عجز أميركي حيال كوريا الشمالية

السبت 2017/08/12

تسبب تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام السلاح النووي ضد كوريا الشمالية في حالة من الخوف الشديد في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أن تصريحات ترامب باتت مألوفة وقسم كبير منها لا يؤخذ على محمل الجد، هنالك رعب حقيقي من أن تكون تصريحاته انعكاسا لقرار سياسي فعلي قد جرى اتخاذه في البيت الأبيض ويتعلق بشن حرب استباقية.

التصريحات المثيرة للجدل لم تقتصر على الرئيس الأميركي، بل تبعتها تصريحات وزير الدفاع جيمس ماتيس بأن أي عمل استفزازي من كوريا الشمالية سيقود إلى نهاية نظامها ودمار شعبها. تعكس تلك التصريحات رغبة مخيفة في استخدام السلاح النووي، إذ عادة ما تتحدث أميركا عن دمار النظام وعن “تحرير” الشعب، لا دماره هو الآخر.

رغم أن المرة الوحيدة التي جرى فيها استخدام السلاح النووي كانت قد أنهت الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، ولكن ذلك يبقى عارا في تاريخ الدولة الأميركية حيث قتلت القنابل نحو ربع مليون مدني في لحظة واحدة وهو ما يعتبر أحد أبشع جرائم الحرب في التاريخ المعاصر. وانطلاقا من هذا العار رفعت القيود في جميع أنحاء العالم في وجه استخدام وانتشار السلاح النووي. ووقعت الدول التي تمتلك هذا النوع من الأسلحة معاهدات لخفض الترسانة النووية في العالم.

لا يبدو أن الرئيس الأميركي يفهم خطورة هذا الأمر. فأثناء حملته الانتخابية قال إنه قد يستخدم السلاح الكيمياوي في ظل فترته الرئاسية. وعندما تتالت موجات الاستنكار لاستهتاره بالسلاح الذي قد يدمر كل ما أنجزته الحضارة البشرية سأل باستهجان “ألم نصنع تلك الأسلحة لنستخدمها؟”.

بدرجة كبيرة لم يتم صنع تلك الأسلحة لكي يجري استخدامها. كان العالم يخوض حروبا مجنونة لا أفق لأي طرف فيها بالانتصار. في هذه الأجواء كان ابتكار أسلحة ذات قدرات تدميرية استثنائية نوعا من الدفاع عن الوجود في عالم تحرقه الحروب من دون وجود أي أفق بتوقفها.

نعيش اليوم في عالم أقل خطورة بالنسبة إلى الدول الرأسمالية المركزية حيث لا يعتبر وجودها مهددا على الإطلاق. التوازن الدولي الحالي يقوم لا فقط على توازن القوى التدميرية، بل أيضا على التوافقات الدولية والشراكات الاقتصادية التي اخترقت الحدود القومية وباتت تحرك سياسات الدول عبر العالم. هذا يجعل استخدام السلاح النووي من المحرمات أكثر من أي وقت مضى.

حتى الحروب التقليدية التي يمكن أن تمتد إلى دول الرأسمالية المركزية، ويشمل ذلك اليوم اليابان وكوريا الشمالية، غير مسموح بها. الحقيقة أن هذا بالضبط هو ما سمح لكوريا الشمالية بتطوير برنامجها النووي في ظل توازن عالمي واستبعاد للحروب الشاملة والمدمرة في الدول الرأسمالية المتطورة.

لقد علمت الاستخبارات الأميركية أن اليوم الذي سوف تمتلك فيه كوريا الشمالية صواريخ عابرة للقارات مزودة بأسلحة نووية قادم لا محالة، ولكنها كانت مقيدة ومضطرة لحساب العواقب الكارثية لحرب شاملة في هذه البقعة من العالم.

بعد اختبار كوريا الشمالية لصاروخين باليستيين عابرين للقارات الشهر الماضي، ربما أصبح بإمكانها أن تضرب الولايات المتحدة بصاروخ عابر للقارات محمل برأس نووي صغير.

ويتوقع أن تجري تجارب جديدة هذا الشهر لمتابعة تطوير ما توصلت إليه، وهو ما يثير رعب البيت الأبيض ويدفعه لإطلاق تصريحات يائسة وغير مسؤولة.

الحقيقة أنها حالة طوارئ عالمية وليست فقط في البيت الأبيض. فقبل نحو أسبوع، وافق مجلس الأمن بالإجماع على قرار عقوبات هو الأقسى بحق كوريا الشمالية. القرار يمنعها من تصدير الفحم والحديد والرصاص والمنتجات البحرية، وجميعها تشكل نحو ثلث عائداتها من الصادرات السنوية التي كانت قبل العقوبات تواجه انحدارا شديدا.

ما يدفع الإدارة الأميركية إلى الخروج عن هدوئها هو معرفتها بعدم جدوى مثل تلك العقوبات. فبعد إقرارها مباشرة، تعهدت كوريا الشمالية بمواصلة برنامجها وبأن تلك العقوبات ستقود إلى “بحر من النار لا يمكن تخيله” سوف يبتلع الولايات المتحدة. كما هددت بضرب جزيرة غوام الأميركية في المحيط الهادي.

لا تملك الإدارة الأميركية حاليا سوى التهديدات التي تثير رعب العالم بحرب نووية قادمة. فبينما تواصل كوريا الشمالية تطوير أسلحتها النووية لا توجد فرصة لوقف ذلك البرنامج من قبل الولايات المتحدة وحلفائها.

كاتب فلسطيني سوري

9