عجن عجنتيه.. يالرفله كليه

الأحد 2013/12/29

عنوان المقالة هو مثل شعبي يُقال للمرأة الخرقاء التي لا تُحسن أعمال ” الطبخ والنفخ ” وشؤون المنزل بصفة عامة، فيٌقال لها كلي ما صنعته يداك. والمثل ورد في صيغ عديدة مثل ” طبخ طبختيه..”، أو خبز خبزتيه..”، أو “حوفك يالرفلة كليه “، وفي صيغ أخرى ولكنّ المعنى في النهاية واحد وهو أن يتحمل المرء نتائج عمله، أو نتائج تخطيط كان يظن أنه ذكي ومناسب في حينه، فيما يتبدى لاحقاً أنه كان عملا أخرق وتخطيطا ينقصه النفس الطويل، كمثل صاحبتنا الرفله التي يُضرب بها المثل.

بطبيعة الحال فإن الرفله لا تعرف أنها رفله، ولا تعتقد أنها رفله، حتى لو نُصحت وأُثبت لها أنها رفله، بل ربما ظنت أنها في غاية الذكاء والألمعية والخبرة وحسن الحكم على الأمور، حتى يتبين لها ذلك لاحقاً حين تٌعاني مما صنعت يداها، وينطبق عليها قول دريد بن الصمة: ” نصحتهم نصحي بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد”.

دار هذا المثل الشعبي في الذهن وأنا أتابع أعمال العنف في مصر وليبيا واليمن وغيرها من بلاد ” الربيع ” العربي، وما يعتمل في أحشاء بلاد ” الصيف ” العربي، إن صح التعبير، من إمكانية انفجار أمور تتفاعل في الداخل، فالظروف في النهاية واحدة، وإن كان هناك اختلاف نسبي يقل هنا ويزيد هناك. بل وفرض هذا المثل نفسه حقيقة مع القرار الأخير في مصر باعتبار جماعة ” الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية، بعد أعمال العنف الأخيرة التي تشير أصابع الاتهام فيها إليهم أو إلى المتعاطفين معهم. ينطبق هذا المثل حقيقة على سلوك كل المنظمات والجماعات المسيّسة للدين، غير ناسين أو متناسين أن ذات الأنظمة وذات السلطات الحاكمة هي من سيّس الدين أولا، فكان أن ارتد عليها سلاحا بدا ملائما لها في يوم من الأيام، فإذا هو يرتد عليها بعد ذلك، ولسان حال الزمان يقول: ” خبز خبزتيه، يالرفله كليه “، وللدهر في أحواله عجب.

ولهذا السلاح العجيب ذو الحدين، سلاح الدين في السياسة، قصة لا بد أن تروى أو جزء منها، فلعل الذكرى تنفع المؤمنين، بل وحتى غير المؤمنين، رغم أن فيلسوف الألمان فريدريك هيغل (1770-1831) يقول: ” نتعلم من التاريخ أن أحدا لا يتعلم من التاريخ “..

أيام الحرب الباردة العربية في الخمسينات والستينات، والتي كانت إلى حد كبير انعكاسا للحرب الباردة الدولية، كان المعسكران الرئيسيان في تلك الحرب هما الجمهورية العربية المتحدة (مصر)، والمملكة العربية السعودية، بمثل ما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما معسكرا الحرب الباردة العالمية الرئيسيان في ذلك الوقت. وكان يقف على رأس السعودية ومصر زعيمان كاريزميّان قويان هما الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز (1906-1975) والرئيس الراحل جمال عبدالناصر (1918-1970)، رحمهما الله، الأول كان يمثل معسكر المحافظين المتحالفين مع الولايات المتحدة، أو ” الرجعيين ” وفق وصف المعسكر الآخر، والثاني كان يمثل معسكر الثوريين المتحالفين مع الاتحاد السوفيتي، أو ” الشيوعيين ” على إطلاق العبارة، وفق نظرة المعسكر المضاد، أو هما وفق التصنيف الفكري للدكتور مجيد خدوري، ” المدرسة التقليدية المثالية المعتدلة “، ويمثلها فيصل، و” المدرسة العقائدية ” ويمثلها عبدالناصر (مجيد خدوري. عرب معاصرون، أدوار القادة في السياسة، بيروت: الدار المتحدة للنشر 1973). وإلى أن حدثت الهزيمة العربية في حرب يونيو/ حزيران عام 1967، كانت إيديولوجيا القومية العربية التي كان يبشر بها جمال عبدالناصر (أمجاد يا عرب أمجاد، في بلادنا كرام أسياد)، هي الإيديولوجيا الرائجة في عالم العرب، وكان “النفس الثوري القومي ” ينتشر بين العرب في كل مكان، حيث يمكن وصف ما يجري تلك الأيام، وخاصة في أعقاب العدوان الثلاثي عام 1956 وحتى هزيمة حزيران، بأنه نوع من ” صحوة قومية “، استغله عبدالناصر في الترويج لنظامه من ناحية، وكسلاح في حربه الباردة والساخنة ضد أنظمة عربية أخرى، وخاصة في العراق والسعودية واليمن ومن ثمة سوريا البعثية، رغم أنها تشاطره التعاطف القومي. في المقابل، وكرد على الإيديولوجيا القومية، قام الملك فيصل بطرح الإيديولوجيا الإسلامية (إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية، من مكة فيصل أعلنها إسلامية إسلامية)، وفتح أبواب السعودية لكل أطياف الإسلامويين المطاردين في مصر وسوريا، وخاصة الإخوان المسلمون، حاملين معهم التفسير المسيّس والمؤدلج للإسلام من خلال كتابات حسن البنا والأخوين محمد وسيد قطب وغيرهم، الذين اندسوا دون ضجة في تلافيف مؤسسات التنشئة السعودية، وخاصة الجهاز التعليمي، واستطاعوا في النهاية، وبما عُرف عنهم من صبر وطول بال وتخطيط متأن طويل الأمد واقتناص لأدنى الفرص، فقلبوا السلفية السعودية التقليدية المهادنة للسلطة حتى لو وقفت منها موقف المعارض، أسوة بالموقف السني التقليدي من عدم جواز الخروج على الحاكم إلا إن أظهر كفرا بواحا، إلى سلفية جهادية تجيز الخروج على الحاكم، حتى لو لم يظهر منه أي إشارة لكفر بواح، وهو في ظني ما أدركه الملك عبدالعزيز (1876-1953) بثاقب نظر حين قابل حسن البنا (1906-1949)، الذي كان يزور المملكة عام 1936 لأداء فريضة الحج، وطلب من الملك إنشاء فرع للإخوان في السعودية، فرد عليه الملك عبدالعزيز رافضا ذلك: ” كلنا إخوان وكلنا مسلمون”، خاصة وأن معركة السبلة عام 1929 مع ” إخوان من طاع الله”، ليست بعيدة عن ذهن عبدالعزيز.

بطبيعة الحال لم يخطر للملك فيصل، التقيّ الكاره للشيوعية والصهيونية، على بال أن تؤول الأمور إلى ذلك الشكل نتيجة استقبال الفارين الإسلامويين من القمع والسجون المصرية والسورية، بمثل ما أن الدكتور الطيب فرانكستين لم يخطر على باله أن ينقلب مخلوقه عليه.

فليس من الضروري أن تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر دائما، وخاصة عندما تدخل متغيرات كثيرة في الاعتبار، فلم يكن استقبال الملك فيصل للفارين إلا نوعا من ورقة سياسية في المقام الأول، مع عدم إغفال التعاطف الديني والإنساني، وكانت تبدو ورقة رابحة في حينها.

ذات الشيء حدث لاحقاً مع دخول السوفيت إلى أفغانستان عام 1979، وبداية حركة ” الجهاد ” الإسلامي، والبداية الحقيقية لما سُمي ” الصحوة الإسلامية ” التي حلت محل “الصحوة القومية ” الآفلة، حيث استخدم الدين كورقة سياسية رابحة في الصراع مع الاتحاد السوفيتي، سواء من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها وخاصة السعودية، حيث اعتبروا ” مقاتلو حرية ” من الجانب الأميركي، و”مجاهدون ” من قبل السعودية والحلفاء المسلمين، وما القاعدة وطالبان مثلا إلا نتاج استخدام الدين بوصفه ورقة سياسية آنية، ولكن ها هو السلاح يرتد إلى صدور مستخدميه الأوائل من قبل الذين تحولوا اليوم إلى “إرهابيين” في أميركا وأوروبا والسعودية ودول الربيع العربي وغيرها، بعد أن انتهى الغرض منهم.

ما يجري في مصر اليوم من عنف يقف وراءه الإخوان ومؤيدوهم بصفة خاصة، هو جزء من ذات القصة: التلاعب السياسي بالدين. فالإخوان مثلا هم في بداياتهم تنظيم ساعدت بريطانيا على تقويته للضغط على القصر الملكي المصري، أي مجرد ورقة سياسية، ولكنه في النهاية أصبح عامل قلق وتهديد دائم لاستقرار النظام والسلطة في مصر، سواء قبل حركة يوليو/ تموز عام 1952، أو بعد ذلك، فكان قمعهم واضطهادهم المستمر الذي وفر لهم شعبية واسعة على مدى السنين، خاصة وهم يستندون إلى مفهوم “المظلومية ” لاستدرار عطف الوجدان الشعبي البسيط، بالإضافة إلى التلاعب السياسي بمفاهيم دينية هم من أبرع اللاعبين بها، إن لم يكونوا الأبرع.

أما بالنسبة إلى التيارات السياسية الدينية الأخرى في مصر، وكلهم بالمناسبة خرجوا من عباءة الإخوان المسلمين بشكل أو أخر، وخاصة ” القطبية “، فقد كانت فترة حكم الرئيس أنور السادات (1918-1981) هي فترتهم الذهبية، حين فتح لهم ” الرئيس المؤمن ” القمقم، مستخدما إياهم ورقة سياسية ناجحة لضرب كافة التيارات السياسية المناوئة له، وخاصة اجتثاث التيارات القومية واليسارية، فكان أن اغتالوه في نهاية المطاف. وفي أعقاب ثورة 25 يناير/ كانون ثاني الشعبية، وخلع الرئيس حسني مبارك (1928-؟)، تمكن الإخوان من استغلالها، بما لهم من قدرات وخبرة تنظيمية، وشعبية واسعة، والوصول إلى السلطة ومحاولة “أخونة ” الدولة المصرية برمتها، لولا أن أسقطهم الجيش بعد ثورة 30 يونيو/ حزيران الشعبية، وعودتهم إلى العمل التنظيمي السري والعنف الذي يجيدونه، فكان قرار الحظر وتصنيفهم كتنظيم إرهابي، وهو أمر لن يحل المعضلة السياسية المصرية اليوم، فقرار الحظر وتصنيفهم كإرهابيين سيعزز من قوتهم وشعبيتهم التي فقدوا الكثير منها بعد سلطة العام الواحد الذي أمسكوا فيه بمقاليد الحكم، وسيعود اللعب على مفهوم ” المظلومية ” والوجدان الديني الشعبي من جديد، وكأنك في النهاية يا أبو زيد ما غزيت.

لب المشكلة المصرية الحالية، بل ولب المشكلة السياسية العربية المعاصرة، هو استخدام الدين بصفته ورقة من أوراق اللعب السياسي، يستخدمها الحاكم والمعارض سواء بسواء، والقرآن في النهاية، ووفق نصيحة علي بن أبي طالب لعبدالله بن عباس، رضي الله عنهم وعنا، حين بعثه لمحاججة الخوارج، ” حمال أوجه، تقول ويقولون “، أو وفق مقولته الشهيرة: ” هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، إنما يتكلم به الرجال “.

فذات النصوص الدينية يمكن استغلالها سياسيا في القمع والثورة في آن معا، حسب رغبة المُستخدم لهذه النصوص، فهو سلاح ذو حدين يستخدمه الحاكم ويستخدمه المحكوم، رجل الدولة ورجل الثورة، وهنا تكمن المشكلة التي يُعلمنا التاريخ، القريب منه والبعيد، أنْ لا حل لها إلا باحترام الدين في نصوصه المقدسة، وليس في تلك التي قُدّست باجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان، وإبعاده تماما عن اللعبة السياسية بكل لاعبيها من حاكم ومحكوم، أو دولة وثورة، التي تستغله لأغراض هي من شؤون الدنيا، التي قال عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ” أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

هنا يكمن الحل الجذري لمعضلة السياسة في عالم العرب، ودون ذلك سنستمر في لعبة مكشوفة المعالم لصراع سياسة اختلط فيه المقدس بالمدنس، فضاع المقدس وبقي المدنس في أكثر الأحيان، فالنقود الرديئة تطرد دائماً النقود الجيدة، كما يُقرر علماء الاقتصاد، آملاً أن لا تكون مقولة هيغل هي الثابتة في المقبل من الأيام، من أننا لا نتعلم من التاريخ إلا أننا لا نتعلم من التاريخ.. وقانا الله وإياكم شر المتلاعبين، ما ظهر منهم وما بطن.

6