عبر النافذة

غصت الأعمال التشكيلية بهاجس الزمن إلى حد التخمة، منها الرائع ومنها الرديء ولكنها تشترك كلها بهذه الرغبة في تقويض قوانين الزمن الواهية.
الجمعة 2019/03/29
الأعمال التشكيلية تغص بهذا الهاجس إلى حد التخمة

كما في كل سنة يحل فيها عيد الأم تزخر مواقع التواصل الاجتماعي بصور الأمهات، بعض الصور هي لهنّ وهنّ في أوج شبابهنّ والبعض الآخر جديدة، وعلى الرغم من عذوبة هذه الالتفاتات يبقى أمر آخر يصل صليلا في رؤية هذا الكم من الصور الحميمة لمجرد أنها تجسد الأم في الذاكرة أو في حاضرها المحفوف بخطر فقدانها.

وجدت نفسي أضع منشورا يختصر ما أشعر به كل مرة رأيت فيها صورة من تلك الصور، منشور قلت فيه “لن أضع صورة لي مع والدتي، لأنني سأبحث عن صورة فوتوغرافية لن أعثر عليها ونحن في نفس عمر الشباب ونحن نضحك في وجه خرافة اسمها الزمن”.

هل ستبقى هذه الحال طويلا؟ أي عدم القدرة على أن نكون في عمر واحد؟ فهو ما تستحقه هذه العلاقة/المعجزة.

الشبه الكبير بيني وبين والدتي في نفس العمر، هذا ما سيجعل الأمر كاملا وتتويجا لحالة حب هي من أصفى وأرقى حالات الحب في الوجود، كثيرة هي المرات التي تشاحنت فيها مع والدتي، وقلت لها في النهاية “أنا رفيقة عمرك بكل ما تعني كلمة عمر من أبعاد”، وكان ذلك كفيلا بأن يعيد المياه إلى مجاريها مع تورد أكبر لأزهار حبنا الأزلي.

وكنت كثيرا ما أفكر، ولا أزال وإن أغضب ذلك الكثيرين، لمجرد أن الإنسان هو كائن حي يعي موته المحتوم ويعيش بالرغم من ذلك أيامه مظللة به، فهو يستحق الجنة حتى وإن كان “سيئا” في حياته، ففظاعة الموت وفكرته القاهرة من الأمور الكفيلة بأن تنجيه من أي حالة جهنمية قد يصل إليها بعد وفاته.

كما أذكر أنني في أحد الأيام قرأت، ولست أعلم تماما إن كان صحيحا أم لا؟ أن أهل الجنة كلهم في نفس عمر الشباب، ربما فكرة كهذه هي ما ارتكزت عليها العديد من المؤلفات الأدبية والشعرية والفنية، وربما من أهم تلك المؤلفات “زوجة مسافر الزمن” التي تحولت لاحقا إلى فيلم سنة 2009.

Thumbnail

فيلم يتحدث عن شاب وبسبب “عطل” جيني محدد لا ينفك يغيب ويعود إلى الماضي ويذهب إلى المستقبل في لحظات لا يستطيع التحكم فيها، والفيلم باختصار شديد عبارة عن سلسلة ذهاب وإياب شائكة يعيشها الشاب من خلال قصة حب مؤثرة تربطه مع حبيبة عرفها وهي طفلة وهو في عمر الشباب، ليعود ويلتقي بها في مختلف مراحل عمره.

ينجب منها طفلة محكومة بذات القدر مع اختلاف واحد وهو قدرتها على التحكم بـ”سفرياتها” عبر الزمن، ولعل أجمل مشهد من الفيلم هو ذاك الذي يقف فيه الشاب متأملا عبر النافذة حبيبته وهي تسير جنبا إلى جنب.. مع ذاتها في عمر الطفولة. منذ أكثر من سنة عرض في نشرات الأخبار عن اختبار علمي موفق سيمكن الإنسان من السفر عبر الزمن، ثم اختنق هذا الخبر العظيم ولم يعد أي مصدر يتكلم عنه، على الأرجح ليس لأنه كاذب بل بداعي السرية.

غصت الأعمال التشكيلية بهذا الهاجس إلى حد التخمة، منها الرائع ومنها الرديء ولكنها تشترك كلها بهذه الرغبة في تقويض قوانين الزمن الواهية التي يُصار إلى التحدث عنها أكثر فأكثر في المجالات العلمية التي هي في أحيان كثيرة امتداد لأعمال تشكيلية رائدة لا يحد خيالها عنصر “تافه” كعنصر الزمن.

ربما ليس في زمني بل بعده بكثير سنتمكن من التقاط صور كتلك التي أتمناها، وربما لن تكون للصور أي أهمية في ذلك الحين، الحين الذي لن تعود فيه الصور شعيرة من شعائر القبض على الزمن الهارب.. الزمن سيكون حينها زمن الضحك في وجه خرافة اسمها الزمن.

17