عبير البطل.. صوت مغامر يصل موسيقى الشرق بالغرب

فنانة سورية تمزج حيوية الجاز بوقار الصوفية وقداسة الترانيم الكنسية.
الثلاثاء 2021/06/29
صوت يتقن كل الأصناف الغنائية

يعيش الغناء العربي مرحلة عبثية في حياتنا المعاصرة، وتدخل عليه الكثير من التشويشات الموسيقية والبصرية التي أخرجته عن صواب تقديم ما هو راقٍ وجميل، ومع ذلك تظل هناك تجارب غنائية وموسيقية عربية لا تقطع الأمل لدينا في إيجاد مخرج من هذه الأزمة الإبداعية. ومن هذه الإطلالات تجربة الفنانة السورية عبير البطل التي تحمل ملامح خاصة في خوض غمار أشكال فنية تتماهى فيها الموسيقى والغناء بين الحديث والقديم والصوفي والجاز.

دمشق - عرف الغناء الصوفي في تاريخ الغناء العربي منذ القرن الثالث عشر، وقدّمت فيه تجارب غنية، واستمر وجوده التقليدي في الغناء العربي حتى الآن، وبرز فيه فنانون كبار ذكرتهم كتب التراث العربي.

وفي الغناء العربي المعاصر ظهرت بعض التجارب الغنائية الصوفية، كفرقة ابن عربي المغربية التي بدأت نشاطها عام 1988 ومازالت مستمرة حتى الآن، والمغني السوري عابد عازرية الذي يقدّم الغناء الصوفي العربي في أوروبا، والتونسي ظافر يوسف والفلسطينية الراحلة ريم بنا وكذلك السورية وعد بوحسون التي غنت الشعر الصوفي في معظم حفلاتها العالمية. ومن هذه التجارب تبدو تجربة عبير البطل مواكبة لنشاط كوكبة من الموسيقيين العرب الذين يقدّمون هذا الشكل الفني والذي يلاقي صدى طيبا لدى الجمهور العربي.

تنويعات موسيقية

بين رحاب الموسيقى العربية التقليدية والصوفية قدّمت عبير البطل حفلها الأحدث الذي أقامته في دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) ونوّعت فيه برنامجها الغنائي في أشكال شتى، حيث شاركها في الحفل مجموعة من الموسيقيين الذين قدّموا معها توليفة موسيقية غنائية تحمل فيها ملامح المغامرة.

كانت البداية عبر الموسيقى التقليدية وفي قالب موسيقي عربي رصين من خلال معزوفة سماعي نهوند للمؤلف عدنان فتح الله، ثم بدأت البطل في تقديم مجموعة من الموشحات الكلاسيكية على غرار “يا ناعس الأجفان” و”ذا الأهيف المعجب” للشيخ عمر البطش و”هات أسقنيها من يديك” ليحيى السعودي، ثم قدّمت في قالب الدور “يا جريح الغرام” من لحن الشيخ زكريا أحمد.

وأتبعت ذلك بعدد من القدود القديمة مثل “ويلاه من سحر العيون”، وقدّمت في قالب الطقطوقة “كتر دلالك” عن لحن لبكري كردي و”يا حلو يا مسليني” عن لحن لعبدالله المسلوب، وفي تغيّر جوهري في مزاج الحفل انعطفت لتغني شعرا صوفيا للشريف الرضي، حيث غنت له “طيف الحبيب” ومن شعر سمنون المحب “قلبي خاليا”، ومن شعر ابن الفارض “شربنا على ذكر الحبيب مدامة”.

وتميّز الحفل بتقديم مزاجين موسيقيين مستقلين كانا واضحي المعالم والتفاصيل، ففي القسم الأول من الحفل حضرت الأجواء الموسيقية التقليدية التي بنيت على توزيع موسيقي معتمد على الآلات الشرقية البحتة، فقدّمت ألحان عمر البطش وزكريا أحمد ويحيى السعودي وبكري كردي وعبدالرحيم المسلوب.

الفنانة السورية قادرة على غناء العديد من الأنماط الموسيقية، في جمع بين القد الحلبي والترانيم الكنسية وموسيقى الجاز

وفي القسم الثاني قدّمت البطل مغامرة موسيقية اعتادت تقديمها مع زملاء موسيقيين لها، مزجت فيها الموسيقى الشرقية بحضور واضح لمزاج الموسيقى الغربية من خلال شكل التقديم الموسيقي للأعمال الذي يترك مساحات منفردة للموسيقى الآلية وإمكانية الارتجال عليها، وكذلك في مسألة حضور بعض الآلات الغربية كما في القيثارة الكهربائية التي يبدو وجودها غريبا في حفل موسيقي وغنائي عربي كلاسيكي، لكنّ الأمر مختلف عند البطل وفرقتها اللذان قدّما نسيجا إيقاعيا مُتناغما يصل الموسيقى العربية بنظيرتها الغربية دون السقوط في نشاز المقامات.

كذلك اعتمد الإخراج الموسيقي في الحفل الذي أعده نارك عباجيان على تقديم مزج بين الموسيقى والغناء، فبدأ الحفل بالموسيقى العربية الكلاسيكية ثم غنّت البطل، لكن الموسيقى الصرفة لم تغب عن مسامع الجمهور على امتداد زمن الحفل، وذلك من خلال ارتجالات موسيقية كانت تتخلل وصلات الغناء، فقدّم عازف الكمان عمار يونس مجموعة ارتجالات اعتمدت تكنيكا عاليا وأضافت لجو الحفل جمالا.

والأمر ذاته كان مع عازف الكونترباص باسل شحادة الذي قدّم ارتجالات في العزف على هذه الآلة عريضة الصوت والتي أوجدت بدورها مزاجا جديدا في الحفل، وكان اللافت ما قدّمه عازف الأكروديون وسام الشاعر الذي عزف ارتجالات لحنية غاية في التفرّد وظهرت الآلة بين يديه بشكل غير معهود.

وشارك في تقديم الحفل الأحدث لعبير البطل كل من: عمار يونس، وسيم الإمام، باسم الجابر، وسام الشاعر، علاء العبدلله، جواد حريتاني، مازن حمزة، رواد جلول وماهر عامر.

حضور درامي

Thumbnail

يبدو المشهد الدرامي السوري زاخرا بالتجارب الموسيقية الغنائية التي صارت لها نكهة مميزة، فمع انحسار وجود الإنتاج الفني في جانب الغناء والموسيقى اتجه بعض المؤلفين لوضع ألحان في الدراما حقّقوا من خلالها نجاحات كبيرة، معتمدين على مجموعة من الأصوات التي قدّمت الغناء بصورة غنية.

والمشهد الغنائي السوري يحفل بأسماء لامعة حضرت فيها الأصوات الأنثوية بقوة، منها: لبانة قنطار ونعمى عمران ورشا رزق وسوزان حداد وديمة أورشو ونورا رحال وليندا بيطار وميس حرب وأليسار سعيد ووعد بوحسون والراحلة ميادة بسيليس، وأيضا عبير البطل التي ساهمت كذلك في فن السينما فكانت بطلة لأول فيلم موسيقي تنتجه المؤسسة العامة للسينما في تاريخها حمل عنوان “ليلى” (2012) كتبه رياض عصمت وأخرجه محمد عبدالعزيز.

وغنت فيه أعمالا استعراضية ألفها سمير كويفاتي، وشاركها البطولة فيه كل من حازم زيدان وريم عبدالعزيز وجوان خضر ومحمد خير الجراح وميرنا معلولي وفنانة رقص الباليه يارا عيد، ولكن الفيلم لم يعرض حتى تاريخه لأسباب إنتاجية.

أما في الدراما التلفزيونية فقدّمت العديد من الأعمال منها مسلسل “وراء الوجوه”، الذي غنّت فيه شعرا كتبه الفنان بسام كوسا في تجربة نادرة ووضع اللحن له رعد خلف، وقدّمت مع المؤلف الموسيقي الشهير طاهر مامللي شارتي مسلسلي “أهل الغرام” في جزئه الثالث وشارة النهاية في مسلسل “الغريب”.

كما جسّدت شخصية الملكة زنوبيا في أوبريت “الدم.. حبر الحقّ”، إضافة إلى شارة مسلسلي “ما وراء الوجوه” و”أحمر” وأغنية “لا تغيب”.

وقبل الدراما التلفزيونية والسينما تبدو تجربة  البطل غنية بتفاصيلها، فهي إحدى المغنيات السوريات الأكاديميات التي تواظب على الظهور في العديد من المنابر الغنائية. فتظهر مرنّمة في الغناء الكنسي وكذلك في الغناء العربي الكلاسيكي وفي الغناء الحديث العربي وكذلك في غناء الجاز، كما قدّمت مساهمات في الغناء غير العربي. وتقدّم  نشاطها على منصات المسارح ودور الأوبرا. وتحمل عناوين نشاطاتها الكثير من الجهد والتلوّن.

وهي التي قدّمت خلال أعياد الفصح الأخيرة ترنيمات كنسية حملت عنوان “نور بعد الظلام” بمشاركة المرنم ليفون عباجيان، كما قدّمت في شكل الغناء الكنسي ترانيم بعنوان من “مشرق المشارق”. وكانت حاضرة مع بعض الأصوات الشابة في حفل تكريم الشاعر بدوي الجبل، حيث غنّت معها بعضا من قصائده الملحنة الشهيرة.

16