عجز الأعشى عن رؤية الضوء ليس عذرا

الأحد 2013/11/24

ليس من الضروري التعليق على رأي وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في أن الإخوان المسلمين سرقوا ثورة شباب مصر، تنويها بأن كيري – مثل جهينة – "قطع قول كل خطيب". كما أنه لا يهم – في هذا السياق – التطرق إلى ما إذا كان كيري طرح موقفا يتحدى به رئيسه باراك أوباما، لأن الولايات المتحدة الأميركية دولة متعددة الرؤوس والألسنة، وكل رأس يرى ما يجري في العالم من زاويته، ومن ثم يعاني أولئك الذين يعيشون بعقلية أحادية التصور من حيرة وتخبط، ويعجزون عن فهم أن مايجري من تنوع، يراه الآخرون اختلافا أوتناقضا، يصدر عن قصد متعمد، في إطار ما يسهل تحقيق المصالح الأميركية. وذلك على نسق ما وصدّرت سينما "هوليوود" إلى الذهن العربي في سبعينات القرن الماضي، عندما شاهدنا فيلم "الطيب والشرس والقبيح"، الذي كانت خلاصته النهائية أن ثلاثتهم لصوص، وإن اختلفت أساليبهم في الإجرام.

ما يهمنا في توصيف الوزير كيري لما جرى لثورة 25 يناير، أنه يوفر أرضية منطقية لمواصلة واشنطن علاقاتها مع القاهرة، والتعامل بطريقة عادية مع الحكم الانتقالي، باعتباره تصحيحا استعاد لشعبه ثورته من سارقها.

لكن رغم استمرار العلاقات بين العاصمتين، تبدو هناك غصة في الحلق الأميركي، بسبب الإطاحة بمرسي وإسقاط النظام الإخواني. وظهرت أعراض هذه الحالة في تخبط سياسات إدارة أوباما، بين الضغوط التي مارستها سفيرتها آن باترسون في عهد المجلس العسكري السابق، لتسهيل تسليم السلطة للإخوان، وبين رغبة الإدارة في الحفاظ على علاقة طيبة مع المؤسسة العسكرية، وتفادي التعرض لغضبة شعبية تحرج موقفها، وتؤثر سلبا على علاقات مصر مع إسرائيل.

النقطة المهمة هنا، هي أن واشنطن تيقنت من أن الشعب المصري قرر بإرادته الحرة، سحب الشرعية من رئيس كان انتخبه بإرادته الحرة أيضا، لأنه فشل في التعبير عن هذه الإرادة الشعبية باتساعها، وظل أسير رؤية فئوية وحزبية ضيقة.

واكتشفت الإدارة الأميركية أيضا أن الضوضاء التي يثيرها الإخوان وحلفاؤهم في مصر ليست أكثر من مظهر محدود ومؤقت، يرجع استمراره – في الأساس – إلى سماح السلطة الجديدة به، لامتصاص الإحساس بمرارة الهزيمة، لدي جماعة مازالت تعيش بمنطق مطلق يرجع إلى العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، عجزت عن فتح أعينها في ضوء القرن الحادي والعشرين. ولأن رؤوس الإدارة الأميركية وألسنتها أكثرا تواصلا فيما بينها – في حوار فيما بينها، حول أفضل الأساليب لتحقيق المصالح الأميركية العليا – بأكثر من تواصلها مع الأطراف الأجنبية الأخرى، فإن طلب ممثلي الإخوان من واشنطن، توضيح مغزى تصريح كيري، لن يسفر عن رد محدد في القريب، وعلى الأغلب فإنه لن يؤدي إلى المزيد من الإحساس بالخذلان لديهم. والأمر المؤكد هنا، هو أنه سيصيب خطتهم لإثارة "الضوضاء" بالإحباط. لأن الهدف منها هو إعطاء انطباع لدى الرأي العام الخارجي، باستمرار تواجدهم تنظيما وحركة، وتصوير ذلك على أنه رغم أنف السلطة القائمة في مصر، والاستفادة من ذلك في الزعم بعجزها عن إقرار الأمن والنظام. وغاب عنهم أن الدولة المستقرة في مصر، لديها من الثقة ما يمكنها من الاستمرار على النحو المعتاد، مع التواصل في احتجاجات الإخوان، الذي يعاني من هزال تدريجي، رغم تنوعها في الفعاليات، وتعدد المناطق التي تحدث فيها، وتواصل الدعم المتنوع لها من حلفاء إقليميين، يكابرون رفضا للاعتراف بالهزيمة.

خلاصة القول، هو أن الولايات المتحدة الأميركية لديها من المرونة، ما يجعلها ترى الضوء قبل غيرها. ولعل سحبها السفيرة آن باترسون من القاهرة، كان التعبير الأول عن التغيير في توجهات سياستها. ويتعين على الإخوان وحلفائهم تفهّم ذلك.

4