عجز الآباء عن إثارة المسائل الحميمية مع الأبناء يفاقم التحرش

يحتار الآباء كثيرا في إيجاد المفردات المناسبة واختيار طرق التواصل المثلى لإبلاغ المعلومة لأبنائهم، وتوعيتهم ونصحهم في العديد من المواضيع خصوصا منها التي تتعلق بالمسائل الحميمية والعاطفية، وهو ما ينتج عنه خلل في توازن شخصية الطفل، لأن هذه المسائل تظل مصدر تساؤلات كبرى داخله، وبالتالي تبقى نقصا في التنشئة الأولى داخل الأسرة، فيكون ضحية سهلة للتحرش لعجزه عن فهمه وعن التعبير عمّا يحصل له، وعن تفادي تكراره والتوقي منه.
الجمعة 2016/12/30
من أين نبدأ

تونس - يفتقد الآباء في الأسر العربية الثقافة واللغة التي تخول لهم التعبير بأسلوب سلس وبسيط يمكّن الطفل من فهم واستيعاب المعلومات المتعلقة بالمسائل الجنسية، وبمشكلة الوقوع ضحية للتحرش الجنسي بشكل خاص. ورغم شعور الآباء والأمهات بالحاجة إلى حماية وتحذير أبنائهم من هذه الظاهرة، التي باتت لافتة للانتباه في جل المجتمعات، حيث تواترت حوادث التحرش الجنسي بالأطفال مؤخرا، إلى درجة حيّرت المختصين والباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس، كما حيّرت الآباء والأمهات، إلا أنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن تبليغ المعلومة التي من شأنها أن تكون أداة لتوعية وتحذير ووقاية الطفل من الاحتكاك بالمتحرشين.

إن فقدان القدرة على التواصل في هذه المسائل أسبابه متعددة، ولكن أبرزها غياب الثقافة والتربية الجنسية لدى كافة الأطراف المتدخلة في تربية وتكوين الطفل خصوصا في سنواته الأولى لأنها من الموضوعات المسكوت عنها في المجتمع، بتعلات الإحراج والحياء والبيئة المحافظة، مما جعلها تغيب في استراتيجيات وبرامج التربية والتعليم العربيين، وتكون مفقودة بالتالي في تكوين الآباء رغم أن هذه الثقافة تعدّ اليوم ضرورية أكثر من أيّ وقت مضى.

ويقول المختصون في علوم التربية وعلم النفس أنه على الآباء التحدث مع أبنائهم في شتى المواضيع عبر تبسيط المعلومة وإيصالها دون إشعار الطفل بالحرج أو الخوف، وأحيانا يقع الآباء في أخطاء تواصلية فيزرعون الخوف لدى الطفل من الآخر، سواء كان شخصا قريبا أو غريبا، ما من شأنه أن يحول دون اندماجه في المجتمع ويكسبه شخصية انطوائية جراء كثرة التحذيرات والتخويف من الآخر. ذلك أن تقديم التوصيات المناسبة لعمره تبني لديه وعيا بمخاطر التحرش الجنسي، وتجعله يحاول التوقي منه وتمكنه من التحدث بصراحة على ما تعرّض له دون خوف، الأمر الذي يخوّل للأبوين التدخل ومساعدته في الوقت المناسب في حال وقوعه ضحية للتحرش.

دور الأسرة هام في ما يهم حماية الطفل من الوقوع ضحية للتحرش، وفي إكسابه القدرة على الإبلاغ عما حصل له دون خوف

تقول سهام بن إبراهيم لـ”العرب”، وهي أم تونسية لولد عمره 10 سنوات وبنت عمرها 12 سنة “إننا نعيش واقعا اجتماعيا مليئا بالمخاطر ما يجعلنا نخاف على البنت والولد على حدّ السواء، خاصة بعد أن أصبحنا نستمع لأخبار شبه يومية عن وقوع أطفال ضحايا للتحرش أو الاغتصاب في تونس. وأنا لا أجد الطريقة المناسبة للتحدث مع أبنائي في هذه المسائل، خاصة الولد لأنني أشعر بالحرج ولا أجد التعبيرات المناسبة لأنصحه في المسائل الجنسية ولا أعرف كيف أحذره من التحرش، فأنا لا أمتلك مستوى تعليميا عاليا يمكنني من اختيار كلماتي ويجعلني أتحرر من عقد الحشمة والخوف لذلك أتجنب طرح هذه المواضيع مع أبنائي، لكنني في المقابل أحذرهما باستمرار من الاقتراب من أي شخص ومن التواصل مع الغرباء، ولن أتردد في مرافقتهم يوميا إلى مدارسهم، رغم أن ذلك بات يزعجهم بتعلة أنهم كبار في السن وقادرون على الخروج دون مرافق”.

وفي هذا الصدد يمكن القول بأن سهام ليست إلا نموذجا للكثير من الأمهات، ليس في تونس فقط بل في أغلب المجتمعات العربية، حيث لا تمتلك الأمهات الثقافة في مجال التربية الجنسية ما يجعلهن يشعرن بالتقصير في الحوار مع الأبناء في هذه المواضيع، لكن سهام في الوقت نفسه تقرّ بأن عجزها عن الخوض في هذه المسائل يجعلها تبالغ في الإحاطة بهم وفي نصحهم وتحذيرهم من المحيطين بهم.

وفي المغرب أيضا ازدادت مظاهر الاعتداء الجنسي على أطفال أعمارهم بين 5 و15سنة ووصلت نسبتها إلى 80 بالمئة من جملة القضايا الجنسية، ويكون غالبية المعتدين من الأقارب والجيران. وكان الائتلاف ضد الاعتداءات الجنسية على الأطفال، قد سجل 3266 حالة اعتداء جنسي على الأطفال بالمغرب، خلال الفترة بين سنتي 2012 و2015، وكان 75 بالمئة من المعتدين من الأقارب أو ممن يملكون سلطة على الطفل. وحول الموضوع، أشارت نجاة أنور رئيسة جمعية “ما تقيش ولدي”، في تصريح لـ”العرب”، إلى أنه من بين أسباب تنامي ظاهرة الاعتداءات الجنسية على الأطفال، غياب آلية لمتابعة الظاهرة بشكل دقيق، وغياب التأطير اللازم للطفل سواء داخل الأسرة أو المدرسة.

وأرجعت أنور أسباب عجز الأسر عن حماية أبنائها من الاعتداءات الجنسية للهشاشة الاجتماعية، ونبهت إلى أن تزايد الظاهرة يرجع إلى صمت غالبية الأسر أمام هذه الجرائم خوفا من الفضيحة، مطالبة بضرورة إدماج التربية الجنسية في المناهج التعليمية وتشديد العقوبات لتكون متلائمة مع القوانين الدولية.

أما في مصر فتتعامل الأسر مع حالات التحرش الجنسي بأبنائها بثقافة “الستر” وتتجنب الإبلاغ عن المعتدي، خوفا من نظرة المجتمع السلبية إلى كل من الأسرة والطفل الضحية، ويمثل ذلك أحد أهم العوائق أمام التصدي لوقائع التحرش.

وقالت سعاد أنور، أستاذة علم اجتماع الأسرة بجامعة عين شمس بالقاهرة، إن تكتم الأطفال على تعرضهم للتحرش والخوف من ردة الفعل والفضيحة يمثلان أكبر تحدّ للآباء، فضلا عن فشل بعض الأسر في أن تشرح لأطفالها ماهية التحرش وأشكاله وأسبابه وطرق مواجهته، إمّا لعدم تقبل الابن للموضوع، وإمّا لأن الأسرة تخشى إدراكه للجنس منذ الصغر تحت مبرر “خدش الحياء”.

وأضافت أن التغاضي عن الحديث في الأمور الجنسية بجعلها أمرا معيبا “يضاعف كتمان الأبناء لتعرضهم للتحرش الجنسي”، وبالتالي فالثقافة الجنسية بين أفراد الأسرة أصبحت ضرورة حتمية، خشية أن يكون البديل للأسرة شخصا خطيرا على الطفل، مؤكدة أن من بين الصعوبات التي يعاني منها الآباء مع الأبناء في هذه المسألة، عدم إدراكهم لما يُحكى لهم، سواء من النصائح أو حتى المسميات والتوصيفات لأجسادهم في مرحلة عمرية مبكرة، ما يجبر الكثير من الآباء على تأجيل الحديث في الأمر.

21