عدد مرضى الربيع العربي يتزايد وأمل الحياة يتقلص

أدت النزاعات والحروب الأهلية التي اندلعت في منطقة الشرق الأوسط منذ بدء الربيع العربي في عام 2010 إلى خفض متوسط الأعمار وإلحاق أضرار بصحة المواطنين العضوية والنفسية، بعد أن انخفض صخب الشعارات الحالمة وانخفض معه الأمل في واقع أفضل، وتسببت الثورات في حدوث انتكاسة إلى الخلف لا تقدم إلى الأمام.
الجمعة 2016/08/26
ثورات حملت وعودا زائفة

باريس- ارتبط “الربيع العربي” في أيامه الأولى بالتوق إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية أفضل، لكن، بعد بضع سنوات من اندلاعه، وكما يقول الباحث اللبناني جلبير الأشقر، حلّت محل نشوة الربيع العربي كآبة الانتكاسة العنيفة والهبوط إلى جحيم الحرب.

تبيّن أنه لم يؤد في أي من الجهات الثائرة إلى تحقيق هذه الأهداف والشعارات، بل كانت المحاصيل مناقضة لما نادت به الشعارات التي رفعت في الشوارع والميادين، وتصدرت واجهات صفحات الفيسبوك وتويتر، بعد أن شهدت تلك الأقطار نكوصا ملفتا حتى في “المكاسب المحققة في زمن الاستبداد”.

تؤكّد هذه المفارقة الحقائق الميدانية والدراسات الموضوعية التي تبيّن أن التراجع طال أكثر من صعيد، وشمل الجغرافيا السياسية وأيضا البشرية؛ وهي نتيجة يمكن تفهمها أو تدبر تفسيرات منطقية لها، بالعودة إلى ما ترتب على الثورات العربية من مظاهر تراجع اقتصادي واجتماعي وصحي، تتضافر مع ما يضاف إليها من هجرة الشباب وفرار الإطارات الطبية إلى مناطق آمنة، وتهدم البنية التحتية، وانتشار الأمراض الناتجة عن الضغوط النفسية والاجتماعية.

ولئن ركّزت دراسات سابقة على إحصاء تدهور الأرقام الاقتصادية والمالية وارتفاع منسوب القتل والتدمير، وتصاعد البطالة وانتشار التطرف وتمدد الإرهاب فإن دراسة حديثة كشفت أن مفاعيل الربيع العربي طالت أعمار العباد لا من ناحية إيقافها، فذاك ما تتكفل به الأسلحة وأدوات القتل المتاحة في أيادي التشدد أو الاستبداد أو الاثنين معا، بل من حيث التراجع الملفت في متوسط الأعمار في بلدان المنطقة.

وتوصل الباحثون، في الدراسة التي نشرتها المجلة المتخصصة “ذي لانست غلوبال هيلث”، إلى أن المواطنين في اليمن وتونس ومصر خسروا قرابة ثلاثة أشهر من متوسط الأعمار بين عامي 2010 و2013 مع تدهور الظروف التي هددت المكتسبات في القطاع الصحي التي تحققت في العقدين السابقين.

الخبراء سجلوا ارتفاعا كبيرا وخطيرا في نسبة الأمراض النفسية، عكسه ارتفاع نسبة الانتحار وأيضا ارتفاع معدل العنف في المجتمعات التي ثارت من أجل تحسين أوضاعها

وانخفض متوسط الأعمار في سوريا -التي تشهد نزاعا خلف أكثر من 290 ألف قتيل وتسبب بنزوح الملايين منذ مارس 2011 إلى ست سنوات. وقد كان الرجال السوريون يعيشون عادة إلى ما يصل 75 عاما قبل النزاع، وبحلول العام 2013 تراجع هذا المعدل إلى 69 عاما، فيما تراجع معدل أعمار السوريات من 80 عاما إلى 75 في الفترة نفسها.

ووفق المركز السوري لبحوث السياسات بعنوان “حرب على التنمية”، تراجعت نسبة الأطباء للمواطنين لتصل إلى طبيب لكل 4041 مواطنا في يونيو 2015 بعد أن كانت طبيبا لكل 661 مواطنًا قبل الحرب وتحديدا عام 2010. هذا علاوة على توقف حوالي 90 بالمئة من الصناعات الدوائية محلية الإنتاج بعد تدمير ما يزيد عن 25 معملا لصناعة الأدوية، وهو ما تكرر بشكل محدود النطاق في العراق، لا سيما بعد اقتحام تنظيم الدولة الإسلامية لمحافظة الأنبار، حيث قام بتدمير كافة المستشفيات والمراكز الطبية بالمحافظة.

وشهدت ليبيا واليمن سيناريو مشابها، حيث وضع الاقتتال الداخلي القطاع الصحي في البلدين في ظروف صعبة، إذ تم إغلاق عدد كبير من المستشفيات، ولم تعد الخدمات الطبية متوافرة في ظل رحيل الكفاءات المهنية، ونقص المواد الطبية.

خطر متصاعد

قال معد الدراسة الأساسي علي مقداد، الأستاذ في معهد مقاييس الصحة والتقييم في جامعة واشنطن، إن “النزاعات الأخيرة دمرت البنى التحتية الأساسية في عدد من الدول”. وأضاف “نتيجة لذلك يواجه ملايين الأشخاص نقصا كبيرا في المياه وظروفا صحية صعبة تؤدي إلى ظهور أوبئة”.

ويؤكّد علي مقداد أن “الربيع العربي تحول إلى حروب معقدة. ومع تزايد عدد السكان والشيخوخة، أدت هذه النزاعات المستمرة إلى زيادة عبء الأمراض المزمنة والإصابات بشكل دراماتيكي”. وأوضح أن العديد من الأطباء والممرضين غادروا إلى مناطق أكثر أمانا، ما زاد من الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي. وهذا التوجه “سيؤدي إلى ضغوط إضافية على الموارد المالية والبشرية في منطقة تعتبر فيها هذه الموارد أساسا ضئيلة”.

علي مقداد: النزاعات المستمرة تؤدي إلى زيادة عبء الأمراض المزمنة والإصابات بشكل دراماتيكي

وحجب القتال حقيقة الانتقال من أمراض معدية كانت تعتبر السبب الرئيسي للوفاة المبكرة مثل السل، إلى ظروف مرتبطة بأسلوب الحياة مثل أمراض القلب والسكري والجلطات التي تصدرت أسباب الوفيات. وبالنسبة لـ22 دولة في المنطقة فإن الوفيات بسبب مرض السكري ارتفعت من 12 إلى 19 لكل مئة ألف نسمة بين عامي 1900 و2013. وأصبحت أمراض القلب السبب الرئيسي للوفاة عام 2013 متجاوزة أمراض الإسهال والالتهابات في أجهزة التنفس.

ويحذّر تقرير صدر عن المركز الإقليمي للدراسات، بالقاهرة، من أن البيئة الصراعية في البعض من الدول العربية ساهمت في ظهور عدد كبير من الأمراض والأوبئة التي باتت تهدد حياة الملايين من سكان تلك الدول، وحتى الدول المجاورة عن طريق العدوى، لا سيما بعد الاتساع المضطرد في حركة النزوح الخارجي، هربا من ويلات الحرب، وبحثا عن مكان آمن. وفي هذا الإطار ظهرت عدة أنماط من أمراض الحرب في المنطقة.

الأجواء لا تسر

بالإضافة إلى الأمراض العضوية التي تزايدت بعد الربيع العربي بسبب الحروب والتهجير، وبسبب الأزمات الاقتصادية وانتشار الفساد في المؤسسات العمومية الصحية نتيجة عدم الاستقرار السياسي، سجل الخبراء ارتفاعا كبيرا وخطيرا في نسبة الأمراض النفسية، عكسه ارتفاع نسبة الانتحار وأيضا ارتفاع معدل العنف في المجتمعات التي ثارت من أجل تحسين أوضاعها فوجدت نفسها في أوضاع أسوأ.

ففي ليبيا مثلا، رصد تقرير أجراه المعهد الدنماركي بالتعاون مع جامعة بني غازي، أن أكثر من ثلثي الليبيين باتوا يعانون من أمراض نفسية بمختلف أنواعها لا سيما الاكتئاب. وفي تونس ذكرت دراسات أن مهد الربيع العربي أصبح يحتل المرتبة الأولى عالميا في مرض الاكتئاب وواحد على ثلاثة من التونسيين مصاب بمرض ضغط الدم وقرابة المليون شخص مصابون بمرض السكري، بالإضافة إلى ارتفاع عدد المتوفين نتيجة السكتة القلبية الذين يعدون بالمئات سنويا. ومردّ ذلك تأثر التونسيين بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي دخلت في دوامته البلاد التي سميت ثورتها بـ”ثورة الياسمين”.

تفسر الحقائق الصادمة التي جاءت بها هذه التقارير والدراسات بشأن تداعيات الربيع العربي لماذا قال المقرر السابق لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة ريتشارد فالك منتقدا تطورات الوضع في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، “بعد الربيع العربي كنت متفائلا جدا بشأن عمليات التغيير الثورية، ولكن إذا نظرتم إلى الوضع في المنطقة الآن، فإن الأجواء لا تسر”.

اقرأ أيضا:
7