عدد العمليات الإرهابية مؤشر على اختلاف أوضاع المسلمين في الغرب

التهديد الإرهابي لا حدود له عالميا، إلا أن انتشاره لا يتسم بالتساوي بين أوروبا وأميركا، فالسياق الأوروبي يقوم على وجود مسلمين يعانون من الاستلاب وارتفاع نسبة البطالة، ويقيمون في غيتوهات معزولة إضافة إلى وجود مستوى أمني متدن، ولكن ذلك يختلف بصورة كبيرة عمّا نجده في الولايات المتحدة.
الاثنين 2016/09/19
خطوات آمنة لمسلم أميركي على عكس نظيره الأوروبي

بروكسل - بداية علينا إلقاء نظرة على جاليات الأقلية المسلمة في أميركا الشمالية وأوروبا، فالجاليات المسلمة في الولايات المتحدة مكونة في الأغلب من أسر ميسورة أو متوسطة جاءت من دول ذات أغلبية مسلمة.

وبالمقارنة، فإن الجاليات المسلمة في أوروبا بدأت بقدوم فلاحين فقراء جاؤوا كعمال في المصانع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان من المتوقع عودتهم إلى أوطانهم، ولكنهم ظلوا حتى بعد زوال الصناعات التي كانوا يعملون فيها.

وكان المسلمون قد قدموا فقراء، وظلوا كذلك إلى حد كبير، وتدنى مستوى التحاقهم بالتعليم العالي وعانوا من ارتفاع نسبة البطالة في أوساطهم مقارنة بالمواطنين من غير المسلمين، كما أن هنالك عددا أكبر من المتطرفين في أوساطهم مقارنة بالولايات المتحدة. وفي بلجيكا يرتفع عدد المتطرفين بصورة كبيرة. فوفقا لتقرير “جماعة صوفان” الصادر في العام الماضي، على سبيل المثال، ذهب 470 مسلما بلجيكيا للقتال في سوريا والعراق، وذلك من بين 660 ألفا تعداد المسلمين في البلاد.

وبالمقارنة، فإن ما يقدر بحوالي 250 أميركيا مسلما ذهبوا إلى سوريا والعراق من بين جاليات مسلمة يبلغ تعدادها خمس مرات وأكثر من تلك المقيمة في بلجيكا. وتعداد الجالية المسلمة في أميركا يقدر بحوالي 3.3 ملايين نسمة. وبصفة عامة، فإن نسبة التحاق مسلمي دول أوروبا الغربية بداعش، تبلغ ثلاث مرات أكثر من مسلمي أميركا.

وهنالك أيضا مؤشر آخر علينا النظر إليه، ألا وهو أنه منذ اعتداءات 11 سبتمبر، نجد أن أكبر اعتداءات وقعت في أوروبا هي تلك التي ارتكبت في مدريد عام 2004 وفي لندن عام 2005، وباريس عام 2015 وفي بروكسل عام 2016، وراح ضحيتها 426 شخصا على الأقل. أما في الولايات المتحدة فإنه حتى عند جمع عملية إطلاق النار في قاعدة فورت هود، واعتداء ماراثون بوسطن وسان بيرناردينو، نجد أن إجمالي عدد الضحايا لم يتعد 45 شخصا.

والسبب الرئيسي الذي يجعل فرص وقوع حدث يشبه اعتداء باريس أو بروكسل في الولايات المتحدة منخفضة، هو الجهد المبذول للتقليص من فرص وقوع مثل هذه التهديدات أو الأعمال الإرهابية منذ اعتداءات 11 سبتمبر عام 2001. ولكن هناك اختلافا ملحوظا بين فرنسا والولايات المتحدة في علاقتهما بالسكان من الجاليات المسلمة، خاصة في ظل وجود العديد من العوامل التي تساهم في تهديدات الإسلام الراديكالي المنظمة، خلافا للهجمات التي تأتي من قبل الأفراد والمستوحاة ببساطة من طريقة تفكيرهم، وعلى الأرجح هذا ما يحدث في فرنسا دون أن ننسى التاريخ الاستعماري ودوره غير المباشر في زيادة عزلة الجاليات الإسلامية فيها.

وفضلا عن ذلك، يبدو أن قرب فرنسا واتصالها مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يزيدان من احتمالات سفر الشباب إلى سوريا للانضمام إلى مسلحي تنظيم داعش، وبعد ذلك يعودون إلى فرنسا مع نوايا لتنفيذ هجمات كالتي وقعت في باريس العام الماضي، ورغم ذلك، لم تظهر أي أدلة تشير إلى أن هذا ما حدث في الهجوم القاتل بمدينة نيس.

الجاليات المسلمة في الولايات المتحدة مكونة في الأغلب من أسر ميسورة أو متوسطة، جاءت من دول ذات أغلبية مسلمة

ويذكر أن فرنسا لا تقوم بجمع بيانات التعداد على أساس الانتماء الديني، ولكنها تقدر عدد المسلمين بحوالي 5 إلى 10 بالمئة من مجموع 65 مليونا من عدد سكانها، وهو ما يجعلها الدولة التي تشتمل على أكبر عدد من المسلمين في أوروبا الغربية.

وتعود جذور العديد منهم إلى الجزائر وتونس، وكلتاهما كانتا من المستعمرات الفرنسية السابقة، حيث وصل الآباء والأجداد كعمال مهاجرين يساعدون في إعادة بناء فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي وجود أكثر من 470 ألف شخص قادمين من الجزائر وحدها بحلول العام 1968، وصل العدد إلى 800 ألف شخص بعد عشر سنوات.

وبحلول وقت ما بعد استقلال الجزائر في العام 1962، وبعد ست سنوات من استقلال تونس ظهرت دلائل على وجود اضطرابات في علاقة فرنسا بالمهاجرين المسلمين من شمال أفريقيا. وقال جيل كيبيل، وهو خبير سياسي فرنسي متخصص في شؤون الإسلام، “كان البناء والصناعات التحويلية والوظائف لديهم بدأت تجف، وكانت هناك الكثير من الالتزامات تجاه دينهم باعتباره وسيلة لاستعادة إحساسهم بالكرامة”.

فرنسا تناضل بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة لاستيعاب المهاجرين إليها، بينما المسلمون في فرنسا اليوم، وحتى الجيل الثاني والثالث، متمركزون في مناطقهم الخاصة بهم، والمعروفة باسم الضواحي، حيث الشعور السائد هو الإحباط.

ويذكر أن أبناء المهاجرين والمنتمين للفرنسيين يواجهون تساؤلات حول أصلهم، ويشتكون من أنهم لا يتمتعون بنفس الفرص الأخرى المتاحة للمواطنين الفرنسيين.

وقال ياسر لواتي، المتحدث باسم التحالف ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا، “إن المسلمين أو الأشخاص الذين يوصفون على هذا النحو، لم يتمتعوا بالمساواة في فرص الحصول على التعليم والوظائف والسكن أو حتى الرعاية الصحية”. وأضاف، “لا يمكنك أن تخبر أجيالا من الأطفال بأنهم لا ينتمون إلى هنا ويفاجأون حين يكبرون وكأنهم لا ينتمون إلى هنا”.

وبدأت حالة الانقسامات في التدهور خلال عام 2011، حيث وجد أن الدراسة التي ترعاها الحكومة لأبناء المهاجرين ترتبط بمعدل ضعف مستوى آبائهم مما يشعرهم بالعنصرية المرتبطة بالأصول، وذلك على الرغم من أنهم يتحدثون الفرنسية بطلاقة.

والمثل الأعلى للتنوع الذي تتبناه الولايات المتحدة لم يطبق في فرنسا، حيث ينظر إليه على أنه وسيلة فرنسية للتخلي عن ثقافة المكان الذي جئت منه. وكتب كيبيل، أن الحكومة الفرنسية ترى الإسلام على أنه عائق للمسلمين أمام حصولهم على فرصة أن يكونوا مواطنين موجودين.

وفي العام 2004، أصدرت الجمعية الفرنسية قانونا يحظر ارتداء كل ما يرمز للدين في المدارس العامة، ويعود تاريخ تلك الخلافات إلى العام 1989 على الأقل، عندما منعت مديرة مدرسة ثانوية ثلاث فتيات من ارتداء الحجاب في فناء المدرسة لأنه ينتهك التقليد الفرنسي المتمثل في التعليم العلماني.

ولكن النقاد يقولون إن تلك السياسات لها تأثير عكسي، وتساعد في تعميق الشعور لدى المسلمين بأن للحكومة معادية للإسلام، وأنهم لن يكونوا مقبولين تماما. ولذا أصحبت العلاقة بين المسلمين الفرنسيين والمواطنين مشحونة أكثر في ظل الهجمات الإرهابية التي يطالب بها تنظيم الدولة الإسلامية داعش.

13