عبلة الدجاني التي ما زالت تحلم بفلسطين حرة

الأحد 2014/07/27
عبلة الدجاني وجه آخر لنضال الفلسطينيات عبر السياسة والإعلام والعمل الحقوقي

خطّت النساء العربيات تاريخا طويلا من الكفاح والنضال من أجل تحقيق الذات وكسب الحقوق والحريات، لكن تظل مسيرة نضال المرأة الفلسطينية تختلف وعلامة فارقة في هذا التاريخ، فالفلسطينية تناضل لا فقط من أجل الحقوق والمكتسبات بل أيضا من أجل الحق في الحياة ومن أجل الأرض وحرية الوطن، وفي هذا الإطار تتنزل مسيرة الإعلامية والحقوقية عبلة الدجاني رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية بمصر.

لا يمكن لمن يتحدث عن المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي أن يحصر هذه المقاومة بأشكالها المختلفة في الرجال، لأن المرأة الفلسطينية تشارك فيها فعليا وقد انخرطت في جميع مجالات النضال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي وحتى العسكري ولها قائمة اسمية طويلة في هذا الفعل النضالي، لكن يظل دورها الأسري والاجتماعي في أعلى هرم هذا الكفاح وهو ما عبرت عنه الدجاني بأنه أهم النضالات النسوية؛ فعليها توجيه الأبناء وجيل المستقبل وغرس البذرة والهوية الفلسطينية في وجدانهم.


المرأة أم القضايا الكبرى


بالنظر في هذه المهمة التي على المرأة الفلسطينية الاضطلاع بها في أسرتها مع الأبناء يمكن أن نعتبرها عنوانا للهوية الفلسطينية ومفتاح الحفاظ على فلسطين العربية المسلمة ذات التاريخ العربي الضارب في القدم، فالأطفال الفلسطينيون خاصة منهم أولئك الذين يعيشون في بلدان أخرى عبر العالم غير موطنهم الأصلي خاصة الذين هجرت عائلاتهم أو اضطرت لمغادرة وطنهم يجب أن يحملوا هويتهم الحقيقية ويدركوا حقيقة قضية وطنهم الأصلي ويواصلوا مسيرة النضال نحو استقلال فلسطين.

هذا ما تؤكده عبلة الدجاني عند تعرضها للدور المقدس الذي يجب أن تلعبه المرأة الفلسطينية وهي تقدم النموذج عن ذلك حيث تقول إن أمها غرست فيها البذرة الفلسطينية منذ كانت طفلة تعيش في مدينة يافا وخلقت لديها التعلق بالأرض ورغم تقدمها اليوم في السن إلا أنها تصرح أنها لم تنس رائحة زهور البرتقال عندما تتفتح وتغرق يافا في عبقها، وهي تحن لزيارة مسقط رأسها ولو لأيام.

مرّرت الدجاني التي تعيش في مصر هذا التعلق بالوطن وبالهوية الفلسطينية لابنتها ولحفيداتها وتقول رغم أنهن مصريات إلا أنهن متعلقات بالقضية الفلسطينية ولا يترددن في المشاركة في المظاهرات التي يحتضنها الشارع المصري سواء تعلقت بالشأن المصري أو بمناصرة للقضية الفلسطينية، وهذا ما تدعُو له كل الأمهات الفلسطينيات حيث كنّ، وتقدم لهن تجربتها نموذجا يحتذى به كي لا تنسى أجيال المستقبل فلسطين.

ترى الدجاني أن أهم النضالات النسوية التي تقوم بها المرأة الفلسطينية في توجيه الأبناء وجيل المستقبل وغرس البذرة والهوية الفلسطينية في وجدانهم

وحول هويتها تقر الدجاني أنها فلسطينية مصرية عربية فهي تحمل هموم المرأة الفلسطينية وقضايا الحق في السلام والحياة والأرض، كما تحمل همّ المرأة المصرية التي تتعايش معها وتحمل همّ المرأة العربية بحكم أن قضايا المرأة في العالم العربي هي تقريبا نفسها خاصة في ما يتعلق بالحقوق وكسب رهان المساواة بالرجال في مجتمعات أبوية ذكورية ظلت تحافظ بدرجات متفاوتة على هذه الصبغة رغم تقدم العصر ورغم كل ما حققته النساء العربيات من إنجازات ونجاحات يشهد لها بها العالم.


صوت من إذاعة الثورة


وعبلة الدجاني عرفت النضال السياسي مبكرا من أجل وطنها وشعبها وانخرطت في الدوائر السياسية والإعلامية وفي العمل المجتمعي لأجل ذلك، استهلّت مشوارها بالنضال الإعلامي وكانت صوتا نسائيا جريئا ومحررة في إذاعة الثورة الفلسطينية منذ عام 1965، حيث لعبت دورا هاما في نشر المعلومة وبث حقائق القضية الفلسطينية للعالم عبر الموجات الإذاعية، حتى وصلت إلى منصب رئيس قسم الأخبار، وكانت الإذاعة بشكل عام ذات اتجاه سياسي يتحدث عن فلسطين والاحتلال. ثم كانت من المؤسسين لإذاعة الثورة الفلسطينية في لبنان بعد ذلك، ولكن توقفت عن هذا العمل بعد سنوات واكتفت بالكتابة في بعض المجلات والصحف، ولم تبتعد عن الإعلام عن قصد، وتقول إنها تكون سعيدة عندما يطلب منها الكتابة عن القضية الفلسطينية وعن قضايا المرأة وعن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.

وفور دخولها العمل الجمعياتي النسوي وانخراطها صلب الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ساهمت الدجاني في توجه الاتحاد إلى العمل السياسي والنضالي جنبا إلى جنب مع الاتحادات الأخرى التي انخرطت في العمل الوطني، ودفعت إلى الأمام مساهمة المرأة الفلسطينية في تعزيز المقاومة الشعبية للاحتلال بتوعيتهن بأهمية دورهن في المقاومة وتشجيعهن على ذلك رغم أن الكثير من الفلسطينيات تعرضن إلى الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي أو هُجّرن قصرا من وطنهن لكن ذلك يجب ألا يثني المرأة الفلسطينية عن الإيمان بقضية الوطن وتبنيها وعلى السعي لتحقيق حلم السلام والاستقلال لأبنائهن، حسب الدجاني.

هي إعلامية ومناضلة وسياسية تحلم بفلسطين حرة عاصمتها القدس الشريف ولا ترى بديلا عن النضال بكل الأشكال وفي جميع المجالات لتحقيق هذا الحلم، ولديها نظرتها السياسية للمسألة فتقول إن القضية الفلسطينية تغيب أحيانا عن الساحة السياسية العالمية ويقل طرحها في وسائل الإعلام بأنواعها وذلك تبعا للأحداث السياسية العالمية وترى الدجاني أن قوات الاحتلال الإسرائيلية والجهات الداعمة لها يخلقون قضايا أخرى للتغطية على القضية الفلسطينية ولتوجيه أنظار الرأي العام الدولي بعيدا عنها وهي تعتقد أن هذا يندرج ضمن مؤامرة على العرب وعلى القضية الفلسطينية.

تحلم الدجاني بفلسطين حرة عاصمتها القدس الشريف ولا ترى بديلا عن النضال بكل الأشكال وفي جميع المجالات لتحقيق هذا الحلم


ربيع العرب أعاد فلسطين من جديد


وتعتقد الدجاني رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية أن ثورات الربيع العربي أعادت القضية الفلسطينية مجددا إلى قائمة اهتمامات العالم، فضلا عن الدعم العربي على مستوى الشعوب بصفة خاصة، وتقيّم ما أثارته بعض الثورات العربية من صراعات طائفية دينية طغت على الشارع العربي من العراق وسوريا ومصر وتونس وليبيا أنه في بعض الأحيان نحتاج للدكتاتورية لتوحيد الشعب، لكن ذلك ليس إيمانا منها بجدوى الدكتاتورية بل لإدراكها أن سلطة الدولة وقوانينها يجب أن تتواجد وتفرض التعايش بين مختلف مكونات المجتمع على اختلافها.


مرسي وحماس


وعبلة الدجاني التي عايشت حكم الإخوان في مصر قبل عزل محمد مرسي لم تكن بحكم موقعها كرئيسة لاتحاد حقوقي بالأساس مؤيدة لحكمهم ولمساعيهم لفرض سلطتهم وفكرهم على الشعب، وقد كشفت مؤخرا في تصريح إعلامي أن “المعزول” منح الجنسية المصرية لعناصر من حماس مستنكرة هذا العمل الذي يفرق بين الفلسطينيين حسب انتمائهم السياسي، وهو ما من شأنه أن يفرق بينهم رغم الدور الذي لعبته مصر مؤخرا في تحقيق الاتفاق بين حركتي فتح وحماس.

وعن مكتسبات المرأة الفلسطينية في الوقت الراهن تقول رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية: “مكتسبات المرأة الفلسطينية في عهد أبو مازن لا تحصى”، لافتة إلى وجودها في مختلف المناصب السياسية حيث تؤكد تعيين خمس وزيرات ومحافظة، بالإضافة إلى ست سفيرات و16 قاضية، مشيرة إلى أن دور المرأة السياسي في فلسطين لا يمكن إنكاره، فكم من نساء تم اعتقالهن أو قتلهن أو الاعتداء عليهن. بالتالي فهي ترى أن هذا استحقاق للمرأة وليس منّة عليها فهي مناضلة ومتعلمة ولديها القدرة والكفاءة على تقاسم المناصب العليا في الدولة مع الرجال.


اتحاد المرأة مظلة القضية


هذه المواقف والرؤية والتحليل السياسي العميق ليس مستغربا من عبلة الدجاني فهي تقود قاطرة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية فرع مصر، وهذه المنظمة لديها تاريخ عريق من النضال والعمل على رفع راية المرأة الفلسطينية والعربية عموما؛ وقد تأسس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965 كقاعدة من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية -ممثلاً شرعياً وحيداً للمرأة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه- وعلى هذا الأساس يمثل الاتحاد المظلة لكافة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية للمرأة، وقد كان الهدف الرئيسي من تأسيسه تنظيم جهود وطاقات المرأة الفلسطينية للمشاركة في جميع النشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الوطن وخارجه والتي تسعى لتنمية المرأة والنهوض بها في التجمعات الفلسطينية المتعددة. وقد استمر الاتحاد على مدى سنوات طويلة في مواصلة نشاطه السياسي ودعم المرأة الفلسطينية المناضلة التي شاركت بفاعلية في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني بكافة أشكاله ومراحله التاريخية.

كشفت الدجاني مؤخرا أن الرئيس المعزول مرسي منح الجنسية المصرية لعناصر من حماس مستنكرة هذا العمل الذي يفرق بين الفلسطينيين حسب انتمائهم السياسي

ولدى عبلة الدجاني مساهمات فعالة ورصيد هام من الاجتهاد والعمل على تحقيق أهداف الاتحاد المتمثلة في تنظيم جهود وطاقات المرأة الفلسطينية وإدماجها في حركة تحرير وطنها من الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق حق تقرير المصير والعودة إلى شعبها وبناء الدولة الفلسطينية على تراب الوطن وعاصمتها القدس الشريف، وكذلك رفع مستوى وعي المرأة السياسي ومشاركتها في مواقع صنع القرار على مستوى الأحزاب السياسية والاتحادات والمنظمات الجماهيرية.

وفي هذا السياق فمن بين مهام الاتحاد مراجعة السياسات والقوانين والتشريعات والقرارات للتأكد من خلوها من التمييز ضد المرأة وترسيخها مبدأ المساواة وفتح آفاق الفرص المتساوية بينها وبين الرجل، ويسهر أيضا على إدماج المرأة في القوى العاملة وكافة النشاطات الاقتصادية الأخرى وعلى رفع مستواها الثقافي والصحي من خلال تنظيم برامج التعليم الأساسي ومكافحة الأمية.


الدور التربوي والعلمي


وتعتبر رئيسة الاتحاد أن شغله الشاغل سيظل دوما دعم المرأة الفلسطينية والعربية والطفل، ومحاولة التوصل إلى الطرق المثلى للدفاع عنهم، رغم أنه في بادئ تكوينه في مصر عمل على خدمة المرأة اجتماعيّا وخيريّا، حيث كانت هناك محاولات لمساعدة الأسر الفلسطينية التي تواجه صعوبات معيشية في مصر، ومساعدة الفتيات على إكمال تعليمهن وكذلك تعليم الأطفال، وقد أقام الاتحاد أيضا بيوتا للطالبات الفلسطينيات اللاتي يدرسن في مصر (مازالت قائمة حتى الآن)، وتم تأسيس صندوق لمساعدة الطالبات على التعليم والعيش بسبب انقطاع الكثيرات منهن عن الأهل بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل لفلسطين وعدم قدرة الكثير منهن على العودة إلى أهلهن مرة أخرى والحصول على أموال.

ومنذ انخراطها في الاتحاد وتواجدها في موقع الرئيسة حرصت الدجاني على وضع بصمتها عبر المساهمة في توجيه الاتحاد نحو العمل السياسي والنضالي وبدأت فكرة الاهتمام بالمرأة والسياسة تتضح أكثر، وخاصة مع تتابع الأحداث واحتدام قضية النضال والصراع الفلسطيني، لذلك عملت وهي على رأس هذه المنظمة على إبراز دور المرأة الفلسطينية على المستوى السياسي من خلال الندوات أو المؤتمرات والمساهمة في الفعاليات الدولية المتعلقة بالمرأة التي تكاد الدجاني لا تتغيّب عنها في مختلف أنحاء العالم.

20