"عجائب بغداد" لوارد بدر السالم.. عالم تمطره السماء وآخر بين حاضنات البارود

الجمعة 2014/02/07
وارد بدر السالم ينظر في وجوه عراقية متلبسة بالغموض والحزن

بغداد- لعل رواية “عجائب بغداد” للروائي العراقي وارد بدر السالم تشكل نموذجا متميزا في طرح الأسئلة الإشكالية عن معنى الهوية، وكيف تتضح معالمها، إضافة إلى الحوار مع الآخر الأجنبي والعربي الذي يعتبر الفضاء الروائي المشاكس في حروبه واغتيالاته فضاء غنيا بالأخبار والصور الجديدة للفضائيات التي تبحث عن الغريب والشاذ والعجيب من الأخبار والصور فتجدها في هذا الجو المشحون بالكراهية.

تتضح إشكالية الهوية في السرد العراقي المعاصر بشكل جليّ في الروايات العراقية التي كتبت بعد التغيير العاصف الذي أصاب البنية الاجتماعية والسياسية في العراق وخرب مؤسسات الدولة، حيث يتجلى افتقاد الأمن مقرونا بانفتاح غير موزون للحريات الشخصية وتسيّد ما يسمى بالهويات الفرعية باعتبارها تمثيلا لمكبوتات مغيبة إبان العهد السابق.

في مثل هذا الفضاء المشاكس ظهرت على السطح صراعات سياسية مؤدلجة وليست أصيلة بين مكونات الشعب العراقي إضافة إلى بروز دعوات تستثمر الدين أساسا في الهوية العراقية وصولا إلى صعود أصوات إلى السلطة السياسية تعمد إلى إحلال المذهب أو الطائفة بديلا عن التجانس الاجتماعي الشكلي الذي كان سائدا قبل التغيير ممثلا بالاحترام المتبادل بين الطوائف الدينية والقومية في العراق.


صراعات دموية


ورواية “عجائب بغداد” تصوّر ظهور عجائب بغداد في هذا الجو الغرائبي المحمول في الزمن الواقعي المشخص في عام 2006 كالقرى العشوائية التي تمثل ردّ فعل على الحرب بين المليشيات لتجسيد الهوية الوطنية مجسدة في القرية البوذية وشخوصها المنتمين إلى الشرائح العراقية بمعظم أطيافها التي تكوّن عناصر الهوية الثقافية.

سارد الرواية يمثل نسقا متواريا خلف مجموعة هائلة من الاهتمامات والأمكنة والأمزجة

تتخذ رواية “عجائب بغداد”من بغداد فضاء نموذجيا للكشف عن الصراعات الدموية وعن عالمها العجيب والغريب، المتحقق في الزمن الواقعي الذي يبدأ “بعد أطوار بهجت” ويبقى مفتوحا إلى أزمان لاحقة لا تشير إليها الرواية ولكنها تصنع حدودا خيالية لها في تجمعات عشوائية مجسدة في القرية البوذية، نموذجا للهوية العراقية.

تبدأ رحلة السارد إلى هذا الفضاء المشاكس “يوم الأربعاء الموافق 22 فبراير 2006″ وهو اليوم الذي “اختطفت واغتيلت فيه الإعلامية العراقية أطوار بهجت مع طاقم العمل أثناء تغطيتها أحداث تفجير مقام الإمام علي الهادي في سامراء”.

يسرد الراوي تفاصيل مقربة للاغتيال، وكأنه شاهد عيان على تلك الجريمة، ويقرر العودة إلى “وطن” لم يلد فيه ولا يعرف شيئا عنه، “تلك الصورة الفجائعية جعلتني أقف بين عالمين أحدهما تحميه السماء وتمطر عليه عطرا وشذى وسلاما وتغذيه بالسواحل والأشرعة والسفر، والآخر تعزله البنادق عن أنفاسه وتضعه في حاضنات البارود والرصاص، كي يبقى في محبس العمائم وأعشاش البارود”.


إشكالية السارد

بهذه العبارات البليغة يمهد الروائي لظهور السارد الإشكالي الذي ولد وعاش في عالم “تحميه السماء وتمطر عليه عطرا” ليشخص “خطأ الوطن الذي لم يره” وليسرد تفاصيل أحداث عجيبة ويتخذ منها موقفا ويرسم شخصيات الرواية ليكون صوتا للمؤلف الذي يتخفى وراء سارده، الذي كان غريبا عن وطنه وهويته بفعل خارج عن إرادته فكأنه “غريب يعود إلى غربته”.

بهذا المعنى يمثل سارد الرواية نسقا متواريا خلف مجموعة هائلة من الاهتمامات والأمكنة والأمزجة التي تشرب بها في مكان غريب “دبي”عن هويته الأصلية فهو لا يعرف شيئا عن “بغداد إلا من خلال أب هجرها منذ طفولته وأم غابت في ذاكرة طليقة ليست لي صلة بما حدث”.

الرواية تسرد تفاصيل مقربة لاغتيال الإعلامية أطوار بهجت

واختيار سارد من هذا النوع سيسهم في إضاءة أحداث وشخصيات وصراعات دموية بعين رقيب يبدو محايدا فهو مراسل لمجلة خليجية “لا تحتاج إلى قصص حرب مقرفة وبشعة عن همج يتقاتلون من أجل لا شيء”، لكنه بالضدّ من ذلك يستثمر وجوده في بغداد ليسرد قصص الحرب المقرفة، ويلقي ضوءا ساطعا على متغيرات الفضاء الروائي -المحايث للواقع المعيش- بتفصيلات المعارك والقتل على الهوية وصور بشعة للجثث الطافية في نهر دجلة إضافة إلى ردود الأفعال ووجهات النظر المتنوعة للآخر الأجنبي الذي حضر لتغطية الأحداث الدامية، وتتضح وجهة نظر السارد كذلك عن فئة السياسيين الذين يتصدرون المشهد السياسي في تلك الفترة، أما وجهة نظره الخاصة بالانتماء فتبدو واضحة جلية في الفصول الأخيرة من الرواية.

في هذا الجو المشاكس يتعرف على مراسلين غربيين وعرب “ووجوه عراقية متلبسة بالغموض والبلادة والحزن وأطياف من الأسئلة (…) نساء متشحات بعباءات سود شاردات الأنظار محجبات وجوه قلقة ورجال محاصرون يفترسهم الهم والغد المقبل بالوعود يحملون فايلات ملونة ويلوحون بها كأنهم سيدخلون الجنة من بوابة الشيراتون بحماية جنود المارينز″.

وتكشف له المراسلة لورا أسباب تواجد هؤلاء العراقيين أمام باب الفندق: بعضهم يحمل وثائق مهمة ومسكوكات تاريخية سرقت من الدوائر الحكومية يريدون بيعها للصحفيين، ثم تقول له: “الجميع الآن كشفوا لعبة الوهم الديمقراطي التي نادى بها الرئيس بوش”، وتؤكد له في مكان آخر “هؤلاء غزاة ومرتزقة هنود حمر ميتو القلوب (…) أنت روائي والسياسة جزء من صلب العمل الأدبي وهذا وطنك الغائب والمغيب عنك وهؤلاء مرتزقة جاؤوا ليسرقوا نفطكم ومستقبلكم”. وفي كل صفحات الرواية تسرد أحداث دموية بين فصائل عراقية متناحرة يرد فيها ما يشير إلى فصائل تنتمي إلى الأطياف العراقية المتنوعة، لكن السارد لا يسجل مواقف متضامنة مع أي طرف فيها، بل إن هذا التناحر الطائفي المؤدلج يدفع به دائما نحو فضاء الوطن وهو يتساءل مع نفسه “حتى القوقعة لها وطن تمشي به ويمشي بها”.


عجائب بغداد

وفي جو بغداد الملبد بالفزع والخوف والرهبة، والقتل اليومي، يستثمر الروائي المخيلة الشعبية في مثل هذا الجو النموذجي، ليسرد “عجائب بغداد” التي تقدم لنا “كائنات وظواهر فوق طبيعية تتدخل في السير العادي للحياة اليومية..”، وتستثمر هذه الكائنات والظواهر كتقنية روائية، تهدف إلى إنشاء أنساق مضمرة تنبئ بعالم متوازن مغاير لعالم التشظي والقتل، تجد فيه النفوس المعذبة فضاءها الصحيح وتستعيد فيها هويتها المفقودة، ولذا فإن العجيب في هذه الرواية لا يهدف إلى بناء رواية “عجائبية” بالمعنى المعروف، ولكنها تستثمر العجيب (تقنية سردية تساهم في حبك الأحداث وفي تأزيمها “وهي…”.

من ناحية أخرى مادة بعناصرها وشخوصها تنضاف إلى الواقع دون أن تسيء إليه أو تحطم نسقه”، ومن أهم الأحداث العجيبة في الرواية: “أعمى قاتل” و”سيف الزرقاوي” و”قرية الأستاذ” و”أخي الأصبع".

تمثل هذه العجائب أنساقا مضمرة تتجه اتجاها معاكسا ومناقضا للأحداث اليومية التي سجلت الرواية العديد من حكاياتها المأساوية بالشكل الذي يلائم إشارات السارد إلى حركتها المعاكسة للأحداث وصولا إلى بناء عالم تتحقق فيه الهوية الوطنية بالشكل الصحيح في إحدى القرى العشوائية حول بغداد.

يمثل الأعمى أمام جمهرة المراسلين الأجانب شخصية متسول تقوده صبية شعثاء وهو يروي فجائع لا حصر لها وقعت في مدينتهم ثم يصبح من عجائب المدينة حين يقتل المراسل خميس الأسود أمام جمهرة المراسلين، فيدخل ضمن نظام الشخصيات الإشكالية التي تأتي كرد فعل مناهض للتخريب والقتل والإبادة، ويتعزز ذلك بظهور شخصية مقطوع الرأس وهو يتحرك ويؤشر باحثا عن رأسه المفقود، أما “أخي الأصبع" فهو تنويع غريب على عجائب بغداد خلال فترة احتلالها وتخريب بنيتها.

ويستثمر السارد الشاهد على الأحداث هذه العجائب، لإنشاء عوالم خارج نظام الطبيعة، قوى خارقة تستطيع موازنة التخريب الذي تنجزه قوى متجبرة لا يمكن الوقوف بوجهها ممثلة بقوى الاحتلال.

باللجوء إلى استثمار الخيال الشعبي بمرويات وحكايات تخرق نظام الوقائع المألوفة باتجاه تأسيس نظام جديد أساسه قوى فوق طبيعية، تحرسها قوى الغيب، تجعل من الأعمى بصيرا يستطيع إصابة هدفه بدقة، وتجعل الجثة تبحث عن رأسها المغيب في السراديب.

ويحيلنا هذا البحث إلى رمزية هذا الكيان الذي يقف ويتحرك بطوله المديد دون رأس، كدالة على ضياع نظام القيادة والتحكم المودع عند المجموعات السلفية التي لا تؤمن بالعقل، وهي إشارة إلى افتقاد السلطة المدبرة للتوازن والعدالة الغائبة، وكل ذلك يبسط توقيته على رأي عام معروف أساسه العلاقة بين القوى السلفية والاحتلال الأميركي وبينها وبين السلطة الممثلة للاحتلال! ويمكن اعتبار “أخي الأصبع" علامة من علامات السخرية السوداء من كل ما يحدث، حين يقف الأصبع بالشكل الذي يذكر “بوضعية مربكة لناظرها” وهو يمثل “معجزة، وإن بيت القتيل بيت من بيوت الله” عند عامة الناس.

بظهور قرية الأستاذ، يدخلنا مؤلف الرواية وارد بدر السالم إلى الفضاء البديل الذي يمثل وجهة نظر مضادة للحرب الأهلية المؤدلجة، وهي وجهة نظر لم يلتفت إليها معظم كتاب رواية ما بعد التغيير الذين اكتفى معظمهم بتسجيل كل الدناءات غيرالإنسانية التي وقعت، في زمن الاحتلال وبعده.

لقد استثمر الروائي وارد بدر السالم الواقع التسجيلي في مدينة بغداد والمدن العراقية الأخرى التي رزحت تحت أعمال العنف والقتل على الهوية وتصفية الناس دون سبب، مضافا إليها ما أفرزه المخيال الشعبي، في ظروف الخوف والرهبة والموت المجاني من عجائب ظهرت في سماء بغداد وتحت أنظار المحتلين وأنظار العالم، كردّ فعل على تلك الأهوال التي أفرزها الاحتلال.

15