عبد الوهاب عطيف يوقظ ذاكرة الفل من جازان إلى جدة

الخميس 2015/04/09
المرأة تحضر في لوحات عطيف كشريك حقيقي للرجل

خلال ثمانية أشهر مضت، وبعد أن ارتحلت تجربته “ذاكرة الفل” من جازان جنوب السعودية، إلى جدة غربها، فالشرقية بغاليري تراث الصحراء في الخبر تحديدا، والفنان التشكيلي السعودي عبدالوهاب عطيف يرصد بلوحاته تحولات المكان في القرى الجنوبية، وكيف تنقلت تضاريسها خلال الجيل الأخير.

تجربة “ذاكرة الفل” للفنان التشكيلي السعودي عبدالوهاب عطيف تأتي بعد مشاركات جماعية في العديد من المعارض التي زادت على الثلاثين معرضا، قدم خلالها الفنان أعمالا شغوفة بالأرض والتاريخ والتراث.

ويرى عطيف بأنه يجب على المعرض الشخصي أن يرتكز على أبعاد جديدة، وأن يضيف مفاهيم مختلفة إلى الفنان وكذلك المتلقي، لذا فإنه لم يستعجل في معرضه الشخصي الأول.

عن تجربة عطيف يقول التشكيلي السعودي علي ناجع “في لوحات عبدالوهاب عطيف تظهر عنايته واهتمامه بمحيطه البيئي، حيث يركز في رسومه على العمل اليومي وممارسات الحياة اليومية في واقع ومحيط غني وخلّاق، جمال تجربة عطيف تكمن مصداقيته وقدرته على الاقتراب من موروثه وأدواته الشعبية وجماليات بيئته، حضوره هذا يذكرني بأوائل الفنانين المحليين والعرب أمثال السليم وبيكار وآخرين”.

وفي حوار مع عطيف عن التجربة بيّن لـ”العرب” أن المعرض يحوي 39 لوحة توضح ملامح التطور لتجربته التشكيلية، ويمكن تلمسها من خلال أربع مراحل، منها البدايات ومحاولات البحث عن بلورة وتشكيل مفهومه للصورة الفنية، ومن ثمّ إنتاج عدد من الأعمال الأولية التي تلمس عطيف من خلالها موطئ ريشته داخل المشهد التشكيلي المحلي.

عبدالوهاب عطيف: معضلة الفن التشكيلي السعودي تكمن في غياب المؤسسات الراعية

فيما تجسد المرحلة الثانية الانطلاق والسعي إلى إنتاج العمل الفني القادر على تمثيل رؤيته لجماليات اللوحة الواقعية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الاقتراب من جماليات البيئة المحلية وتجاوز المسألة التسجيلية، والسعي من أجل النفاذ إلى المكون الجمالي المحلي، متناولا مواضيع الحصاد، وبعض المناسبات الاجتماعية واليومية في القرى الجازانية، وتجريب أكثر من خامة وتقنية.

وتأتي المرحلة الرابعة متعددة المستويات، توزعت بين تطوير تقنياته وإنتاجه المزيد من الأعمال التعبيرية المرتبطة بجماليات التزيين، مستعينا بفنون الواقع الاجتماعي بما في ذلك تلك النصوص الشعرية الشعبية والعديد من فنون المكان وجمالياته، وكان نتاجها تأسيس نمط زخرفي بخصوصية الموروث الجازاني.

تطور التجربة

يقول عطيف عن تجربته “محاولاتي التشكيلية بدأت منذ عشرين عاما تقريبا بمحاولات للتشكيل بالحرف العربي والزخارف الإسلامية، بحكم تخصصي في التاريخ ثم انتقلت إلى التصوير التشكيلي مستندا على التجارب والمشاركة في النشاطات التشكيلية، إلاّ أن العمل على تطوير التجربة مع الفنان والناقد التشكيلي علي ناجع كان نقلة بالنسبة إلي، فقد بدأت في العمل على أسلوب للتفرد وعرض رؤيتي”. ويلاحظ المتابع لتجربة عطيف حضور المرأة في لوحاته كشريك حقيقي للرجل، مستلهما ذلك عبر وجودها عاملة في الحقل، وحاضرة في القرية، ومشاركة في مواسم الفرح ومراسيم العزاء.

ربما يحن عطيف لذلك الزمن الجميل، أو أنه يوصّفه فقط ضمن مرحلته التاريخية، خصوصا وإننا نشهد غياب هذا الحضور بكل متغيراته بسبب سيطرة تيار الصحوة في المملكة الذي فرض ثقافة المركز على الأطراف، مغيبا المرأة عن المشهد بعد أن كانت جزءا لا يمكن تجاهله.

وفي هذا الشأن يرى عطيف أن “حضور المرأة وشراكتها للرجل في الماضي من أهم دوافع الحنين في تجربتي، فقد كانت الشراكة في أبهى صورها الاجتماعية، ودون منغصات”. ويستطرد “حنيني منبعه الوصول إلى إجابة مقنعة عن السؤال: هل كانت التقاليد هي الحائل دون وقوع الافتراضات المطروحة في الوقت الحاضر، أم هو انشغال المجتمع بهموم المعيش اليومي؟ لكن، من المؤكد أن هناك متغيرات حصرت هذه المشاركة ولا زالت تعمل على تقييد عودتها بصور أخرى”.

المعرض يحوي 39 لوحة توضح ملامح التطور لتجربة الفنان التي يمكن تلمسها من خلال أربع مراحل

تعدد المناخات

يعتقد بعض المتذوّقون بأن المناخ الواحد للمعرض ضمن تجربة زمنية متقاربة كان سيدفعه لمزيد من الوحدة الموضوعية والتقنية، خصوصا وأن بعض التجارب التي قدّمها عطيف تعود إلى عشرين سنة وأكثر، جاءت متجاورة مع تجارب حديثة أنتجت قبل أشهر قريبة.

عطيف يختلف مع هذا الرأي ويعتقد أن المعرض الأول يجب أن يحتوي تجارب الفنان ومحاولاته حتى يقدم نفسه كفنان له أساليبه المتعددة في المعالجة، فيتيح بهذا للمتلقي إمكانية تكوين فكرة متكاملة عن فنه التشكيلي وتطور تجربته. كما أن “ذاكرة الفل” مشروعه الذي تنوعت وسائطه مع الحفاظ على وحدة الروح، وهذا ما يعوّل عليه عطيف في هذا الطرح.

وفي سؤال عن استشرافه للمشهد التشكيلي السعودي يجيب عطيف “الحقيقة إن المشهد التشكيلي السعودي المعاصر يسير بشكل جيد، لكن مع هذا الكم من الممارسين للفن وكثرة الأعمال التي تدرج تحت ما يسمى بالفن المفاهيمي ودون تجربة سابقة ومؤصلة لمن يقدمها تمثل مشكلة، إضافة إلى غياب المؤسسات الراعية، والتي إن وجد بعضها فهي في الغالب تكون حصرا على أشخاص بعينهم”.

16