عبور من نوع آخر إلى ضفة الثورة اللبنانية

مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية يحافظ على ديمومته رغم الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة.
الخميس 2019/12/19
"ليوناردو: الأعمال" فيلم يبحث في تفاصيل فنان عبقري

على الرغم من الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، حافظ مهرجان بيروت للأفلام الفنّية الوثائقية على موعده السنوي معلنا عن تنظيمه لدورته الخامسة في الجامعة الأميركية في بيروت تحت عنوان “التغيير”.

افتتح مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية (باف) دورته الخامسة على التوالي بعد مرور أكثر من شهر ونصف الشهر على الإعلان عنه، إصرارا من المنظمين على أن تبقى بيروت في قلب الساحة الثقافية على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

مهرجان ثوري

وتحت عنوان “التغيير” تم في الخامس من ديسمبر الجاري عرض أول فيلم في قاعة “بطحيش” في الجامعة الأميركية وسط حضور لافت حافظ على زخمه كما في كل سنة، وذلك بحضور مديرة المعهد الثقافي الإيطالي مونيكا زيكا، والأستاذ المساعد في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت جوش ل. كارني، فضلا عن مؤسسة المهرجان أليس مغبغب كرم، وأعضاء لجنة المهرجان ماريا شختورة وثريا كرم وعليا كرم، إضافة إلى رعاة المهرجان وشركائه الثقافيين.

فيلم الافتتاح كان “ليوناردو، الأعمال” (إنتاج 2019)، وهو فيلم تناول مُنجز الفنان العالمي ليوناردو دافينشي (1452-1519) بتقنية فائقة الجودة “أولترا آتش دي” غير المسبوقة، حيث استعرض مخرجه البريطاني فيل جرابسكي على امتداد 85 دقيقة مجموعة مهمة من لوحات دافينشي نذكر منها “العشاء الأخير” و”الموناليزا” و”مخلص العالم” وغيرها، وقد واكب استعراض هذه اللوحات خبراء وأمناء متاحف ومؤرّخون عالميّون.

ومنحت تقنية “أولترا آتش دي” متعة بصرية للمُشاهد عبر الدخول إلى أدق تفاصيل اللوحات، كاشفة عن أدنى ضربة ريشة وظفها الفنان في تشكيل معالم لوحاته التي تميزت بغموض آسر لا يزال إلى اليوم يطرح فرضيات كثيرة.

أليس مغبغب كرم: المهرجان منذ يوم تأسيسه قبل خمس سنوات، يعد ثورة
أليس مغبغب كرم: المهرجان منذ يوم تأسيسه قبل خمس سنوات، يعد ثورة

وبدا الفيلم كأنه معرض جوال لأهم لوحات دافينشي حيث تدور بين العديد من المدن والعواصم العالمية لملاحقة لوحات المعلّم الإيطالي. بين لندن، وفلورنسا وباريس وسان بطرسبرغ، يدخل الفيلم إلى المتاحف والمعارض العالمية للبحث عن أبرز أعمال دافينشي. حيث يعدّ الفيلم رحلة حصرية تسبر أغوار كلّ لوحة منسوبة إلى الفنان العالمي الذي يعتبر أحد أعظم عباقرة البشرية والذي وصف بأنه رمز عصر النهضة.

مؤسّسة المهرجان، أليس مغبغب، وهي صاحبة صالة فنية مرموقة في بيروت، أوضحت أن المحافظة على هذا المهرجان، هي تأكيد على أن ما تقوم به نابع من إيمانها بأن نهضة لبنان آتية بفضل شعبه ووحدة أبنائه وشجاعة نسائه ورجاله في الساحات من طرابلس والبترون وجبيل وجل الديب وصيدا وصور والنبطية وعرسال وكل المدن اللبنانية.

وتضيف “نحن نفتخر بالقول إن علاقتنا بهذه المدن والبلدات وطيدة جدا ممّا أعطى لهذا المهرجان، وإلى اليوم، المثقل بالمصاعب، جسرا ثقافيا جمع بين كل أبناء البلد”.

وحول إصرارها على أن يتم المضي بهذا المهرجان في ظل المظاهرات والأوضاع المضطربة تقول مغبغب “المهرجان منذ يوم تأسيسه قبل خمس سنوات، كان ثورة. كان أول مهرجان فني سينمائي في لبنان مد جسورا ما بين لبنان والعالم. واللبناني لا يزال، وفي منتصف الأزمات التي يعيشها وخلال انتفاضته السلمية/ الثقافية ضد الظلم، بحاجة إلى فسحة من التأمل بعيدا عن الترفيه الرخيص ليضبط إيقاع  قلقه المستمر على وطن يصر اليوم على ولادته”.

ليس كلام أليس مغبغب جديدا، فهي لطالما أكدت أن المصاعب تجترح المعجزات وأن الفن هو وسيلة فائقة الأهمية في رقي الأفكار المُشكلة لوحدة متينة بين أفراد البلد الواحد قبل وخلال وبعد انطلاقته إلى سائر الدول العربية والأجنبية على حد السواء.

وعن ذلك تعقب قائلة “نحن ندرك أن لبنان يعيش اليوم ظرفا استثنائيا من خلال الثورة، ولا يأتي هذا المهرجان خارج سياق منطق بلد أراد ولا يزال يريد أن يكون في قلب الحياة الثقافية”.

مصاعب وتحديات

فيلم "هيتشكوك خلف الكواليس" ضمن البرمجة
فيلم "هيتشكوك خلف الكواليس" ضمن البرمجة

كان من المعتاد أن يُطلق مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية في شهر نوفمبر كعادته، ولكن الوضع اللبناني تطلب التريث وإعادة البرمجة بشكل يبقي على نجاحه كما في السنوات الفائتة، وتقول أليس مغبغب “جرى تأجيل إطلاق هذا المهرجان خارج موعده المحدد منذ سنوات تماشيا مع انطلاقة الثورة التي ندعمها بقوة، إلى موعد جديد يكون مناسبا، وذلك من خلال عرض الأفلام مجانا في حرم الجامعة الأميركية في بيروت”.

وتضيف “نحن نعتبر انطلاقة المهرجان جزءًا من الانتفاضة وليس خارجها. كما أود أن ألفت النظر إلى أننا في السنوات التي سبقت الثورة شاركنا بدعم ما تؤمن به هذه الثورة من خلال أفلام عرضناها وحاربنا فيها التلوث المائي ودمار التراث اللبناني. وقد قدمنا السنة الماضية فيلما عن منطقة ‘بسري’ وساهمنا خلاله في الدفع إلى إلغاء مشروع سد بسري الذي نعتبره كارثة بيئية وإنسانية”.

وفعلا، شهدت الثورة اللبنانية حتى الآن بضعة إنجازات من أهمها تحويل مرج بسري إلى محمية وطنية. وعبرت مغبغب عن سعادتها الكبيرة بتحقيق هذا الحلم بالرغم من الصعوبات الكثيرة التي كانت تعترض هذه البادرة، معتبرة هذا الإنجاز من أهم ما حققته ثورة 17 أكتوبر حتى الآن. وفي هذا السياق تضيف أليس مغبغب أنه “تيمنا بهذا الانتصار، وتكملة لنهج المهرجان في الدفاع عن البيئة في البلاد، وما تتعرّض له من انتهاكات؛ نطلق هذه السنة ‘معركة الأرز’ “.

و”معركة الأرز” فيلم يصوّر صراع مجموعة صغيرة من أبناء الجبال المتفانين دفاعا عن غابة الأرز، التي ترمز إلى تراث لبنان الوطني وكنزهم المحلي الغالي.

ومن بين الأفلام التي سيتم عرضها نذكر “جون فورد، الرجل الذي اخترع أميركا” و”هيتشكوك خلف الكواليس” و”مراد مرزوقي: خيميائي فن الرقص” و”إدغار دوغا وشغف التعبير المطلق”.

16