الوجودية.

وزيادة على ذلك، فهو ملتزم بالعمال والاشتراكية، فكيف يمكن لعبد الوهاب البياتي أن يمزج ما بين هذه الأشياء كلها كشاعر وكثوري؟ هنا يجيب البياتي قائلا: “الإيمان بوحدة الوجود أولا ثم الانطلاق من فكرة وحدة الأضداد لأن إنجاز العقل البشري والإنساني على مستوى العلمي والفني لا يتناقض أبدا. ففي التراث الصوفي الإسلامي والوجودية كفلسفة وفي كافة إنجازات العقل هناك نقاط التقاء كثيرة في الحقيقة. إن محاولتي التوغل في هذه الأصقاع هو بحث عن الوحدة الإنسانية وعن الوجه الغائب، وعن الصورة الغائبة لأن التوقف عند واحدة منها يعني الانحياز الذي يشبه الانحياز الأيديولوجي. أعتقد أن الانحياز الأيديولوجي يقتل عمليات الخلق الفني وكذلك التوقف عند التصوّف وحده. ولهذا فإن الشاعر الفنان في قلقه وأسفاره يحاول البحث عن أجزاء الصورة الممزقة الذي عبرت عنها في ديواني “الذي يأتي ولا يأتي”.

إن هذه المحاولة قد بدأت منذ بداياتي الشعرية ولكنها لم تنضج إلا في المراحل الأخيرة بعد ديواني “أباريق مهمشة” و"قصائد حب على بوابات العالم السبع".

العرب لم يكونوا محتلين للأندلس ولم ينهبوا ثرواتها وخيراتها وينقلوها إلى بلدان أخرى بل كانت وطنهم ونتج عن وجودهم هناك مزيج حضاري عجيب وسحري

وبالعودة إلى ديوان البياتي “الذي يأتي ولا يأتي”، حاولنا منه أن نعرف إذا كان الشاعر فيه ينتظر عودة “غودو” أم هو يترصد التاريخ الذي يوجد فيه الظلام أكثر من النور، فأجابنا قائلا: ’’إن “انتظار غودو” لصاموئيل بكيت يمثل فكرة الانتحار واليأس والموت للحضارة الأوروبية والوصول إلى نهاية النفق المسدود. أما ديواني “الذي يأتي ولا يأتي” فهو منبثق من الفكرة الصوفية. إنها الفكرة التي ترتبط بظهور الأنبياء وانتظار الناس لهم، وبفكرة الولادة في مدن لم تولد.

وهذا ما عبرت عنه في قصائدي التالية فظهر بعضها في ديوان “بستان عائشة” الذي يعني أشياء مثل الثورة التي عندما تأتي تموت لكي تولد من جديد، أي فكرة الموت والولادة، الموت والديمومة، وكذا فكرة الخفاء والتجلي. كل هذه الأفكار هي التي تعبر عن “الذي يأتي ولا يأتي”، فالذي “يأتي ولا يأتي” مجموعة تتقصّى مفهوم موت الأسطورة وولادة واقع إنساني جديد وهذا ما يكون على طرفي نقيض مع “في انتظار غودو”.

وكما سبق أن قلت فإنَ فكرة “الذي يأتي ولا يأتي” منبثقة من التراث العربي الإسلامي سواء الثوري أو الصوفي، وهي تعبير في نفس الوقت عن تجربة إنسانية في مسيرتها الطويلة وفي بحثها المضني من أجل النار والعشب.

إنَ الانطلاق من فكرة بداية الخلق، أي خلق النموذج البدئي للأشياء، هي التي بنيتها في مجموعتي الشعرية، ولذلك تنتهي قصيدة “الذي يأتي ولا يأتي” بموت العالم القديم وانتقال كل الأشياء الحية من هذا العالم القديم لكي يولد عالم جديد‘‘.


الإثنين: جزء ثان

15