"عداء النصل".. صراع لا ينتهي رغم فناء الكوكب الأرضي

تُعدّ حقيقة ما بعد فناء الكوكب الأرضي موضوعا مميزا في القراءات المستقبلية وكذلك في الأعمال الإبداعية التي تستقرئ المستقبل، هناك مزيج من الوقائع الدالّة على ما هو آت من جهة، كما أنه هناك في الجهة الموازية أيضا مساحة الخيال العلمي الواسعة التي وجدت أفقها الواسع سواء في الأدب أو في السينما.
الاثنين 2018/01/29
إبهار بصري

لم يعد موضوع ما بعد فناء الكوكب الأرضي موضوعا مميزا على صعيد سينما الخيال العلمي، ولم يعد مشوّقا بما فيه الكفاية بسبب تمكن جمهور المشاهدين من توقّع ما هو آت من جهة، ولتكرار المعالجات السينمائية للثيمة ذاتها من جهة أخرى.

وعلى هذا برزت تجارب سينمائية مهمة شكّلت علامات فارقة على صعيد الأفلام المستقبلية التي ترسم صورة الواقع الديستوبي الافتراضي، أي ما بعد الفناء الأرضي.

وفي فيلم “عدّاء النصل” للمخرج الكندي من أصول فرنسية دينس فيلينيوف (إنتاج 2017) هنالك الكثير من الاختلاف المنشود، والكثير من الغموض المتعلق بثيمة ما بعد الفناء مع طغيان التكنولوجيا الرقمية الحديثة، إذ تكون البشرية في العام 2049 قد بلغت مستوى عظيما من التطوّر.

والبدلاء الذين يبدأ الفيلم بالتنويه بهم مع المشاهد الأولى، هم ثمرة الذكاء الاصطناعي، وهم واقعيا طبقة العبيد المستنسخين والذين تم تطويرهم عن الجنس البشري، وهؤلاء لأسباب شتى ما لبثوا أن أصبحوا خطرا على البشر، ما يدفع إلى تعقبهم والقضاء على المتبقين منهم، وتلك هي مهمة الضابط كاي (الممثل رايان غوسلينك) الذي يقتفي أثر أحد أولئك المتبقين.

لكن هذه المهمة ما تلبث أن تتشعّب وتبرز خطوط درامية عدّة، يتّسم الكثير منها بالغموض الذي يتطلب رحيلا عبر أزمنة وأماكن متعددة، هنا سوف تنبعث أسئلة تتعلق بالوجود الحقيقي ومقابله الافتراضي، حيث أن الفيلم يعجّ بتلك الكائنات والحياة الرقمية الافتراضية، حتى أن البشر يعاشرون تلك الكائنات الافتراضية، ومنهم كاي نفسه في علاقته مع جوي (الممثلة آنا دي أرماس).

وتتخذ العلاقة العاطفة للكائنات الافتراضية هنا مسارا آخر يكمل تلك الأنماط المتعددة من الكائنات التي يعجّ بها الفيلم، فالضابط كاي يكاد يعشق خادمته الرقمية هذه، وهي التي ستذود عنه عندما يتعرّض لهجوم شرس من قبل الخصم اللدود لاف (الممثلة هولندية الأصل سيلفيا هويكس).

وخلال ذلك كله، تظهر إشكالية معقدة تتعلق بالبحث عن الطفل المختفي والذي يتوارى معه السرّ العظيم، وللوصول إلى حقيقة اختفائه هنالك الكثير من اللمحات المرتبطة بالميثولوجيا والرموز المرتبطة بالتابو، الدم والعرق، الأم الافتراضية للطفل المجهول تم قتلها بدم بارد وتجميع عظامها ووضعها في صندوق تحت شجرة، وما يتبع ذلك من صراع وموت للوصول إلى الشفرة السرية والجين الوراثي.

في فيلم "عداء النصل" الكثير من الغموض المتعلق بثيمة ما بعد الفناء مع طغيان التكنولوجيا الرقمية الحديثة

والشخصية الرئيسية التي يرتكز عليها البناء الدرامي بما تخوضه من مغامرات هي الضابط كاي بالطبع الذي يركب سيارة طائرة معززة بتكنولوجيا متطورة، وخلال ذلك هنالك قوتان أساسيتان هما قوة فرض القانون التي يمثلها كاي ومديرته جوشي (الممثلة روبن رايت)، في مقابل خصومهما الأشرار الذين يصرّون على التحكم بمن تبقى من بشر وباتجاه استنساخ كائنات بشرية أخرى.

ويعود بنا الفيلم بالذاكرة إلى فيلم سابق حمل نفس العنوان، أنتج في العام 1982 وكان الممثل المعروف هاريسون فورد هو نجم ذلك الفيلم/المغامرة، وها هو يعود لنا مجددا، ولكن في القسم الأخير من هذا الفيلم، ليخوض في البداية صراعا شرسا مع الضابط كاي ليتحالفا في مواجهة خصمهما اللدود والاس ذي القدرات الفائقة (الممثل جاريد ليتو)، حيث سنده وذراعه الضاربة هي لاف.

واحتشد الفيلم بتنوع مكاني ملفت للنظر مع خطوط سردية متعدّدة استوجبت استخداما متقنا للمؤثرات البصرية، خاصة في مشاهد مغامرات كاي وصراعاته المتواصلة وكذلك الأماكن الغرائبية التي يوجد فيها والاس.

كما أن البناء الصوري أتى مبهرا حقا، فهناك استخدام مبدع للصوت، كذلك الموسيقى والمؤثرات الصوتية لتتزامن مع الأحداث المتصاعدة ومع الأماكن الغرائبية.

وفي مقابل ذلك، لم يكن ذلك النسيج السردي الكثيف والإبهار الصوري وحشد ممثلين بارعين كافيا لتقديم قصة سينمائية متماسكة، فكلما تكامل خط سردي جيء بآخر مفعم بالغرائبية ويتطلب متابعة خاصة إلى أين سيفضي، وما بين هذه المسارات المتعدّدة امتد الزمن الفيلمي في مغامرات ومشاهد قطع أنفاس متتالية.

ولعل المزج بين الميثولوجيا والعرق وبين مستحدثات العصر الرقمي من العلامات المميزة في هذا الفيلم، أحداث هي خليط من المغامرة والاكتشاف من جهة وغوص في المجهول من جهة أخرى، وخلال ذلك تم زج ما يمكن توقعه وعدم توقعه في مشاهد الصراع، مثل استهداف المكان الذي كان فيه الضابط كاي وديكارد (الممثل هاريسون فورد)، وهي سلسلة مشاهد بارعة الإخراج شكّلت ذروة الفيلم وتوّجت بصراع اللحظات الأخيرة بين لاف والضابط كاي.

وفي المشاهد الأخيرة أيضا هناك إحساس بلا جدوى كل تلك الصراعات، إذ الجميع يخسرون تباعا، بمن فيهم كاي الذي يلفظ أنفاسه وهو يتأمل في الأفق البعيد وسط تساقط الثلوج، فيما تكون لاف قد أُزيحت عن طريقه وهي الند الخصوم، بينما بقي ديكارد مطاردا.

16