عثرات متوقعة أمام سياسة التقشف في مصر

سطرت الهزات الاجتماعية والسياسية المنجرة عن واقع اقتصادي متراجع في مصر العديد من المنعرجات التاريخية للبلاد، ولعل الإجراءات التقشفية الحالية التي يتخذها نظام ما بعد ثورة يونيو 2013 تدخل في سياق تلك الإجراءات التي سبق أن خبرها الشعب المصري، والملفت للانتباه أن الجهات الرسمية تجيب عن سؤال تحسين القدرة الشرائية للمواطن بالقول إنها رفعت في الرواتب بشكل ملحوظ لكنها تتحفظ عن تفسير ارتفاع الأسعار والتضخم المخيف وانهيار العملة بشكل يجعل تلك الزيادات دون أي معنى.
الاثنين 2016/08/22
أعباء تقسم الظهر

القاهرة - تبدأ مصر خلال الفترة المقبلة تطبيق حزمة من القرارات التي وصفتها الحكومة بالصعبة، تتضمن إجراءات خفض الدعم وتجميد الأجور ورفع قيمة الدولار أمام الجنيه، وزيادة الضرائب غير المباشرة، بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات التقشفية الهادفة إلى خفض عجز الموازنة، وذلك بعد أن تمّ التفاهم على قرض مع صندوق النقد الدولي بمبلغ 12 مليار دولار على ثلاث سنوات.

تطرح هذه الإجراءات جملة من المعضلات المنتظرة خاصة في المجال الاجتماعي والسياسي في مصر وهما مستويان يشهدان حالة حساسة واستثنائية في مصر التي شهدت ثورتين متعاقبتين في غضون 3 سنوات، أدتا بالأوضاع الاقتصادية في مصر إلى التدهور والارتباك، وهو ما يجعل النموذج المصري في الانتقال السياسي نموذجا خاصا، فالأحداث التي مرت على البلاد كانت بمثابة مراكمة جديدة على الأوضاع التي كانت قبل يناير 2011، الأمر الذي يشبه قليلا النموذج التونسي.

وفي ظل تعرض عدد من البلدان العربية إلى أزمات سياسية على مدار الأعوام الماضية، فإن ذلك قد انعكس على الكثير من مناحي الحياة المجتمعية داخلها، وأضحت الحكومات بحاجة إلى قرارات تساعدها على النهوض مرة أخرى، وبدأت في اتخاذ قرارات تصب في خانة الإلغاء التدريجي للدعم وتوفير النفقات في خضم رغبة عارمة لتأسيس دولة قوية تواجه الاضطرابات المحيطة بها.

ويقاس نجاح الدول في هذا النوع من التوجهات من عدمه، بمدى القبول السياسي للقرارات والتوافق معها، وتحمل المواطنين لتبعاتها، كذلك القدرة على إقناع المجتمع بها، وتطويق أي اضطرابات أو احتجاجات منتظرة تعصف بالإجراءات التي اتخذت لتمرير زيادة الأسعار المتوقعة.

بين عبدالناصر والسادات

يتوقع مراقبون أن يتحدد مدى قبول المصريين للخطوات الجديدة وفقا لواقعتين تاريخيتين؛ الأولى حينما قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أن يتخذ قرارات للتقشف وتوجيه الجزء الأكبر من ميزانية الدولة إلى بناء الجيش في أواخر الستينات من القرن الماضي، وفي تلك الحالة فإن المصريين تحملوا ظروفا اقتصادية أصعب بكثير مما تشهده البلاد في الوقت الحالي. أما الواقعة الثانية فهي ترتبط بمحاولة الإصلاح الاقتصادي التي بدأها الرئيس الراحل أنور السادات سنة 1977، وأجهضتها ردود الأفعال السلبية من المواطنين في حينها، ما أدّى إلى التراجع عن تلك الإصلاحات، وشيوع مخاوف لدى الكثير من الحكومات التالية من الإقدام على خطوات شبيهة.

قوة الدفع تجاه الاحتجاجات متوفرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية لكنها غير مصحوبة بقوة سياسية

وقال متابعون لـ”العرب”، إن الظروف الحالية تشبه كثيرا حالة عبدالناصر، فهي تأتي في وقت تبحث فيه مصر عن إعادة بناء الدولة مرة أخرى، وهو ما يعدّ قريبا من المحاولات التي قادها عبدالناصر لإعادة البناء، كما أن السلطة الحالية تبدو جادة في هذا البناء، بعد أن دشنت العديد من المشروعات القومية بهدف خلق فرص عمل، وبالتالي فإن فرص النجاح أكبر من الفشل.

وما ينقص الحكومة المصرية لضمان نجاح خطتها يتمثل أساسا في عدم الوقوع في أخطاء سياسية أثناء تعاملها مع ملف ارتفاع الأسعار، وهو ما لم يحدث حتى الآن، بعدما أعلنت عن زيادة رواتب فئات بعينها دون غيرها، كذلك عدم مواجهة الفساد بشكل جاد، والتراخي في تنفيذ سياسات التقشف على الوزراء والمسؤولين أولا لإقناع قطاع كبير من المواطنين.

لكن شريحة من المواطنين العاديين اتخذت مواقف وردات فعل عدة من زيادات الأسعار التي طالتها خلال الفترة الأخيرة، فقامت بحملات لرفض دفع فواتير الكهرباء، بعد أن أعلنت الحكومة المصرية عن إعادة تسعير شرائحها، الأمر ذاته تكرر مع فواتير المياه التي أخذت أسعارها في الارتفاع على مدار العامين الماضيين وهي مواقف تشبه العصيان المدني، لكن بدوافع شخصية وليست سياسية. إحدى تلك الحملات أطلقت تحت شعار “مش دافعين” في منطقة شبرا وسط القاهرة، وواكبتها حملة أخرى بمحافظة البحيرة (غرب الدلتا) تطالب بعدم دفع فواتير استهلاك المياه، بسبب ما أسموه “فبركة” قراءة العدادات وارتفاع تكلفة الفواتير الشهرية ورفض الشرائح الجديدة.

سميحة نصر: الحملات الشعبية الرافضة لزيادة الأسعار متوقعة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة

قالت سميحة نصر رئيسة شعبة بحوث الجريمة السياسية بالمركز القومي للبحوث الجنائية، إن الحملات الشعبية والتظاهرات الرافضة لزيادة الأسعار متوقعة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، كما أنها لا تقلق النظام كثيرا، ففي النهاية تعبر عن رد فعل أشخاص قد تضرروا، وتعبيرهم عن الغضب بشكل سياسي مقبول ومفهوم حتى الآن بالنسبة إلى الحكومة.

وأضافت في تصريحات لـ”العرب”، إن ما يقلق الحكومة حقا يتمثل في ما شهدته محافظة الغربية من عنف ضد أحد الموظفين، فانتشاره سيؤدي إلى إضرابات عنيفة يمكن أن تعيد شبح الفوضى إلى البلاد، إلى جانب أن حالة العنف العام داخل المجتمع نتيجة الانفلات خلال الأعوام الماضية سيسهل من لجوء المواطنين إليه في احتجاجاتهم على الأوضاع بشكل عام. وأوضحت أن وعي المواطنين بخطورة الوضع القائم واستمراره يساهم في نجاح خطة الحكومة، إذ مازالت هناك الكثير من الطاقات التي تتحمل ما هو أصعب من ذلك، كما أن العودة إلى الفوضى أضحت مرفوضة من جميع الأطراف بما فيهم القوى السياسية المعارضة.

قناعات سياسية

لدى قطاع من المصريين قناعة راسخة قديمة تقول إن الجوع لا يؤدي إلى الموت، وإنه لا أحد ينام وهو جوعان، بالرغم من أن هناك نحو 40 بالمئة تحت خط الفقر، وفقا لتقديرات عدة وهو ما يسهل أيضا من مهمة الحكومة الحالية في إقناع الجماهير بقراراتها الصعبة. كما أن خبرة الانتفاضات التي انفجرت ضد نظامي السادات وحسني مبارك، تحفز على الرفض والمقاومة، وتبعث على الإحباط بعد أن جاءت ثمار انتفاضات سابقة عكس ما توقعته الجماهير، خاصة مع الضعف السياسي العام للأحزاب ومختلف التيارات السياسية، ما يجعل نتائج أي عمل جماهيري قابلة للتبدد باستمرار، ولعل النتائج التي تمخضت عنها ثورة 25 يناير 2011 خير دليل، حيث وضعت الإخوان في سدة الحكم لأول مرة في مصر.

في المقابل، فإن تساوي فرص الحياة مع الممات وتزايد الضغوط على الفقراء تحديدا يمكن أن يؤديا إلى الانفجار، وبالتالي فإن ردود الأفعال الجماهيرية يصعب حسابها وتوقعها بالمعادلات البسيطة، والعوامل نفسها التي تؤدي إلى الانفجار تحمل في طياتها عوامل كبح وإحباط للانفجار نفسه، والمعاناة الشديدة التي تدفع إلى الغضب، ذاتها ربما تدفع للبحث عن حلول فردية للخروج من الأزمة.

توقع ردود الأفعال الجماهيرية على السياسات الاقتصادية وأثرها الاجتماعي، لم يعد حكرا على قوى المعارضة السياسية، ولا على مراكز قياس الرأي العام، أو التقارير التي تنشرها الصحف العالمية، فحديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي ألمح فيه إلى انتفاضة الخبز في القرن الماضي، عكس بالفعل إدراكا لآثار السياسات الاقتصادية التي ينتهجها نظامه.

القرع على احتجاجات متصاعدة

وأكد السيسي في أكثر من مناسبة أن الحكومة ستتخذ عددا من الإجراءات القاسية خلال الفترة المقبلة، لكنه أقر أيضا بالمخاوف من إمكان أن تحدث تلك القرارات اضطرابات اجتماعية في الشارع، قائلا “إن التحدي الرئيسي الذي يجابه مصر ليست الإجراءات ولكن مدى قبول الرأي العام لها”.

وقال أحمد مجدي حجازي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن حالة الارتباك التي تظهر على البعض من قرارات السلطة السياسية تأتي نتيجة لأزمات عدة، من بينها الزيادات المتفاوتة في الأسعار، والتي تدفع باتجاه الاحتجاجات والاعتراضات بأشكال مختلفة.

هذا التدهور سوف لن يتوقف فقط عند تراجع المؤشرات الاقتصادية، بل إن القلق الاجتماعي يزيد في اتجاه تزايد التوترات الاجتماعية في الشوارع، خاصة وأن الخطاب الرسمي الحكومي الآن يذكر البعض بما كانت تروج له حكومات حسني مبارك في أن الزيادة في الأجور والمرتبات عنوان للإصلاحات الحكومية في حين أن تلك الزيادات تقابل بشكل مستمر بارتفاع مواز للأسعار ونسبة تضخم عالية وتراجع لقيمة الجنيه أمام العملات العالمية.

ويرى متابعون أن قوة الدفع تجاه الاحتجاجات ربما تكون متوفرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، لكنها غير مصحوبة بقوة دفع سياسية وهو ما يقلل من آثارها في الوقت الحالي، كما أن حالة المكاشفة والصراحة والوضوح التي يتبعها الرئيس المصري مع المواطنين تهيّئ المجتمع لإمكانية القبول بالقرارات الصعبة، لكن استمرارها دون نتائج على أرض الواقع سوف يؤدي إلى انفجار مجتمعي لاحقا.

ويجمع الكثير من الخبراء على أن غياب القوى السياسية المنظمة وضعف تأثير الأحزاب الحالية في الشارع يصب أيضا لصالح نحاج الحكومة في خطتها، كما أن ضعف المعارضة داخل البرلمان يسهل من تمرير قوانين تدفع باتجاه تمرير قرارات الحكومة، وهي إجمالا ظروف سياسية من الصعب أن تتوفر في أي مرحلة أخرى.

6