عجز أمني يقرب العراق من وضع الدولة الفاشلة

التقدّم المسجّل على جبهات القتال ضدّ تنظيم داعش في العراق لا يمثل مبعث تفاؤل لكثير من العراقيين بشأن تحقيق السلم وإقرار الأمن في البلد في ظل استشراء فوضى السلاح وانتشار الجريمة وتغوّل الميليشيات.
الخميس 2016/01/14
هيبة مفقودة

بغداد - حمل رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، أمس، على الأجهزة الأمنية العراقية متسائلا عن مبرّر دفع رواتب لعناصرها مادامت عاجزة عن حفظ الأمن.

وجاء كلام الجبوري تعليقا على الأحداث الخطرة التي شهدتها محافظة ديالى مطلع الأسبوع الجاري، وبدأت بهجوم انتحاري مزدوج على مقهى في قضاء المقدادية خلّف العشرات من القتلى والجرحى، وانتهت بردود فعل انتقامية نفذتها ميليشيات مسلّحة ضدّ السكان السنّة بذات القضاء خلّفت عددا من القتلى في صفوفهم وأسفرت عن حرق وتدمير العديد من الدور والمتاجر والمساجد.

وجاءت تلك الأحداث لتنذر، من جهة، بإمكانية انزلاق البلد إلى صراع طائفي مدمّر، ولتعكس من جهة ثانية درجة الانفلات الأمني في البلد، والذي بلغ -حسب البعض- درجة كبيرة من الخطورة تصل حدّ فقد الدولة العراقية السيطرة على أوضاعها الداخلية، في ظل البروز الكبير للجماعات المسلّحة غير النظامية وتفاقم ظاهرة حمل السلاح خارج الأطر الشرعية المتعارف عليها.

ويشبّه مراقبون ما يجري في العراق خارج جبهات القتال ضدّ تنظيم داعش، وعلى امتداد خارطة البلد بما في ذلك تلك التي لم يدخلها التنظيم مثل محافظة البصرة بجنوب البلاد بـ”الحرب الموازية”.

وتفاقمت خلال الآونة الأخيرة عمليات القتل والخطف ونهب الممتلكات والأموال بشكل غير مسبوق أفقد العراقيين الشعور بالأمان، وبدأ يؤثر على الأنشطة الاقتصادية بشكل ملحوظ.

ولا يكاد يمرّ يوم في العراق لا يتم خلاله الإعلان عن العثور على جثث لأناس يُقتلون بطرق مختلفة ولأسباب متعدّدة، وتلقى جثثهم على قارعة الطريق وفي مجاري الأنهار وحتى بين أكداس القمامة.

وتختلف دوافع العنف في العراق بين جنائية وطائفية وحتى عشائرية، وهو ما برز مؤخرا بشكل جليّ في محافظة البصرة.

وإلى جانب تنظيم داعش، الذي يبدي قدرة على التحوّل السريع من حرب الجبهات إلى حرب الهجمات الخاطفة والاقتحامات عن طريق الانتحاريين والسيارات المفخّخة داخل المدن، يأتي عنف الميليشيات الشيعية المسلّحة المستعدة لتحصيل المكاسب المادية ولتصفية الحسابات بالعنف ضدّ خصوم قادتها، وحتى ضدّ بعض الدول، ما يسبب حرجا كبيرا للدولة العراقية، ويظهرها في مظهر العاجزة على ضبط أوضاعها.

وسبق أن تجسّد ذلك في إقدام ميليشيا شيعية على اختطاف عمّال أتراك من إحدى ضواحي بغداد، وأيضا في اختطاف صيادين قطريين ما يزالون إلى اليوم رهن الأسر.

وتأتي تعقيدات الملف الأمني لتضيف أعباء على الدولة العراقية المرهقة بالحرب على داعش والغارقة في متاعبها الاقتصادية والمالية الناجمة عن تهاوي أسعار النفط في مقابل ارتفاع فاتورة الحرب.

وباشرت القوات الأمنية العراقية، أمس، بتنفيذ عملية جديدة لملاحقة مطلوبين في عدد من مناطق محافظة البصرة التي تحوّلت خلال الأيام الماضية نموذجا عن انخرام الأمن في العراق، من خلال اشتباكات دامية بين عشائر استخدمت فيها ترسانة حربية من الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، فضلا عن عمليات خطف وقتل ونهب أموال وممتلكات.

ونقل موقع “السومرية” الإخباري أمس عن مصدر في وزارة الداخلية قوله إن “قوة عسكرية كبيرة تمتلك دبابات وعربات مدرعة قادمة من العاصمة بغداد وصلت إلى البصرة للبقاء فيها لفترة غير محددة”، مبينا أن “القوة من أولوياتها فض النزاعات العشائرية المسلحة عند حدوثها، إضافة إلى مصادرة أسلحة العشائر التي تتكرر نزاعاتها”.

وبينما يطالب ساسة عراقيون بالإسراع في إنهاء فوضى السلاح بالبلاد وحصر مهمة حفظ الأمن بيد الدولة، دخلت ميليشيات الحشد الشعبي على خط الأحداث في البصرة، حيث نقل أمس عن الناطق باسم الحشد كريم النوري، قوله إن الحشد الشعبي لن يقف مكتوف الأيدي أمام انفلات الأوضاع الأمنية في البصرة، مشيرا إلى أن الحشد سيقف بوجه كل من يريد الإخلال بالنظام السياسي في البلد وإرباك الحركة الاقتصادية.

ومن جهته رأى سليم الجبوري رئيس مجلس النواب أمس أنّ “من يحمل السلاح خارج إطار الدولة يجب أن يحارب”، معتبرا أن “الدولة هي المسؤولة عن حفظ الأمن والجميع يجب أن يخضع لإرادتها”.

وتدفع الأوضاع الأمنية المعقّدة العراقيين إلى التشاؤم رغم تقدّم العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش والذي لا يعني للكثيرين نهاية التنظيم وإقرار الأمن بشكل تام في البلد الذي عاش موجات متلاحقة من العنف تواصلت لأكثر من عقد من الزمن بعد سنة 2003 وحصدت الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين ومثلهم من اليتامى والأرامل، حيث ستكون الحكومة مطالبة بنزع سلاح العشرات من الميليشيات الشيعية التي يفوق بعضها القوات النظامية قوة وتسليحا وتنظيما.

3