عجز دولي أمام غضب الطبيعة.. القادم أسوأ

كوكب الأرض مقبل على تسجيل أكبر درجات حرارة على الإطلاق بسبب تغير المناخ.
الخميس 2020/09/17
توثيق لحظة نادرة لارتفاع حرارة الأرض

يدخل كوكب الأرض مع استمرار التحذيرات من عواقب التغييرات المناخية التي يخلّفها الإنسان بسبب سياساته المدمّرة، بشكل فعلي في حالة طوارئ. ومع تواصل تقاعس المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، في وضع أسس مستدامة لمواجهة هذه المشكلة الوجودية، يعتقد المراقبون والمختصون أن القادم أسوأ، وهو ما سيجعل الناس في “سجن كبير” سيصعب على أيّ كائن الفرار منه دون حل جماعي.

واشنطن – احتفل العالم الأربعاء بمرور 35 عاما على اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، وقد أشارت الأمم المتحدة تعليقا على هذه الذكرى السنوية إلى أن الحياة لن تكون على الأرض ممكنة دون ضوء الشمس، ولكن الطاقة المنبعثة من الشمس ستكون أكثر من اللازم لتزدهر الحياة على الأرض لولا طبقة الأوزون.

ولا تتوانى الأمم المتحدة والمنظمات المدافعة عن البيئة في رشق الحكومات بسيل من الاتهامات لتراخيها في معالجة الأمر لأن بيدها الحل والربط، كما يؤكد المختصون والمهتمون بالحفاظ على سلامة الطبيعة وسكان الأرض، ومن بينهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي دعا قادة العالم إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن المناخ.

ولكن هل هذه الدعوات كافية لجعل الحكومات تضع سياسات ثابتة تتأقلم مع ما يحدث اليوم، خاصة مع عدم تمسك بعض الدول بالتزاماتها وذلك في ظل المخاوف من ارتفاع حرارة الأرض والتي كان من أبرز انعكاساتها توسع نطاق الحرائق، حيث تلتهم أجزاء واسعة من الغابات والطبقة النباتية التي تعتبر محرارا لإحلال عملية التوازن البيئي.

هوامش ضيقة

أنطونيو غوتيريش: على قادة العالم اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن المناخ
أنطونيو غوتيريش: على قادة العالم اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن المناخ

حتى اليوم ترفض دول من أهمها الولايات المتحدة التوقيع على اتفاقيات تتعلق بالمناخ ولعل من أهمها اتفاقية باريس، حيث شكل انسحاب واشنطن العام الماضي من الاتفاقية خيبة أمل كبيرة، فقد أبدى الاتحاد الأوروبي استياءه من الخطوة، التي تندرج في إطار استراتيجية أوسع يتبناها الرئيس دونالد ترامب للحد من الروتين المقيد لقطاع الصناعة الأميركي.

ويعتقد فريق من الخبراء الأمميين المعنيين بشؤون المناخ أن الضغوط تزداد على الأراضي وتشكّل بدورها جزءا من الحلّ، لكن ليس في وسعها حلّ المشكلة بالكامل، ما يجعل هامش المناورة ضيقا للغاية لاسيما وأن النظام الغذائي يولد ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة، كما يؤكد إدواردو كالفو بوينديا، الذي يشارك في رئاسة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وهذا لا يعكس كل المشكلة، فقد ذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع أن حوض المحيط الأطلسي يشهد موسما قياسيا من الأعاصير، في الوقت الذي يكافح فيه الساحل الغربي للولايات المتحدة لإخماد أكبر حرائق غابات المندلعة حتى الآن، مثلما أنهى نصف الكرة الشمالي موجة حرّ تاريخية.

وبينما أكدت المنظمة أن درجات الحرارة خلال الفترة من يونيو وحتى أغسطس سجلت رقما قياسيا جديدا خلال الصيف في نصف الكرة الشمالي، أفادت إحصاءات أميركية بأن درجة الحرارة العالمية في الفترة نفسها ارتفعت بمقدار 0.92 درجة أعلى من متوسط ما شهده القرن الـ20، مما يجعلها ثالث أكثر الفترات حرارة على الإطلاق.

ويُصادف يوم 16 سبتمبر، اليوم العالمي لحفظ طبقة الأوزون، والتي وصفتها الأمم المتحدة بـ”الدرع الهش”، وقالت عبر موقعها الرسمي إن “طبقة الأوزون هي درع هش من الغاز يحمي الأرض من الجزء الضار من أشعة الشمس، مما يساعد على الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض”.

ويذكرنا شعار هذا العام “الأوزون من أجل الحياة”، بأن الأوزون ليس مهمّا للحياة على الأرض فحسب، بل يجب علينا الاستمرار في حماية هذه الطبقة للأجيال القادمة، وبالتالي فإن المسألة قد ترتقي إلى قضايا الأمن القومي كونها أحد أبرز الأساسيات المؤثرة في حياة السكان والدول ووضع استراتيجيات قوامها الاستمرارية.

وكانت الاستجابة العالمية حاسمة في العام 1985 حين تبنت حكومات العالم اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، بموجب بروتوكول مونتريال للاتفاقية، وعملت الحكومات والعلماء والصناعة معا على التخلص من 99 في المئة من جميع المواد المستنفدة لطبقة الأوزون.

وأوضحت الأمم المتحدة أنه وبفضل بروتوكول مونتريال، تلتئم طبقة الأوزون ومن المتوقع أن تعود إلى قيم ما قبل 1980 بحلول منتصف القرن. ودعما للبروتوكول، سيعمل تعديل كيغالي، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2019، على الحد من مركبات الكربون الهيدروفلورية، والغازات الدفيئة ذات الإمكانات القوية في إحداث الاحترار المناخي والإضرار بالبيئة.

لا حلول جذرية

استفادة طبقة الأوزون من وباء كورونا
استفادة طبقة الأوزون من وباء كورونا

لم تكن أزمة فايروس كورونا، بعيدة عن اليوم العالمي، حيث جلبت هذه الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية، وباتت رسالة معاهدات الأوزون للعمل معا في وئام وللصالح العام أكثر أهمية من أي وقت مضى. وكتب غوتيريش في تغريدة عبر حسابه على تويتر يقول إن حرائق الغابات المدمرة والعواصف والفيضانات تستمر في ترك آثار الموت والدمار في جميع أنحاء العالم.

وقد دفع التأكيد العلمي لاستنفاد طبقة الأوزون المجتمع الدولي إلى إنشاء آلية للتعاون لاتخاذ إجراءات لحماية طبقة الأوزون، حيث تم إضفاء الطابع الرسمي على ذلك في اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون التي اعتمدها ووقع عليها 28 بلدا في 22 مارس 1985. وفي سبتمبر 1987 أدى ذلك إلى صياغة بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون.

ويعتبر الهدف الرئيسي لبروتوكول مونتريال هو حماية طبقة الأوزون عبر اتخاذ تدابير لمراقبة الإنتاج العالمي ‏واستهلاك الإجمالي للمواد المستنفدة للأوزون، مع الإبقاء على الهدف النهائي المتمثل في القضاء على هذه المواد ‏عن طريق تطوير المعارف العلمية والتكنولوجية البديلة‏‎.‎‏

كما يتمحور بروتوكول مونتريال حول عدة مجموعات من المواد ‏المستنفدة للأوزون، والتي تم تصنيفها إلى مجموعات من المواد الكيميائية وفقا للعائلة الكيميائية المدرجة تحتها في ‏مرفقات نص بروتوكول مونتريال‎ يتطلب السيطرة على ما يقرب من مئة من المواد الكيميائية في عدة فئات.

وتحدّد المعاهدة ‏لكل مجموعة من هذه المواد جدولا زمنيا للتخلص التدريجي من إنتاجها واستهلاكها، وذلك بهدف القضاء عليها ‏في نهاية المطاف تماما‎ً، ولكن الأمر يحتاج إلى تمويلات ضخمة قد لا تستطيع الدول توفيرها في ظل الركود العالمي وأزمة كورونا.

وكدليل على ذلك، ذكر تقرير للجنة تحولات الطاقة الأربعاء أن التخلص من الانبعاثات نهائيا بحلول منتصف القرن الحالي سيكلف استثمارات إضافية تقدر ما بين تريليون وتريليوني دولار سنويا، أي ما يعادل بين واحد في المئة و1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

حرائق الغابات مؤشر قوي على ارتفاع درجات الحرارة
حرائق الغابات مؤشر قوي على ارتفاع درجات الحرارة

وفي حالة تحقيق ذلك، وهذا ما يأمله المختصون والعلماء بالفعل، سيكون الانخفاض في مستويات المعيشة بحلول عام 2050 بالدول المتقدمة والنامية عند ما يصل لأقل من 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولكن التساؤل الأبرز في ضوء ذلك هو هل أن الحكومات قادرة على ذلك؟

ويرى خبراء لجنة تحول الطاقة أنه ستكون هناك حاجة لإدخال تحسينات كبيرة على صعيد كفاءة الطاقة، إذ سيتعين رفع الإمدادات العالمية السنوية من الكهرباء بأربعة أو خمسة أمثالها لتصل إلى ما بين 90 ألفا و115 ألف تيراواط ساعة، وسيحتاج المعدل السنوي لطاقة الرياح والطاقة الشمسية لأن يكون ستة أمثال الزيادة التي تحققت في العام الماضي.

والصين لديها المصادر والتكنولوجيا التي تجعلها اقتصادا غنيا ومتطورا وخاليا من انبعاثات الكربون بحلول 2050. وقالت اللجنة إنه يتعين أن تكون جميع الدول النامية قادرة على الوصول إلى مستوى القضاء الكامل على الانبعاثات بحلول 2060 على أقصى تقدير، لكنها ستحتاج استثمار تنمية لجذب مستثمري الطاقة النظيفة بالقطاع الخاص.

وما يزيد من تعقيد التوصل إلى حلول جماعية هو تأجيل قمة المناخ التي كان من المقرر أن تنظمها الأمم المتحدة بمدينة غلاسكو باسكتلندا في نوفمبر المقبل، بسبب وباء كورونا، الذي يعتبر أحد العراقيل التي لم يكن يتوقعها الخبراء أمام هذه القمة المصيرية لمواجهة الاحتباس الحراري، والذين حذروا في السابق من أن الطريق إلى الأمان المناخي مليء بالمخاطر.

ويشكل هذا المؤتمر المتمحور حول التنوع الحيوي فرصة للآلاف من الأطراف الفاعلة في حفظ الطبيعة من حكومات ومنظمات غير حكومية وخبراء، لتحديد أولويات ومباشرة تحركات جديدة لحماية الأنظمة البيئية التي يعرضها الإنسان للخطر مع أنها أساسية لاستمراريته.

Thumbnail
6