عثرات الرواية

الأربعاء 2016/09/07

فرق كبير بين من يكتب رواية معتمدا على سيرته الذاتية أو سير أشخاص يعرفهم عن كثب، وبين من يبني عوالم لم يعشها وأحداثا لم يعايشها. فالأول يكتب نصه متكئا على مجموعة كبيرة من حوامل التجربة الذاتية التي تمده بالتفاصيل الروائية، أما الثاني، فإذا لم يمتلك دأب الباحث، بالإضافة إلى خيال الروائي فمشكلته عويصة.

أحد كتاب الرواية العرب الرواد بنى عمله الروائي التاريخي الذي يؤرخ لنهاية السلطنة العثمانية على فكرة أن العملة العثمانية الورقية فقدت قيمتها بعد الحرب العالمية الأولى، وأنه ورث عن جده المعاصر للسلطان عبدالمجيد كميات كبيرة من هذه الثروة الورقية. ولكن الفكرة لم تكن واقعية أو تاريخية، بسبب نوعية العملة الورقية المجيدية البسيطة، ومحدودية استخدامها، واستحالة وثوق ثري فلاحي بتلك الأوراق الممهورة بخاتم فقط. ولكن حبكة الرواية ومآلات بطلها كانت تقتضي هذه التخريجة الروائية، فكانت سقطة أفقدت العمل، رغم أهميته الاستثنائية، المصداقية المطلوبة، علما أن الفكرة ذاتها ألهمت في وقت لاحق

الفنان نهاد قلعي لكي يكتب مسلسل “حمام الهنا” القائم على فكرة البحث عن كرسي يحتوي ثروة من العملة الورقية القديمة!

وفي هذه المناسبة، أذكر روائيا عربيا كتب رواية متخيلة تقع أحداثها في العصر المملوكي، فتحدث عن حقول الذرة الصفراء، وعن البندورة والبطاطا والتبغ، وكلها نباتات أتت من العالم الجديد، أي بعد نهاية العصر المملوكي بقرون، كما تحدث في الرواية عن “تنكة كاز”، وهي من أشياء القرن العشرين. والغريب أن الرواية فازت بإحدى جوائز الرواية العربية، ولم ينتبه لأخطائها الفاقعة جميع النقاد الذين منحوها الجائزة! وثمة رواية أخرى يصف فيها الكاتب مدينة القدس وأنهارها وغاباتها في مطلع القرن العشرين، وهو لا يعلم أن لا نهرَ في القدس، وأن غطاءها النباتي فقير بسبب شح مياهها، ومع ذلك تحصل هذه الرواية على جائزة من إحدى المؤسسات الثقافية العربية العريقة!

وهنا نتحول إلى مشكلة أخرى ترتبط بالنقاد، فالنقد الأدبي المدرسي ينحصر في تقييم اللغة وفحص أدوات السرد وبناء الشخصيات، ولكنه يبدو غير معني بتدقيق المعلومات وتصويبها إن كان ثمة خطأ ما. وحين تجادل ناقداً في الأمر يجيبك من دون تردد “أنا ناقد أدبي مهمتي محصورة باللغة، وبالحبكة الروائية، وبالعالم الأدبي فقط!”.

كيف يمكن لكاتب أن يكتب عن مرحلة دون أن يدرس أدق تفاصيلها ويعرف جميع مفردات كتابته؟ وكيف لكاتب أن يتحدث في أشياء لا يعرفها، ويصف أماكن لم يدرسها؟ فالعالم الروائي المتخيل، يشبه في بنيته عمل مهندس معماري ومصور وكاتب السيناريو ومخرج في آن واحد، يضاف إلى ذلك عمل الباحث التاريخي والفقيه اللغوي. فالروائي هو كل هؤلاء إن أراد لعمله أن يكون مقنعا.

صحيج أن الإبداع انتقائي، ولكن الانتقاء يحتاج إلى بيئة محيطة وتفاصيل معيشة وإلا تحول العمل الأدبي إلى مجرد فكرة لا يمكن أن نطلق عليها اسم رواية.

كاتب من سوريا

14