"عبقرية التأليف العربي" ذاكرة للنصوص التي لم نستفد منها

التأليف النصي يمثل ظاهرة هامة في التأليف العربي القديم خاصة، وهو موضوع هذه الدراسة التي أجراها الباحث كمال عرفات نبهان بعنوان “عبقرية التأليف العربي: علاقات النصوص والاتصال العلمي”، ويهدف هذا البحث إلى معرفة مختلف أشكال العلاقات بين النصوص، وتصنيفها وتوضيح أبعادها وخصائصها وإبراز أهم نماذجها، في لفت لمكانة النصوص العربية التي لم نستفد منها، وفي إعادة الاعتبار لظاهرة تعالق هذه النصوص، أدبية كانت او علمية.
السبت 2015/09/05
التأليف في مختلف المجالات العلمية والأدبية عند العرب قديما تميز بالتفاعل بين نص وآخر

الإسكندرية (مصر) - صدر عن مركز دراسات الحضارة الإسلامية وإدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية كتاب “عبقرية التأليف العربي: علاقات النصوص والاتصال العلمي”، تأليف الباحث كمال عرفات نبهان. وقام بتصدير الكتاب الباحث إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، وقدمه الباحث مصطفى الشكعة.

يقع الكتاب في 557 صفحة، ويتناول من خلال اثني عشر فصلا موضوع التأليف كظاهرة اتصال، واستجابة لحاجات علمية وتعليمية وثقافية، التي من أجلها ظهرت آليات وأصول في صنعة التأليف وتكوين النصوص في التأليف العربي الإسلامي. وقد أجريت هذه الدراسة من مدخل ببليوغرافي ومعلوماتي واتصالي.

ذاكرة خارجية

يؤكد المؤلف أن هذا الكتاب الذي استغرق زهرة العمر وزهوة الفكر يعد مشروعا حضاريا وإنسانيا، وتبليغا في أفق الوعي والإنجاز العلمي والحضاري. ولا بد أن يأتي يوم وقوم ينجزون فيه ما يطرحه، من أجل تطوير علم النصوص والببليوغرافيا التكوينية، والحصر الشامل لكل النصوص في ببليوغرام شامل يربط النص بعائلته وأجداده وآبائه وتوابعه من النصوص، مستفيدا من تكنولوجيا المعلومات، وحينئذ سوف توضع الذاكرة العربية الإسلامية في قلب الحضارة الإنسانية، وتتجسد خريطة للعقل والذكاء والتأليف المساهم في بنائها.

ويقول إسماعيل سراج الدين في مقدمة الكتاب المؤلف كمال عرفات نبهان، أستاذ علم المعلومات أمضى حياته في علم المكتبات وتصنيف المعلومات، وجمع خلاصة خبرته تلك وإلمامه الواسع بالمكتبة العربية ومزجها ووضعها في هذا الكتاب خدمة للثقافة والمكتبة العربية التي تفتقر إلى مثل هذه الكتب. ويضيف أنه من أجل ذلك كان حريصا في مكتبة الإسكندرية على إعادة إصدار هذا الكتاب كي تنشره على نطاق أوسع، وكان الكتاب قد طبع قبل ذلك طبعة محدودة لم توفه حقه.

الكتاب يتفرد بتقديم مجالات وأشياء جديدة تماما في موضوع التأليف العربي والعالمي أيضا، من ذلك تعريف التأليف

كشف كمال عرفات نبهان في كتابه هذا عن مشروع قام به لسنوات، فقد طور النصوص العربية وعرّف ستين نوعا من أنماط تأليف النصوص، مقدما خصائص كل نوع، وكاشفا عن طبيعة الجهد العلمي المبذول فيه وخصائصه وعلاقاته مع الأنواع الأخرى، مبرزا أهمية صناعة الكشافات في خدمة جميع العاملين في ميادين العلم. ويرى أن علماءنا السابقين تركوا تراثا ضخما لم نستفد منه، وأن الكتاب يعد ذاكرة خارجية للمؤلف.

ويعتد الكتاب بالتراث العربي كاشفا عن عبقريته وعن موسوعة التأليف العربي وبراعة المؤلفين، فقد أعطوا التأليف حق قدره واحتفوا بالكتاب أيّما حفاوة. وبالرغم من فقر الإمكانات المتاحة لديهم، فقد كانوا يسيرون وفق خطط مركزة منضبطة في التأليف، وكل شيء كان ممنهجا وفقا لمعطيات عصرهم.

وأعرب سراج الدين عن أمله في أن تتحقق أمنية المؤلف بأن يتم البناء على فكرة الكتاب لتطبيقها حاسوبيا في برنامج خاص شامل ييسر البحث على الدارسين والباحثين في متون التراث العربي.

ومن بين أنواع التأليف المختلفة يوجد شكل متميز، وهو اعتماد المؤلف على كتاب سبق ظهوره، يهتم به ويتخذ منه محورا يدور حول كتابه الجديد في شكل شرح أو تلخيص أو تهذيب أو تذييل أو استدراك أو معارضة أو محاكمة، وهذا النوع هو ما يسميه المؤلف “التأليف النصي المحوري”، وهو يمثل ظاهرة هامة استمرت في التأليف العربي الإسلامي في مختلف عصوره، وما زالت بعض مظاهره موجودة حتى الآن. كما أن بعض أنواعه موجودة في الثقافات الأجنبية.

الببليوغرافيا التكوينية

ويتفرد هذا الكتاب بتقديم مجالات وأشياء جديدة تماما في موضوع التأليف العربي والعالمي أيضا، ومن ذلك تعريف التأليف عموما والعربي خصوصا (وتتميز أنواعه وهي التأليف الإبداعي والتأليف الوثائقي والتأليف النصي المحوري، والجذور العربية للتأليف من التدوين والتصنيف)، وتعريف المؤلف وخصائصه في الثقافة العربية والإسلامية، وتعريف النص وتمييز أشكاله المختلفة.

الكتاب يحدّد آليات التأليف العربي

ويطرح الكتاب نظرية “الببليوغرافيا التكوينية”، وهي جديدة في مضمونها وتسميتها، وهي تؤسس مجالا جديدا في دراسة التأليف وعلاقات النصوص والضبط الببليوغرافي “التكويني”، وتضيف بعدا جديدا في علم الببليوغرافيا وعلم المعلومات، وتقدم بداية نظرية وتطبيق ميداني لتأسيس علم النصوص العربية.

ويقدم ابتكار نظام لوصف تمثيل علاقات النصوص داخل عائلة النص، هو “مخطط علاقات النصوص” الذي أسماه المؤلف Bibliogram وهي كلمة جديدة على اللغة الإنكليزية تم تركيبها لأول مرة، ويتفرع منه “المخطط الزمني لعلاقات النصوص”، وقد أسماه المؤلف Biblio-chronogram لأول مرة أيضا، لوصف وتمثيل الامتداد الزمني لتأثير النص في ظهور المؤلفات المتفارعة عليه.

ويقوم المؤلف من خلال الكتاب أيضا باكتشاف وتسمية سبعة أشكال من الببليوغرام في التأليف العربي، وتحليل علاقات التفارع للنصوص عن النص الأصلي وابتكار مصطلحات جديدة لوصف وتسمية هذه العلاقات. وحدد المؤلف ستين نوعا من التأليف النصي، وتحديد خصائص كل نوع، وطبيعة الجهد العلمي في تأليفه، ووظائفه الاتصالية العلمية، وعلاقاته مع الأنواع الأخرى من التأليف النصي. وقد أمكن تصنيف هذه الأنواع من التأليف وجدولة الوظائف المقابلة لها ونماذج استخدامها.

ويحدد الكتاب آليات التأليف العربي في الخطوط الرئيسية التالية: التأليف التمهيدي للنص (ويتمثل في المقدمات بأنواعها)، تشغيل النص (مثل التلخيص والتهذيب)، تحويل النص (مثل الترجمة وتغيير بيئة النص ونظمه)، مصاحبة النص (مثل الشروح بأنواعها)، خدمة النص ومحاورته (مثل الاكتشافات والأطراف ومعارك النصوص) ونمذجة واحتواء النص.

يقوم الكتاب أيضا باستقراء ظواهر هامة في التأليف العربي مثل ظاهرة تكامل النصوص وتواصل النصوص وتراكم النصوص، واستقراء بعض الخصائص السوسيولوجية للاتصال العلمي في الحضارة العربية وانعكاس العلاقات الاجتماعية في المجتمع العلمي على علاقات النصوص وأشكال التأليف والاتصال العلمي.

ويحتوي الكتاب على كثير من المصطلحات التي تمت صياغتها لتكون رصيدا للببليوغرافي وعالم المعلومات والمخطوطات والنصوص، ومؤرخ العلوم وناقد الأدب ومجالات أخرى كثيرة، ومن ذلك: المجانسة، التدريج، المعجمة، الموسعة، التزمين، النمذجة، المقايسة الببليوغرافية وغيرها، مع الحرص على البحث عن مقابل لها بالإنكليزية لوصل الحلقات بين الحضارات.

ويلفت الكتاب نظر القارئ إلى أهمية توضيح مسألتين يعتبرهما على جانب كبير من الأهمية: أولاهما أن التأليف ليس ظاهرة قديمة فحسب، بل هو ظاهرة مستمرة، واستمرارها ضروري، ليس في الثقافة العربية وحدها بل في كل الثقافات. وثانيهما أن هذه الدراسة ليست تأريخا للتأليف العربي، لكنها تخضع بعض ظواهر التأليف كحالات للدراسات الاستقرائية من أجل الخروج بتصنيف لعلاقات التأليف النصي.

17