عتبة التخييل

الخميس 2015/10/01

تعتبر العتبات النصيّة من العلامات السردية التي يمتلك المؤلف سلطة السيطرة عليها نوعا ما، هي حضور لصوته على حساب مرجعية الحكاية والتخييل، وتتعدد أنواعها كالعناوين (الرئيسيّة والفرعيّة) والهوامش والحواشي وأسماء الفصول وعلامة التجنيس والإهداء، إلا أن أبرزها تلـك التي تكون في البـداية، بعد الإهداء وقبل البدء بالنص والتي تعرف باسم (Original preface) أو “التمهيـد” والتـي يبـيّن فيها الكاتب معلومات ترتبط بنصه، سواء عـن حقيقة الشخصيـات أو الأحـداث أو التشابه في الأماكن، وما يميز التمهيد، أنه صوت الكاتب الحقيقي، وآخر لحظة حضور له قبل أن يتحول إلى راوٍ أو يغيب كليا.

تبدو هذه العتبة مغرية للكاتب، إذ تكون أحيانا واضحة مقتضبة وتقريرية أو تتحول إلى مانيفستو طويل كما حدث مع الفرنسي فيكتور هوغو حين كتب تمهيدا لمسرحية “كرومويل” وقد أصبح يعرف لاحقا باسم المانيفستو الرومانسي، كما تلعب هذه العتبة دورا في حماية الكاتب أو سحب المسؤولية منه في ما يتعلق بمحتوى الكتاب، بوصف ما يقوله “متخيلا”، بالرغم من تشابهه مع الواقع أحيانا، كذلك لها دور في توريط القارئ -والكاتب نفسه أحيانا- في الحدث الروائي، هذه المراوحة أو الشك الذي يتركه الكاتب بين الحقيقة الروائيّة والحقيقة السرديّة يجعل هذه العلامة الموازية للنص اعترافا من الكاتب بمصدر روايته أو عمله أو تشكيكا به، وأحيانا نراها كتحذير للقارئ بأن لا يحاول البحث عن تقاطعات من الواقع ضمن “النص”، إلا ما يذكره الكاتب في التمهيد، وكأنه يحمي نفسه من النقد أو المحاكمة عبر هذا “الاعتراف” الذي يقدمه للقارئ، وخصوصا حين يتحدث عن مرجعية الحكاية التي يريد روايتها (الخيال أو الواقع) وعن شخوصها، ليتحول التمهيد إلى نوع من الطيف المحيط بالكتاب في محاولة للتذكير دائما بأصله أو مصدره، إلى جانب ذلك يحمل التمهيد وظيفة مرتبطة بالإحالة إلى المعنى أو العبرة التي يحويها النص.

يمتلك التمهيد أهميّة مرتبطة بالتخييل، بوصفه يحدّد العلاقة مع النص وتقنية قراءته، فإلى جانب علامة التجنيس، التمهيد يحدد آلية التلقي والتي “يفرضها” الكاتب أحيانا، بوصفها نصيحة للقارئ، ما يجعل القراءة أقل انفتاحا، بوصف هذه العلامة أشبه بتحذير للأخذ بيد القارئ الذي يتعامل مع “كتاب” لا مع “نص”، بالتالي هناك شروط من نوع ما يضعها الكاتب والتي قد تصادر أحيانا حق القارئ/ الناقد في التأويل أو تحديد المقاربة “المختلفة” للنص.

يحدد الناقد الفرنسي جينيت جيرارد في كتابه (seuils – عتبات) الصادر عام 1987 والذي يعتبر الأهم في هذا المجال، طبيعة معاني العلامات المحيطة بالنص وتاريخ تطورها، بوصفها موازية للنص الأدبي، ويرى أن أول تمهيد (بمعناه المعاصر) في تاريخ الأدب هو الذي كتبه الفرنسي فرانسوا رابيليه في روايته غارغانتوا (1532) وهو “إلى القرّاء/ أصدقائي القرّاء الذين تقرؤون هذا الكتاب/ تخلّوا عن كل هوى/ ولا تستنكروا ما ستقرأونه/ هو لا ينطوي على شرّ ولا على فساد./ صحيح أنكم لن تتعلموا/ إلا القليل من الكمال حول الضحك/ لكن قلبي لا يستطيع أن يختار موضوعا آخر/عندما أرى الحداد الذي يتآكلكم ويضنيكم،/ الكتابة عن الضحك أفضل منها عن الدموع، لأن الضحك هو سمة الإنسان/ عيشوا فرحين”.

يُشار أيضا أن هذا النوع من التمهيد قد لا يكون من الكاتب نفسه أي ليس بصوته، وهذا ما نجده في الكثير من التجارب الأدبيّة، حيث يستخدم الكاتب اقتباسات شعريّة، تُحيل إلى نصوص أخرى، في سبيل ربط النص مع معاني يُشير إليها الاقتباس الشعري أو النص الذي اقتُبس منه، لتكون كمفتاح أو موتيف يحكم قراءة الكتاب/ الفصل، وهذا ما يختلف عن المفهوم السائد لدى الكثير من الكتاب الذين يستخدمون هذه التقنية، بوصفها اختيارات جماليّة أو هدفها الاستعراض الثقافي و“سعة الاطلاع” والتي قد لا تكون ذات دلالة مناسبة.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14