عتاب حريب: لم يعد عندي بيت في سوريا بيتي هو اللوحة

لوحات عتاب حريب أشبه بتلويحات لأمكنة كثيرة من خلال رسمها لخطوط أشبه بقصائد مكتوبة على عجل.
الجمعة 2019/07/05
رسمت ربوع دمشق وغوطتها وألوان الفرات حاضرة بقوة تسري من بين أصابعها

 "منذُ كنت طفلة كان الرسم هو طريقي الوحيد للتعبير، وليس الكلام"، هكذا تفتتح الفنانة التشكيلية السورية عتاب حريب حوارها مع “العرب”، مع أمنيات كانت تساورها وهي صغيرة بأن تصير مطربة أو مذيعة، أما لوحاتها فمشاهد لا تنتهي تكثفها في ذاكرتها وقصص مصورة مصبوغة بألوان السهول والأنهار والوديان والبحر الأزرق، جمّعتها مثل طفلة تجمع الأصداف على الرمل، ثم ترميها على سطوح لوحتها بألوان الماء.

نيوجرسي (الولايات المتحدة) – درست الفنانة التشكيلية السورية عتاب حريب في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، قسم الحفر، وعرفت فيما بعد أن التدريس كان جزءا أساسيا من حياتها لسببين، أولهما: أن تكون مستقلة اقتصاديا، وثانيهما أن تقدم وجهة نظرها الفنية للأجيال القادمة، وفي الوقت نفسه ستتعرف وتكتشف مواهب الأجيال الجديد.

أقامت أيضا العديد من ورشات رسم للأطفال، واعتبرت التعليم والفن القوة الناعمة الضاغطة، في تلك الأثناء كانت تربي أربعة أطفال وحدها في بلد يفتقر إلى أبسط الحقوق، مع عتاب حريب كان لـ“العرب” هذا الحوار.

لوحات عتاب حريب أشبه بتلويحات لأمكنة كثيرة من خلال رسمها لخطوط أشبه بقصائد مكتوبة على عجل، بيوت ونوافذ، حتى بعد هجرتها مؤخرا إلى أميركا، بقي المكان الأول، وبقيت تلك الظلال والسطوح في منجزها التشكيلي.

وعن ذلك تقول لـ“العرب”، “المكان أشبه بحمل ثقيل لكنه ممتع أحمله أينما ذهبت، في ذاكرتي البصرية أحفظ الكثير من أثر تلك الأمكنة التي احتوتني وأنا طفلة أركض في بساتين معرة النعمان، وأرى الأصفر يوم الحصاد ولعبة الدرّاسة التي كنا نمتطيها مع الحصّادين في الأرض المجاورة لبيت أهلي”. وتسترسل “كنتُ محظوظة بإقامتي في منزل كبير كان يسمى القصر، بناه الفرنسيون في تلك البلدة الصغيرة، والواسعة بحقولها وطيبة ناسها، كانت له شبابيك عالية وملونة تطل على المدى الشاسع لسهول شمال سوريا، وشرفة كنا نلوّح منها لوالدي حين عودته إلى البيت، كنا نستخدمها لتقليد الخطباء”.

ومعرة النعمان من المحطات القوية في حياة حريب لكنها ليست الوحيدة، فهناك مرتفعات وبيوت الحجر والزهر البري الملون في حارم وعفرين وبحر طرطوس وزوارق الزرقة، كل ذلك انطبع على شكل صورها التي تخرجها بخفة مثل حاو يُخرج مناديله من جيب سترته.

الرسم.. منهج حياة
الرسم.. منهج حياة

رسمت في ربوع دمشق وغوطتها ووادي بردى، وكانت ألوان الفرات حاضرة بقوة تسري من بين أصابعها كأنها دماء الفرات الذي ورثته بالجينات، عرفت سحر البادية وقوة الخيال وصفائه، وتعويذة جدتها التي نجت من مذبحة الأرمن ومن جمال عينيها أخذت كل هذا الحزن.

وتقول عتاب عن شيكاغو التي ارتحلت إليها مُكرهة “قررتُ أن أترك سوريا لأن التهديد كان كبيرا عليّ وعلى أولادي، حصلتُ على فيزا في آخر يوم للسفارة الأميركية بدمشق، ابني مازن بقي بين دمشق ودير الزور بسبب شغله في شركة الفرات للنفط، وابني الآخر يامن سافر إلى تركيا، أما رمزي فإلى أبوظبي وسراب ستنتقل قريبا إلى دبي بسبب شغل زوجها”.

وتضيف “كنتُ أرقب ما يكتبه مازن على صفحته في الفيسبوك، مما سبّب لي قلقا كبيرا على حياته، حذّرته، ثم بعد ذلك قلتُ له ابق في دمشق لا تذهب إلى الميادين، لكنه سافر إلى قدره، أخذوه إلى أحد الحواجز هناك، ومن ثم لم أعرف عنه شيئا لمدة ثلاثة أشهر، إلى أن عرفت أخيرا أنه قُتل”.

وتعترف حريب بأنها تمشي الآن مثقلة بروح وجسد ابنها المعذبين، فتقول “هنا في شيكاغو أذهب إلى مقبرة قريبة من الحي الذي أسكن فيه، أرمي بجسدي على شاهدة قبر لا أعرف صاحبها وأضمها إلى قلبي، وكأن روح ابني تسكن هنا تحتها.. أجلسُ في بيتي الصغير، على الكنبة  أقرأ، ومن النافذة أرى الأطفال يذهبون إلى المدرسة ويعودون، وأنا ما زلت أكثر الأحيان أقف في نفس المكان خلف النافذة”.

بقعة لونية بحتة دون فلسفة ولا تقنيات
بقعة لونية بحتة دون فلسفة ولا تقنيات

وعن الرسم عامة، تقول “الرسم بالنسبة إليّ طوق نجاة”، أما عن الفن التشكيلي السوري خاصة، فتُردف “الأيقونة السورية هي مرجعية الفن التشكيلي السوري برمته، الرسوم الجدارية في دير مار موسى ومعلولا وصيدنايا، ثم الرسوم الشعبية ذات الطابع العثماني في المحكيات المحلية مثل كليلة ودمنة وعنتر وعبلة وألف ليلة وليلة في مطلع القرن الماضي، حيث تصدرت المشهد التشكيلي رسومات فنانين للطبيعة والأمكنة، درسوا في تركيا تلك الأيام، فيما بعد بدأت تظهر تجارب تشكيلية لمجموعة من الفنانين الذين درسوا في إيطاليا وفرنسا، ثم عادوا إلى سوريا بتجارب مقلّدي المرحلة التجريدية في أوروبا.

وترى الفنانة السورية المهاجرة أن بعض تشكيليي سوريا استطاعوا أن يضيفوا خصوصية محلية، في حين ظل جلهم يراوحون في انطباعية مشهدية: المكان، الحي، الرسم المباشر للوجوه ورسم البورتريهات للطبقة الأرستقراطية، ومنهم من سافر إلى مصر لأنها كانت الأسبق والأعرق في افتتاح كلية الفنون الجميلة، ليعودوا منها متأثرين بالفن المصري والتجارب المصرية في رسم المنظر الطبيعي، ثم افتتحت كلية الفنون في سوريا وبدأت بتخريج دفعات من الفنانين الذين فتحوا طريقا وعرة وجميلة ومحفوفة بكل ما يخطر من أساليب وأدوات في النحت والتصوير والحفر. وعتاب التي تعيش الآن في شيكاغو، مع هذه المسافة القصية، ومع ما هُدم وانمحى تسألها “العرب”، “هل تغير شيء في الرسم؟”، فتجيب “أرى المشهد من بعيد بوضوح تام، عشتُ هناك، أي في سوريا، جلّ حياتي، وإقامتي هنا، أي في أميركا، ليست فسحة أو رحلة سياحية، بل هي لغة جديدة، ضوء ونظام حياة آخر مختلف، بيت صغير ونافذة تطل على مارّة غرباء، وطقس عجيب والأكثر إيلاما أنني أعيش وحدي طيلة هذه السنوات”.

كل هذه الأشياء غيّرت الكثير من مشاعرها تجاه الفن والحياة، وهي التي أربكها الغياب بعد أن اعتقدت في البداية أنه سيكون طارئا ومؤقتا بعض الشيء، وستبدأ حياتها من الصفر ومضطرة فوق ذلك إلى أن تتفاهم مع هذا العالم الغريب بلغته الباردة، اللاجدوى واليأس وأسئلة ملحة عن جدوى الرسم بحد ذاته، جعلتها ترسم وجوه النساء والأطفال المليئة بالحزن.

وتتساءل عتاب حريب بدورها “هل يكفي أن ترسم في هذا العالم المتوحش، عيون الأطفال والنساء ومصير ابني مازن مثل سراب في الأفق، تلاحقني ظلالهم وأصواتهم؟ لم يعد عندي بيت، بيتي هو اللوحة، وبين نهر الفرات ونهر شيكاغو ستصير لوحاتي امتدادا للمياه والزوارق بين ضفتين”.

والرسم هو العالم الموازي بالنسبة إلى عتاب حريب “نافذة بنفسجية، شجرة خضراء، بيت على جبل، بحر وسهل ونهر أزرق.. هو بقعة لونية بحتة دون فلسفة ولا تقنيات”، وتضيف “نحتاج إلى وقت طويل لنشفى من الحنين إلى بلداننا، الأسى لا يشيخ والذاكرة لا تنسى، إلاّ إذا كانت مُصابة بالزهايمر”.

Thumbnail
17