"عجائز البلدة " رحلة حنين إلى الريف المصري القديم

كتاب عجائز البلدة يحوي حكايات تكشف جانبًا من تاريخنا الاجتماعي المنسي.
الثلاثاء 2020/01/21
النورج حكايات منسية (لوحة للفنان حسن سليمان)

يمكن للكتابة السردية أن تخرج من أروقة الرواية أو القصة الأدبيتين، وتدخل عوالم أخرى مثل التأريخ، ولو أن الكثير من الروائيين يلجأون إلى التأريخ بشكل أدبي للحياة البشرية والحقب والأحداث ولكل ما يهمله التاريخ الرسمي، وهذا ما انتهجه الكاتب المصري عمار علي حسن الذي اختار أن يؤرخ بالحكايات تفاصيل وأشياء بسيطة لم تعد موجودة.

القاهرة – يعتبر الكتاب السردي الجديد “عجائز البلدة” عملا أدبيا مختلفا في مسيرة الكاتب المصري عمار علي حسن.

وفي كتابه، الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، يقدم علي حسن نصا سرديا يرسم ملامح من الريف المصري، انجرفت أغلبها مع التحديث الاقتصادي والاجتماعي. يقع الكتاب في نحو 260 صفحة من القطع المتوسط، وكان الكاتب قد نشر بعض الصفحات منجمة ولاقت صدى طيبا، ما شجعه، حسب قوله، على إكمالها وإصدارها في هذا الكتاب، الذي يختلف عن أعماله الأدبية السابقة من روايات ومجموعات قصصية.

وكما جاء في تقديم الكتاب فهو يحوي حكايات تكشف جانبًا من تاريخنا الاجتماعي المنسي، ويتجلى في سطوره كل ما يربطنا بجذورنا البعيدة، ليجعل الحنين يجرفنا نحو زمن ولى في غفلة منا، ولن نستعيده أبدا إلا حين يغوص كل منا في ذاكرته، التي أضناها الشوق والأسى، بسبب غربتنا الطويلة، خلال سنين نقلتنا من طفولة عفية إلى شيخوخة واهنة.

وبدا عمار علي حسن في كتابه هذا مستعيدا لكل ما عرفه ولمسه عن آلات وحالات وأدوات، سادت ثم بادت، ليحولها إلى كائنات من لحم ودم، سواء باستنطاقها لتبث حزنها الدفين، بعد أن جارت عليها الأيام، أو برصد انفعال البشر معها، وقت أن كانت حياتهم مربوطة بها، وكانوا يهتمون بها، لأنها تشكل جزءا أصيلا من حياتهم.

في هذا الكتاب السردي نقرأ حكايات بلغة شفيفة عن خمس وستين آلة ريفية، ذهب أغلبها مع ريح عصرنا المتوحش، مثل: النُورَج والطًنبُور والسَاقية والشَادوف والمِحرَاثْ والحَصِير والخُصْ والزيِر والقُلَّة والكَانُون والمَصْطَبة والسَحَّارة والسِبرتَاية والقُفَة والطَبْلِّية والطُلمْبَة والعَصِيد والرَحَاية والدَمَّاسة ولَمبة الجَاز والطَاحُونَة والمَاجُور والنَامُوسِيَّة والغُرْبَال والسِيْجَة والخُلخَال والكِردَان وغيرها.

ملامح من الريف المصري
ملامح من الريف المصري

وقال الكاتب في مفتتح لكتابه “كل أسماء الأشياء التي وردت في هذه الحكايات كتبتها وفق لهجة قريتي الصغيرة المنسية في المنيا، صعيد مصر، وهي قرية الإسماعيلية، مركز المنيا. وهناك من ينطقها بطريقة مختلفة في وادي مصر ودلتاها، وفي ريف العالم العربي من المحيط إلى الخليج، لكن الاختلاف حول المسمى لا يجرح الصورة والمعنى المستقر في أذهان الريفيين مثلي، أينما كانوا، لاسيما أولئك الذين يجرفهم الحنين إلى زمن كانت فيه هذه الأشياء سيدة في حقولنا وبيوتنا الخفيضة، التي لم تعد على حالها القديمة”.

وإن كان الكاتب يستعيد ما تمثله الآلات الريفية من قوة سحرية في حياة أهل القرية، سواء في الطعام أو الشراب أو الملبس أو الزراعة أو التعليم أو غيرها من الأمور، فإنه لا يكتفي برصد الآلة أو الأدوات التي يتحدث عنها، بل يستخدم أسلوبه الروائي في الحكي ليقدم تلك الأدوات على شكل حكايات.

وتنبع أهمية الكتاب حسب تعليق الناقد والكاتب المغربي هشام مشبال على صدوره، من كونه ينطوي على تفاصيل من ذاكرتنا وهويتنا الجماعية حيث الحنين والحكايات والجذور، وقال “الكاتب يملك معرفة دقيقة وتجربة حياة في الريف مسكونة بالشوق” معربا عن تطلعه إلى قراءة الكتاب لأنه في نظره “يقدم معرفة بأصولنا الاجتماعية التي بدأت تندثر مع سطوة الحياة المعاصرة والمتوحشة”.

 أما المؤلف فقال وهو يقدم كتابه إلى قرائه ومتابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي “بفضل ترحيب الصديقات والأصدقاء بـ ‘عجائز البلدة‘ حين كانت تُنشر منجمة في مجلة ‘تراث‘ اكتملت السلسلة، وها هي تصدر في كتاب تأخذنا صفحاته إلى زمن جميل مضى”.

14