عتبات المدن

كثير من المدن العربية العريقة أو الحديثة قد فقدت هويتها، موكلة الأمر للمضاربين على العقار، والذين يبدو أنهم مستعدون لتدمير بلدان بكاملها، مقابل هامش الربح الذي يحققونه.
السبت 2018/03/24
المدينة العربية فضاء للإبداع الأدبي

بدت لي مدينة بودابست الهنغارية، أثناء الأيام الخمسة التي قضيتها هناك، كجنة صغيرة استطاع أهلها أن يعيدوا الحياة إليها، وكمدينة من القرون السالفة بلمسة حديثة، وهي التي كانت قد دمرتها الحرب العالمية الثانية وبقية الحروب السابقة والتي اجتاحت أوروبا في زمن الجنون. وهو الجنون الذي ستتخلى عنه القارة متنازلة عنه لحمقى آخرين يصرون الآن على تدمير بلدانهم بمحض إرادتهم.

وفي الوقت الذي يهتم فيه العالم بالمدينة كفضاء للحياة وللإبداع أحيانا، من خلال التفكير المستمر في جعلها فضاء مرنا يستبق حاجيات الإنسان بتعددها، تبدو الكثير من المدن العربية صادمة.

وأذكر أنني فوجئت قبل سنوات بأن نهر بردى، الذي احتفتْ به أغاني فيروز، لم يكن غير واد شبه جاف يجري فيه الآسن من الماء، قبل أن يصير الوادي منطقة حرب بامتياز، وأن الإسكندرية لا علاقة لها بالصورة التي قدمتها لنا أفلام الأربعينات من القرن الماضي، وأن القاهرة نسيت أن شعبها يتكاثر فبدت شوارعها كحلبات صراع بين سياراتها، وأن آسفي، مدينتي الأصلية، نسيتْ أن هناك بحرا جارفا يحيط بأطرافها الهشة فأتى على قلعتها البرتغالية الشهيرة.

والواقع أن كثيرا من المدن العربية العريقة أو الحديثة قد فقدت هويتها، موكلة الأمر للمضاربين على العقار، والذين يبدو أنهم مستعدون لتدمير بلدان بكاملها، مقابل هامش الربح الذي يحققونه. أما المدن التي تنشأ هنا أو هناك فهي تنبث كما لو أنها كائنات ميتة.

ويبدو من المفارق أن نتحدث عن العمران وعن المدينة أكثر من الاهتمام بهما. ولا أستطيع شخصيا، على سبيل المثال، فهم أسباب الفيضان الذي يطبع الأبحاث الجامعية التي تعد هنا أو هناك حول أثر مدينة ما في النصوص الأدبية، إلا إذا كان ذلك من باب الاستسهال، وهو الأمر الذي يعكسه تشابه الأبحاث من حيث طبيعة المقاربات والنتائج. بالطبع، بدون أن ينفي ذلك خصوصية المدينة العربية باعتبارها فضاء للإبداع الأدبي، حيث تتماهى الكثير من أسماء المدن مع أسماء عدد من كتابها. من يستطيع، على سبيل المثال، أن يتحدث عن نجيب محفوظ بدون أن يفكر في القاهرة، وعن محمد شكري بدون الحديث عن طنجة وفضاءاتها، وعن خوان غويتيسولو بدون ذكر مراكش.

المدن كائنات حية. منها المدن التي تولد وتكبر لكي تموت مخلفة وراءها أطلالا تصلح فقط لبكاء الشعراء، ومنها المدن السخية والملعونة، ومنها المدن التي تمنح للكُتاب فضاء فسيحا للإبداع والمدن القاحلة التي تكافح الإبداع، ومنها المدن الصغيرة التي يسهل تملكها والمدن الكبيرة التي تفرض شروطها القاسية على أهلها، ومنها المدن التي نولد بها ونهجرها، مدفوعين بطموحاتنا وبأحلامنا الصغيرة أو بحثا عن لقمة خبز، وهي المدن التي نحنّ إليها كما نحنّ إلى قهوة وخبز أمهاتنا، ومنها المدن التي نُدفن بها بدون إرادتنا.

15