عدت يا يوم مولدي

ثمة مشاعر تتجدد مع تجدد الحياة، وثورة مستحقة على الرتابة والجمود يجب أن نعيشها، محاولة تغيير مهما طال الزمن تطاردنا كالظل، فإما نعيشها لندرك الفارق، وإما تبقى حبيسة الفكر، والعقل الباطن.
الاثنين 2019/08/26
دون أحلامك

كل عام وأنا بخير مرة أخرى جديدة متجددة وليست أخيرة، كل لحظة من حياتي وأنا أضيف لمحيطي الأسري الضيق والعائلي الواسع ومجال عملي الكثير والكثير.

كل عام وأنا أجلس القرفصاء في ركن قصي أكتب نفس الورقة التي غمستها قبلا في العطور وأدون ما تحقق من أحلامي، وأكتب الجديد الذي ينتظر، كل عام تمر ذكرى ميلادي مرورا يليق بعام كامل رحل وآخر يطرق الباب أحلم فيه بأحلام بمساحة الكون، ذكرى 365 يوما لا تفارقني هكذا دون شد وجذب بيني وبين الأيام.

أحتفل بيوم مولدي بطريقة ما، ليس بالطبع بقالب الحلوى الفاخر ولا زينة عيد الميلاد المرصعة بالأنوار والأضواء الباهرة، ولا شرائط الساتان الملونة.

لكنني في كل عام أبتكر لنفسي طريقة للاحتفال، لا أمل من كتابة الورقة المدونة عليها الأحلام، ولا يتملكني الضجر من سنوات مرت وأحلام عديدة سقطت سرقها الزمن وداستها أقدام الحياة، أو أخرى طواها النسيان وكان الجانب المادي بطل سقوطها السحيق، فلم أستطع تحقيقها فقط لأنني لا أملك المال الكافي لهذا الحلم.

أحتفل بيوم ميلادي، نعم، ولم لا؟

كل منا يحتاج إلى نثر بعض البهجة على الحياة، للاحتفال الدافئ بأيام عمره مهما مر الزمن، أن يستنشق هواء مغايرا عن المتاح في الغلاف الجوي، أن يطلق لطفله الحبيس خلف المنصب والمكانة الاجتماعية والنظارات الطبية السميكة، والألقاب الرصينة، العنان للقفز بين الحين والآخر لتحقيق حلم مختبئ في سنوات العمر.

أن ينفض الغبار عن أحلام تراكمت عليها السنوات، وطمس الزمن معالمها، فاعتقد البعض أنها من الماضي، لكنه وحده من يراها طازجة صالحة للتحقق.

أبهجني منذ فترة خبر مقتضب عن امرأة سبعينية، أميركية الجنسية حضرت إلى مصر لتحتفل بعيد ميلادها بطريقة جديدة مبتكرة، وأن عيد ميلادها في السماء سيكون أجمل، والحقيقة أن ابنها الذي يجيد القفز بالمظلة من ارتفاعات شاهقة هو من شجعها على هذا الفعل، وجهز لها الرحلة الرائعة، فقام مارك دونكر بهذا العمل من أجل إسعادها بطريقة غير نمطية، أراد أن يحتفل بعيد ميلادها بإشراكها في قفزة من على ارتفاع 15 ألف قدم.

وبالرغم من أن السيدة تقفز للمرة الأولى في حياتها، مفتقرة لمهارات القفز أو اللياقة المطلوبة، إلا أنها وابنها أرادا الاحتفال بطريقة مبتكرة بيوم مولدها، ومن حسن الحظ ولمعرفة ابنها بأن رياضة القفز لا تحتاج إلى مهارات معينة، تتطلب سلامة الشخص الجسمانية والنفسية، والرغبة في تجربة الأمر. هالتها المفاجأة وعدم الترتيب، فعنصر المفاجأة هو ما صنع الإبهار الحقيقي.

قبل خوضها التجربة بصورة واقعية، شاهدت ابنها وهو يقفز من نفس الارتفاع الشاهق، رغم تملك الرهبة من قلبها، إلا أنها لم تخف انبهارها حينما أخبرها الفريق المنظم لرحلات القفز بالمظلات بأن عليها الصعود إلى الطائرة.

وصف المشرف على الفريق  مشاعرها بقوله “كانت سعيدة بشكل هستيري لكن في نفس الوقت عندها رهبة”. وللقفز فوق أهرامات الجيزة بمصر متعة لا توصف، وجربت السبعينية الجميلة، وقبل القفز المنفرد شاركت مع 21 قافزا في قفزة جماعية فوق الهرم مباشرة من خلال تشبيك الأيدي ببعضها لتشكيل حلقة دائرية في الهواء قبل فتح المظلات وخوض كل منهم تجربة الهبوط منفردا.

هكذا أرسلت المرأة رسالة بلا كلمات، بأن الحياة تجربة جديرة بأن تعاش، وأن يوم الميلاد ذكرى متكررة تتطلب أن نستقبلها بمزيد من الأماني والرغبات، وقدر هائل من الأحلام، غير عابئين بالمقولات التعجيزية التي تضيف للعمر مزيدا من السنوات، وتثقل النفس بالهموم، تلك التي تقول، راحت عليك!

ليس في القوانين ولا الأعراف ما يثبت أن الإنسان يفقد صلاحيته في توقيت محدد، ولا ما يؤكد أن عدد سنوات بعينها تحيل المرء إلى التقاعد النفسي والاجتماعي.

ثمة مشاعر تتجدد مع تجدد الحياة، وثورة مستحقة على الرتابة والجمود يجب أن نعيشها، محاولة تغيير مهما طال الزمن تطاردنا كالظل، فإما نعيشها لندرك الفارق، وإما تبقى حبيسة الفكر، والعقل الباطن.

من فضلك دون أحلامك للعام الجديد من حياتك، واحتفظ بالورقة في مكان يليق بأحلامك العظيمة، وفي نهاية العام ومع بداية عام جديد، تأكد من أنك حققت ما تستطيع تحقيقه، وابذل قصارى جهدك لإضافة أحلام جديدة كل عام، اكتب ما تبقى من أحلامك دون تحقيق إلى جانب الجديد وحارب من أجلها، بالتأكيد الكثير من أحلامك حصدت الخذلان، لكن يبقى الأمل، فك قيود الأمنيات.

21