عبق الياسمين التونسي

الأربعاء 2015/10/14

ورود من كل لون.. وموسيقى من زقزقات عصافير.. وعبق للحب في كل شارع.. ثلاثة أيقظت حواسي واستفزت العشق والشعر في أوصالي وأنا أطأ التراب التونسي لأول مرة في تسعينات القرن الماضي.

مدن عربية بامتياز.. لكنها تفردت بخصوصية لم ألمسها في أي مدينة عربية أخرى (وقد اسعفني الحظ في زيارة معظمها).. وهو ليس انتقاصاً من فرادة أو تميز عواصمنا ومدننا في مشرق العالم العربي أو مغربه.. فلكل مدينة فرادتها وخصوصيتها وتميزها.. بيد أن تميز تونس بهذه الرومانسية جعلها تختلف عن واقع عوالمنا.. وجعل قلب الشاعر المرهف نزار قباني يصفها بمطلع قصيدته التي يحفظها جلّ الشعب التونسي “ياتونسَ الخضراء جئتكِ عاشقاً.. وعلى جبيني وردة ٌوكتابُ”.. ليختصر الخضرة والعشق والوردة والكتاب.. بتونس.

ولا شك أن لكل كارثة جوانبها السلبية والإيجابية.. فمثلما كان للاستعمار سطوته واختلافه في تحييد الشعوب أو تغييبها وطمس هوياتها.. لكنه ينتج في النهاية شعوبا تختلف باختلاف ما مرّ بها من ظلم.. وللدكتاتوريات المتعاقبة على دولنا العربية أيضا طرقها المختلفة في دحر طاقات شعوبها أو تكريس انهيارات قيمها وأيديولوجياتها أو تعزيز اليأس والخراب في نفوس أبنائها.. أو في بناء بعض الجوانب الإيجابية فيها رغم اختلاف الأساليب والنتائج.

ولكون الدكتاتورية التونسية التي اعتمدت سياسة الحاكم الأوحد والحزب الواحد وقمعت الصوت المعارض وبطشت بالمختلفين معها.. قد تجنبت الخوض في الحروب المرتجلة وتفرغت للتنمية ودعم الصناعات الوطنية والحريات الشخصية ودعت لتحرير المرأة وإثراء الثقافة والعلم والفن ومؤسسات المجتمع المدني.. كان لكل ذلك الأثر الواضح في ولادة وتربية شعب عربي مختلف.. شعب عانى من القمع لكنه لم يعان من حرمانه من التعليم.. عانى من الفقر لكنه لم يعان من الجهل والتخلف.. عانى من الاستبداد والحرمان من حرية التعبير لكنه لم يحرم من ممارسة حرياته الشخصية والانفتاح على الحداثة.. عانى من التسلط لكنه تمتع بمكانة للمرأة جعلت منها نصف المجتمع بحق حين تفرّدت تونس بأحد أهم الدساتير التي أنصفت المرأة في عالم عربي كان ومازال يحرمها من أبسط حقوقها.. شعب عانى من غياب الديمقراطية لكنه لم يشهد حرباً ولم يذق عبث الموت والانقسام والثأر ولم يألف لون الدم.

ولذلك ربما كانت ثورة الياسمين هي الثورة الأقل دموية والأكثر تحضرا وحداثة من بين كل ما تلاها من “ربيع عربي” ابتدأ وانتهى عندها فقط.. ثورة كان فيها المتظاهرون دون سواهم يرفعون لافتات من قصائد لأبي القاسم الشابي.

ولذلك استحقت تونس بحق أن تحظى بنوبل للسلام.. (على الرغم من كل تحفظاتنا على الجائزة).. فقد استطاعت تونس بالحب والورد والجمال والحداثة أن تنتزع حريتها.. وأن تضع قدمها على أولى درجات الرُقيّ والتحضّر والسلام.. ولعلها شمعة أمنية يوقدها الياسمين التونسي في ظلام التناحر.. ليعدَنا بربيع عربي من ورد وعصافير ومحبة.. لا صوت فيه للرصاص والقذائف والصراعات الطائفية.. ولا مكان فيه للتكفير والإقصاء.

فهل لنا أن نضع على عاتق مثقفينا أن يوقدوا شمعتهم في عقول وقلوب شعوبنا العربية ليكونوا هم حاملو رايات السلام التي تدحر ما خلـّفـتـْهُ فينا الدكتاتوريات التي خنقت حتى الأمل بحياة أكثر انسانية؟

صباحكم ياسمين وزقزقات وحب..

21