عداء إسرائيل.. شعار تحصن به الأسد ضد مطالب السوريين الإصلاحية

السبت 2013/09/21
إسرائيل تحشد جنودها على الحدود مع سوريا

دمشق – رغم ترحيب بعضها باتفاق نزع السلاح الكيميائي الذي يمتلكه النظام السوري كخطوة لتقليم أظافره، إلا أن المعارضة السورية بكافة أطيافها أعربت عن قناعتها بأن الرئيس السوري بشار الأسد قدّم خدمة جليلة لإسرائيل ولأمنها القومي بموافقته على تسليم سلاح سوريا الكيميائي، وذهب بعض المعارضين إلى وجود صفقة بين النظام السوري وإسرائيل يمنح الأخيرة هدية ضخمة بهذا الشكل مقابل تدخلها لصالحه لدى الإدارة الأميركية لإلغاء فكرة الضربة العسكرية التي كانت تنوي توجيهها لقوات النظام.

ورغم تصاعد الحرب الكلامية في السنوات الأخيرة بين النظام السوري وإسرائيل، إلا أن أية إشارة إلى تزايد التوتر العسكري بين البلدين لم تظهر، حتى بعد أن ضربت إسرائيل مواقع عسكرية سورية سرّية في ثلاث مناسبات خلال السنتين الأخيرتين، ورغم أنها حلّقت أكثر من مرة فوق قصور رئاسية سورية في نزهة لم تسفر عن أي رد فعل سوري عملي.


الكرامة الوطنية


المعارض السوري البارز ميشيل كيلو، والقيادي في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، شدد على أن الرئيس السوري بشار الأسد يحاول تسليم إسرائيل أسلحته الكيميائية مقابل أن تقوم بإقناع الولايات المتحدة بإلغاء الضربة العسكرية. وقال «لقد قال شمعون بيريس إن الإسرائيليين يريدون الأسلحة الكيميائية السورية، بينما كان النظام السوري يقول دائما إن هذه الأسلحة هي أسلحة ردع ضد إسرائيل، واليوم يقول الأسد للإسرائيليين أنا مستعد لأن أسلّم لكم سلاح الردع هذا، لأنكم ضغطتم على الرئيس باراك أوباما ومنعتوه من القيام بضربة عسكرية لسوريا، إنه أمر واضح كوضوح الشمس».

من جهته قال منذر خدّام، الناطق باسم هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي المعارضة في سوريا، إن نزع السلاح الكيميائي من وجهة نظر التوازنات الإقليمية يعتبر مهانة لسوريا، وشدد على أنها الآن خرجت من معادلة الصراع مع إسرائيل.

وحول الشكوك بنوايا النظام تسليم أسلحته الاستراتيجية في ظل حرب لم تنته مع إسرائيل، قال منذر خدام، الناطق باسم الهيئة ورئيس المكتب الإعلامي فيها لـ (العرب) «إن خيار النظام الاستراتيجي تجاه إسرائيل هو الحل السلمي التفاوضي وليست الحرب، وكان السلاح الكيميائي قبل اندلاع انتفاضة الشعب السوري عنصرا مهما في تأمين هذه السياسة، لكن اليوم وبعد الدمار الشامل الذي حصل في البلد بسبب النهج العنيف الذي اعتمده النظام للرد على مطالب الشعب المشروعة وتدخل الآخرين في الشأن السوري فإن سوريا بكاملها قد خرجت من معادلة الصراع مع إسرائيل وبالتالي فإن نزع هذا السلاح مع كل ما يصيب الكرامة الوطنية من شعور بالمهانة لن يؤثر في معادلة الصراع، بل سيصير عبئا على الدولة السورية في مرحلة إعادة الإعمار، وربما في نزعه يُقدّم خدمة للشعب السوري من خلال فتح المسار السياسي»، وتابع «إضافة إلى ذلك يجري الحديث عن احتمال جعل جميع دول المنطقة توقع على اتفاق حظر الأسلحة الكيميائية بما في ذلك إسرائيل، وإن صح ذلك فإن نزعه سيُقدّم فائدة في هذا المجال، وفي المستقبل عندما تبدأ ورشات الإعمار التي سوف تستمر عقودا من السنين لن تكون سوريا بحاجة إلى جيش كبير» حسب رأيه.

مصلحة الغرب


خالد الأيوبي، القائم بأعمال السفارة السورية في لندن والمنشق عن النظام شدد بدوره على أنه من مصلحة الولايات المتحدة والغرب عموما تخليص النظام السوري من أسلحته الكيميائية «التي يملكها لمصلحة إسرائيل» ومن ثم سيبقى انهياره مسألة وقت.

ورأى أن الدول الغربية واعية تماما لمسألة أن النظام في حال سقوطه سواء بضربة عسكرية أو على يد مقاتلي المعارضة سيشكل «كارثة وخطرا كبيرا على إسرائيل» باعتبار أن الأسلحة الكيميائية ستصبح في يد غير أمينة من وجهة نظرهم وستهدد الأمن الإسرائيلي، وبانتزاع تلك الأسلحة يتحقق هدف الدول الغربية وأميركا دون إطلاق ولو حتى صاروخ واحد، وفق رأيه.

لم يختلف موقف إخوان سوريا عن موقف زملائهم في قوى وتيارات المعارضة السورية الأخرى، وشدد زهير سالم، الناطق السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين ومدير مركز الشرق العربي للدراسات، على أن تدمير سلاح الدولة السورية الاستراتيجي «لم يكن في أي لحظة من اللحظات هدفا للثورة والثوار، ولا يجوز أن يكون».

واشترك مسيحيو سوريا في المعارضة مع رأي إخوان سوريا في تفسيرهم لموقف النظام من إسرائيل والفائدة العظيمة التي قدّمها لها بقبوله تسليم مخزونه من الأسلحة الكيميائية التي كانت في وقت ما بنظر السوريين وسيلة ردع لإسرائيل.

وقال سليمان يوسف، المعارض السوري والباحث المختص بقضايا الأقليات، لـ (العرب) «إن المبادرة الروسية المدعومة من الإدارة الأميركية والمتعلقة بوضع السلاح الكيميائي السوري تحت المراقبة الدولية لقاء تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ ضرباتها، جاءت لتعزز الشكوك بنوايا وأهداف التهديدات الأميركية للنظام السوري، وكأن أميركا تقول للنظام لا مانع من أن تقتل السوريين وتدمر المدن بالأسلحة التقليدية وبالبراميل المتفجرة، ويبدو جليا أن الهدف الأميركي هو تجنيب إسرائيل خطر هذا السلاح».


الأسد ملك إسرائيل


يقضي الاتفاق الروسي – الأميركي بتقديم النظام السوري لائحة تتضمن كل المعلومات عن ترسانته الكيميائية خلال أسبوع، وأن يذهب المفتشون الدوليون إلى سوريا للقيام بعمليات التفتيش والتحقيق في أواخر تشرين الثاني- نوفمبر المقبل، على أن يتم تدمير هذه الترسانة كاملة في أواسط العام المقبل 2014.

استخدم النظام السوري طويلا تعبير «بلد الصمود والمقاومة» منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، وشدد في أدبياته وإعلامه وسياساته المعلنة على أن إسرائيل هي العدو الأول، وأن سوريا ستبقى في مواجهتها طالما استمرت باحتلال أراضيها، وأجّل النظام مشاريعه الإصلاحية بحجة أن الأولوية الآن لمقاومة المشروع الإسرائيلي والصهيوني، وشدد على أن سوريا ستبقى شوكة في حلق إسرائيل، كما برر تحالفه مع إيران ودعمه لحزب الله بمبرر دعمه للمقاومة.

ترى المعارضة أنه في الواقع العملي، وبعيدا عن التلاعب بالألفاظ السياسية، يبدو أن الوضع بين سوريا وإسرائيل خلال الأربعة عقود الأخيرة لم يكن بهذا التدهور، فالسلام بالنسبة إلى قادة كلا البلدين كان واقعا، فلا إسرائيل شنت حربا على سوريا خلال الأربعين سنة الماضية ولا سوريا أطلقت رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل، كما أن الحدود بين الدولتين كانت من أكثر الجبهات هدوء واستقرارا.

وكانت مصادر أميركية قد سرّبت بعد مرور نحو عام من بدء الثورة في سوريا أن وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك، وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، طلب من الإدارة الأميركية أن تخفف الضغط على الأسد خوفا من البديل.

وتذكّر هذه التصريحات بما قاله رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري في مقابلة مع صحيفة (نيويورك تايمز)، بأن أمن إسرائيل واستقرارها هو جزء من أمن واستقرار سوريا، واعتبرها المراقبون في حينها اعترافا بأن سوريا تقبل حالة الهدوء على الحدود الإسرائيلية وتسكت عن احتلال هضبة الجولان.

كما يعود الآن إلى الواجهة تقرير صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية الذي حمل عنوان (الأسد ملك إسرائيل)، والذي أشارت فيه إلى أن تصريحات النظام السوري ضد إسرائيل ليست سوى مجرد شعارات استُخدمت كصمام أمان ضد أية مطالب سورية شعبية كالحرية والإصلاح، وذكّرت أن النظام السوري لم يُطلق رصاصة واحدة على الحدود منذ عام 1973، وأكّدت أن الكثيرين من الشعب الإسرائيلي يصلون بأن يبقى الرئيس السوري، وأنهم يطلقون عليه لقب «ملك إسرائيل».

الاتفاق الأميركي-الروسي
يقضي الاتفاق الروسي – الأميركي بتقديم النظام السوري لائحة تتضمن كل المعلومات عن ترسانته الكيميائية خلال أسبوع، وأن يذهب المفتشون الدوليون إلى سوريا للقيام بعمليات التفتيش والتحقيق في أواخر تشرين الثاني- نوفمبر المقبل، على أن يتم تدمير هذه الترسانة كاملة في أواسط العام المقبل 2014.

وأعلن وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف عن الاتفاق على بذل جهود لتنفيذ المبادرة الروسية. وأكد كيري أن العالم سيشاهد عن كثب هل سيلتزم الأسد بالتخلي عن السلاح الكيميائي، قائلا إن أمامه ثلاثين يوما لتقديم بيانات بمخزون السلاح، مشيرا إلى أنه «لا بد أن تكون الوعود حقيقية.

وعلى عكس ما تدّعيه السلطات السورية، لم تنقطع الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وسوريا منذ ثمانية عشر عاما، حين بدأت مفاوضات السلام بين البلدين في مؤتمر مدريد، ولم تمر سنة منذ ذلك الوقت إلا وحصل فيها تحرك دولي باتجاه البحث عن اتفاق بينهما، ففي عام 1994 أُجريت مفاوضات على مستوى السفيرين في واشنطن، وفي العام نفسه والذي يليه عُقدت سلسلة اجتماعات لرئيسي هيئتي أركان البلدين، وفي العام 1995 وافقت سوريا على استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة وكان وليد المعلم كبير المفاوضين السوريين، تلتها جولة ثانية في عام 1996.

وفي عام 1999 استؤنفت المفاوضات بين أيهود باراك وفاروق الشرع، وجرت مجموعة لقاءات بينهما في العام نفسه والعام الذي يليه، وبعد تولي بشار الأسد السلطة، تسربت عام 2007 أخبار مفاوضات سرية بين البلدين، وفي عام 2008 بدأت سلسلة لقاءات علنية وغير مباشرة بين وفد سوري وآخر إسرائيلي عبر وسيط تركي في إسطنبول، وفي نهـــاية الجولة الرابعة أعلن السوريون استعدادهم لمفاوضات مباشرة، واشترطوا أن يتم ذلك برعاية أميركية، وتوقفت المفاوضات بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2009، فضلا عن لقاءات عديدة غير رسمية طوال العقدين الماضيين بين أكاديميين سوريين محسوبين على النظام وأقرانهم الإسرائيليين، ومعلومات عن تبادل رسائل بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أيهود أولمرت والرئيس بشار الأسد بمعرفة دول عربية وأوروبية.

7