عجينة التيه ومسرح الحياة

الأربعاء 2013/11/13

لا يكفّ التيه كمعطى أنثروبولوجي عن صوغ الفرد والمجتمع على حدّ سواء، ويترجم التعدد الكامن في الشخصية الإنسانية والازدواجية الطابعة للوجود، كما يتخذ أشكالاً من التعبير عن نفسه عبر ثورات عنيفة أو كتومة ضد النظام القائم والمستقرّ ويسمح للمرء بفهم حالات التمرد المسجلة في أوساط الشباب.

يفرز المسرح الكبير الذي هو مسرح الحياة يومياً مظاهر رعب كثيرة وأوبئة وكوارث ومآسيَ تكون من نصيب الإنسان، ينعكس الأمر على ممارساته وسلوكه التي تتحوّل بشكل تلقائيّ إلى ردود أفعال عنيفة، أو تحسّب لاشعوريّ للهرب أو التخلّص من ربقة ما يتهدّده.

تحدّث العديد من المفكرين المعاصرين والسابقين ومنهم الفرنسيّ ميشيل مافيزولي عن التيه في عصرنا الذي يعتبر صعب المراس، ويحبل بسلسلة من الانفجارات المباغتة والمداهمة هي على طريق الحصول أو تتخذ رويداً رويداً أشكالاً سياسية.

يجد أن الانشغال الشديد بحياة يغلب عليها الكيف عوض الكم والرغبة الجامحة في كسر دوائر الانغلاق والإقامة بالمكان اللصيقين بالحداثة، لهما تعبير قوي عن لحظات يبحث فيها الإنسان المعاصر عن المعدن النفيس الأسطوري، وهو بحث تمتزج فيه دينامية المنفى ودينامية الاندماج.

يوصَف الإنسان المعاصر من قبل مافيزولي بأنّه مجبول من عجينة التيه، ذلك أن التهيّؤ الدائم لشدّ الرحال في هذا المنحى يعدّ عامل تماسك واستدامة. وتحضر في هذه الحالة ضرورة الخروج من قوقعة الذات والانفتاح على الآخر ولو غلب على ذلك الانتهاك والاختراق لبعض الخصوصيّة.

هناك مَن يعتقد أنّ كلّ تجمع للناس قائم على ركيزة الرواج والتداول الأصلي لن يكتب له الاستمرار إلّا إذا دأب على التذكير بذلك ووشم آثاره بفضاءات خاصة.

وبهذا المعنى يكون التيه كوّة للتنفّس الاجتماعيّ بتركيزه على البعد البنيوي لعمليات التبادل وأشكاله، وتحضر مقولة إنّ الإنسان يؤسّس عبر مساراته اليومية لجملة طقوس هي بمثابة آثار يتركها خلفه تميز المكان، وتعبر عن الإفلات والهروب، أو الانجذاب نحو عالم المنفى.

يجد مافيزولي أن الصورة المجازية للترحال تدعو إلى التحلّي برؤية واقعية لأشياء هذا العالم. أي التفكير فيها كما هي في واقع الحال بتناقضاتها ومفارقاتها البنيوية. ذلك أن التيه يطرح مشكلة فحواها أن الهروب والاختفاء عن الأنظار ضروريان لأنهما يعبران عن حنين يعيد إلى الأذهان لحظة التأسيس. ولكي يكون الهروب ذا معنى لا بدّ أن يتحقق انطلاقاً من شيء قار وثابت، ولأجل انتهاك الحدود لا بدّ من حدود قابلة للانتهاك.

جان بودريار كان يرى في السفر تخلّصاً وديعاً من الأرض التي تأسرنا وتشدّنا إليها شدّاً ويرى أنّ ذلك في العمق امتداد طبيعي للاستقرار الناتج عن الزلزلة. وقد يكون عدم الاستقرار والتنقّل الدائم موقفاً فكريّاً وجوديّاً كحالة الشاعر سيوران الرافض لأي تقييد له في أية خانة.

هل يمكن تطويع التيه لخدمة الإنسان والإفادة من الخبرات والتجارب التي يراكمها المرء في رحلاته نحو اللااستقرار..؟ وهل يمكن إيجاد نوع من التوازن في عالمنا الذي يعجّ بحركيّة إتاهة متسارعة جرّاء الحروب والنزاعات والصراعات والظروف التي تبقي جمر التيه مستعراً، وبخاصّة في الشرق الموبوء بحكّامه ومستبدّيه..؟!

14