عدت يا عيد

الأربعاء 2014/07/30

حين كنتُ طفلة.. ذاتَ وطنٍ آمن.. كان للعيدِ مذاقٌ يشبهُ الحلم.. كنت أجدُ ثوبَ العيد وكأنه ثوبُ أميرة.. ارتديه فيرفرفُ حولي طائرُ الفرح والترقـّب..

كانت قائمة الزيارات تبتدئُ من بيتِ جدي.. وتكاد ألا تنتهي عند بيت أو مكان.. فخطّتنا الأولية هي بغداد “الصوبين”.. كرخها ورصافتها.. أهلٌ وأقاربُ وأحبة وأصدقاءٌ وأماكن.. يآآآآه!.. كم كنا بخير!

-" أيامكم سعيدة.."

-"وأيامكم.. كل عام وأنتو بخير"..

لم نكن لنطيل عند أحد.. فزيارة العيد قصيرة.. وتنتهي غالبا بحلوى و”شربت” و”كليجة”.. وما أن يهمّ أصحاب البيت بإعداد الشاي.. حتى نجد أهلنا يهمّون بالوقوف وصوت أبي يعلو على أصوات المعترضين: “ياااا…ألله…. يعاود عليكم بالخير..”.. ولا ينصاع إلا نادرا لمحاولات أصحاب البيت لاستبقائنا.. أو لالحاحاتنا نحن الأطفال إذ لم نلعب بما يكفي.. رغم أننا نكون قد نلنا حصّتنا من الحلويات والـ”عيديات”.. فنخرج مهللين لنهنأ مع أحبةٍ آخرين..

ها أننا على أعتاب بيت آخر.. نتسابق في رنّ الجرس.. لا أحد يرد.. لقد خرجوا “مُعيّدين” قبل وصولنا!.. يقرّر أهلي – مثل كل مرة- أن يضعوا ورقة على الباب تزيّنها عبارة: “أيامكم سعيدة”.. ولكننا لا نجد ورقة ولا قلما!.. فتكون وسيلتنا أن نقتطف وردة أو غصنا صغيرا من شجرة في الشارع (وما كان أكثرها!).. فنحشرها بين ثنايا الباب المغلق لتنوب عنـّا بتهاني العيد..

كانت قائمة الزيارات طويلة جدا.. ولم تكن لتكفيها كل أيام العيد.. ولكننا لم نكن لنتعب منها.. كنا نتململ أحيانا ونحاول أن نفرض على أهلنا خياراتنا.. لكننا في النهاية كنا نعيش مهرجانا للمتعة والبهجة.. وحين يأتي السؤال: والآن إلى أين؟ لابد وأن ينبري أحدنا باقتراح اسم طفل من الأقارب أو أخوين صغيرين من بيتِ فلان.. وكان جلّ إحباطنا حين يكون ردُّ أهلي أننا لن نستطيع زيارتهم.. فبيت فلان: “حزانى..”

ففي عُرفنا، مَن فقدَ عزيزا ولم يكن قد مرّ عام أو بعضُ عام على وفاته، لن يجوز لنا تهنئته بالعيد.. فهو في حالة حداد.. ولم يخطئ أبي يوما في هذه الحسابات.. وقد علّمنا أيضا أننا حتى لو التقينا بأحد أصدقائنا أو أقربائنا صدفة، في العيد أو بعده، وهو حزين.. فمن العيب جدا أن نقول له أيامك سعيدة.. فأيامه لابد وأن تكون حزينة.. والتهنئة قد تجرح إحساسه!

في تلكم الأيام من الطفولة الأولى.. ذات سلام.. كان لوطأة الموت جلالٌ وهيبة.. فلم يكن مدرارا مثلما صار يهدرُ علينا اليوم.. ولذا فلم يكن يسقط من قائمة الزيارات إلا بيتٌ أو بيتان في أسوء الظروف.. إلا إذا كانت أسرتنا هي التي فقدت عزيزا لها.. وحينئذٍ.. لن يكون ثمة قائمة.. ولا حتى عيد! وحين بدأت الحروبُ تزورنا حربا بعد أخرى مثل ضيف ثقيل.. بدأت معها تتناقص فرحتنا بالعيد.. وتتناقص الزيارات.. فكيف بأعيادنا في هذه الأيام؟!

الموت في كل مكان.. والحزن والقطع السود تغطي على ألوان الشوارع: البيوت منكوبة.. والبلاد منكوبة.. حصدت الحربُ البشرَ والشجرَ والحجر.. فالدفءُ يتداعى والبيوتُ تتداعى والحضارة تتداعى.. والإنسان خراب!

ولم يعد للعيد مذاق يشبه الحلم.. فقد أودت الحروب بأحلامنا.. طائر الفرح حلّق عاليا.. هجّروه إلى مخيمات العراء.. بعد أن سلبوا ماله وعرضه وأرضه وحضارته..

ولم نعد نملك إلا أن نعتذر لأطفالنا.. فلا عيد لنا أو لهم.. قبل أن تزول عن أهلنا رايات الحداد.. حينئذٍ.. سنضعُ غصن زيتون على كل باب.. لينوب عنا.. بتهاني السلام.

21