عبقرية الكذب

الخميس 2015/10/29

يقال إن من نصّب نفسه للناس إماما، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فلا يجدر بالعاقل أن ينهى عن خلق ويأتي مثله. وها أن فيلسوفا فرنسيا يدعى فرنسوا نودلمان يتوقف في كتاب له بعنوان “عبقرية الكذب” لتحليل هذه الظاهرة -ظاهرة التناقض بين الأفكار المعلنة والحياة المعيشة لدى بعض المفكرين- التي تعتبر كذبا ونفاقا من منظور أخلاقي، ولكنها عقدة الخلق والإبداع، في رأيه، من منظور فلسفي.

فقد لاحظ أن عدة مفكرين وضعوا نظريات تخالف سيرتهم. من ذلك مثلا أن روسو وضع رسالة في التربية يوهم فيها بأنه مثال الأب الحريص على ذريته وهو الذي أهمل أبناءه الخمسة. وسارتر دافع عن الالتزام ثم لم يصوّت عام 1936، ولم يبد مقاومة تذكر زمن الاحتلال النازي.

ودولوز كان يمجد الارتحال وهو يكره الأسفار. وسيمون دو بوفوار كانت تنظّر للحركة النسوية وتحرّر المرأة وتحتفي في الوقت نفسه بمتعها الذليلة مع عشيق أميركي. وفوكو كان يدعو إلى الجهر بالحقيقة حول كل شيء، والحال أنه كان يخفي إصابته بمرض الإيدز.

فهل هم كاذبون؟ نعم، يقول المؤلف، ولكن بالطريقة نفسها التي يكذب بها الشعراء والروائيون والرسامون والموسيقيون وكل المبدعين الحقيقيين، لأنهم لا يستنسخون حياتهم بل يصنعون عوالم، فالحقائق الفلسفية، وهذا في رأيه معروف منذ نيتشه، هي أيضا أعمال تخييلية، تربطها بحياة صنّاعها علاقات معقدة ومخاتلة.

وخلافا للأفكار المسبقة والأحكام المعيارية البسيطة، يؤكد الكاتب أن الشخصيات المتعددة، التي يتقمصها أولئك الفلاسفة والمفكرون، لا تعكس كذابين بقدر ما تعكس ذوات متعددة الأشكال، تعتريها رغبات متباينة، وتشغف بالحقيقة، فتكشف عنها وهي تنقسم وتتوزع وتتعدد.

فالانسجام بين الحياة والخطاب، البديهي والمخادع في الوقت نفسه، يحيل على تخييل الذات، ويتوسل بالمسكوت عنه والإنكار والخدعة، وما عبقرية الكذب سوى خطاب عجنته المخاوف والرغائب، والتحولات والتمثل العجيب للذات. فالكذب هنا يعادل قابلية الذات للتوزع والتعدد في مسرح الكتابة. والخلاصة في رأيه أن من يحيا ومن يكذب ليسا شخصا واحدا.

والحق أن هذا من أعجب ما قرأنا، إذ كيف يمكن أن نقبل بوجود علاقة متناقضة، داخل شخص واحد، بين بنية فكرية وممارسة تخالفها؟ وكيف يمكن أن نتفهم الدوافع التي تقود هذا المفكر أو ذاك إلى صياغة فكر يجهد في الذود عنه، وهو في الغالب مناقض لما يعيشه؟ وإلى أيّ مدى يمكن ردّ ذلك إلى الخيال وحده؟

كاتب من تونس مقيم بباريس

15