عدسات مخرجات تونسيات حاضرة بالسينما غائبة عن الدراما

الحضور المحتشم في الأعمال التلفزيونية لا يحجب براعة المرأة المخرجة في صنع الدهشة.
الأحد 2020/05/31
هند بوجمعة نموذج عن نجاح المرأة المخرجة في عالم السينما

نجحت مخرجات تونسيات في التربع على عرش السينما والتنقل في حضورهن الفني بين الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج، وحصدن جوائز محلية وعالمية، واستطعن تسخير خبراتهن لإلقاء الأضواء على قضايا المرأة العربية، إلا أنهن لم يتمكن بعد من نيل فرص لإثبات قدرتهن على إدارة الحبكة الدرامية.

تونس – لطالما تألقت عدسة المخرجات التونسيات في أعمال فنية عدة نقلن فيها هموم النساء في مجتمعاتهن وسلطن فيها الضوء على قضايا شائكة وفي كثير من الأحيان جريئة لتفضح بذلك “المسكوت عنه” وتنقله للرأي العام توعية وموعظة.

جدية وجرأة المخرجات التونسيات في نقلهن الواقع عبر أعمالهن الفنية جعلتهن يكتسحن المشهد الفني ويتربعن بصفة خاصة على عرش السينما بعد أن حصدت أعمالهن جوائز وطنية ودولية.

ومازالت أعمال مثل “صمت القصور” للمخرجة مفيدة التلاتلي الذي وقع عرضه أول مرة عام 1994 أو “رقصة النار” عام 1995 و”خشخاش” 2006 للمخرجة سلمى بكار أو فيلم “نصف محبة” الذي عرض عام 2008 للمخرجة كلثوم برناز عالقة في ذاكرة المشاهد التونسي.

ولم تتوقف المسيرة الفنية عند هذه الأعمال، بل واصلت المرأة التونسية شغفها بالفن بإنتاج أعمال سينمائية ودرامية ووثائقية، أو بالمساهمة من وراء الكواليس بامتهان التمثيل أو المساعدة في التصوير والتركيب.

ويبدو لافتا أن استوديوهات التصوير باتت اليوم “شبه مؤنثة” بعد أن أثثتها الطاقات الشابة خاصة من الإناث، في خطوة تعكس الدور الكبير والحضور القوي للمرأة التونسية في هذا المجال.

لكن وعلى رغم تفوقهن في السينما وتحليقهن عاليا في بحار الفن السابع، إلا أن المخرجات التونسيات غائبات عن الدراما وهو ما تجلى في الموسم الرمضاني الأخير، حيث لم تفتك عدسة الإخراج التلفزيوني لهذا العام إلا مخرجة وحيدة وهي سوسن الجمني عن مسلسل أولاد مفيدة في موسمه الخامس.

حضور محتشم

الأعمال الدرامية في تونس لا تستهوي المرأة المخرجة الولهة بالسينما، في حين يتعطش الجمهور لعدستها ونظرتها المختلفة للواقع عن الرجل
الأعمال الدرامية في تونس لا تستهوي المرأة المخرجة الولهة بالسينما، في حين يتعطش الجمهور لعدستها ونظرتها المختلفة للواقع عن الرجل

شدت بعض الأعمال الدرامية الرمضانية الشارع التونسي واحتلت أعمال بعينها دائرة الاهتمام والجدل خاصة التي حملت توقيع سوسن الجمني مخرجة مسلسل أولاد مفيدة.

ورغم الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها هذا العمل على امتداد مواسمه الرمضانية الخمسة، إلا أنه يحظى بنسبة متابعة عالية وشعبية كبيرة. وتمكن من أن يكون منافسا قويا للأعمال الدرامية التي تعرض على التلفزيون الرسمي.

ووجه هذا المسلسل خلال أجزائه الأربعة العديد من الاتهامات، حيث رأى مطلقوها أنه عمل يحرض على العنف ويشجع على تعاطي المخدرات وترويجها، بالإضافة إلى أنه يحث على إقامة علاقات غرامية وجنسية خارج إطار الزواج وغير مألوفة في الأطر الاجتماعية المحافظة.

نجاح سوسن الجمني في إدارة الكاميرا وتوجيه عدساتها طرح العديد من التساؤلات عن غياب المرأة المخرجة عن الدراما التلفزيونية
نجاح سوسن الجمني في إدارة الكاميرا وتوجيه عدساتها طرح العديد من التساؤلات عن غياب المرأة المخرجة عن الدراما التلفزيونية

غير أن ردود الأفعال مع الموسم الخامس كانت مختلفة هذه المرة وأقل حدة بعد أن أتقنت مخرجة العمل في نقل الحبكة الدرامية للمشاهد ونجحت في شد انتباهه لأحداث المسلسل والقضايا التي يطرحها.

وطرح نجاح الجمني في إدارة الكاميرا وتوجيه عدساتها، حيث ظهرت بصمتها في العمل بقوة، العديد من التساؤلات عن غياب المرأة المخرجة عن الدراما التلفزيونية، فعلى رغم تفوقها وإبداعها إلا أن الإخراج الرجالي ظل يكتسح الأعمال الدرامية على مدى سنوات طويلة.

ويقول المتابعون إن الأعمال الدرامية في تونس لا تستهوي المرأة المخرجة الولهة بالسينما، في حين يتعطش الجمهور لعدستها ونظرتها المختلفة للواقع عن الرجل.

وأغلب الأعمال والمسلسلات التونسية كانت بتوقيع رجالي.

وتعزو أوساط فنية غياب المرأة المخرجة لعدم تحفيزها على خوض هذه التجربة من قبل المشرفين على الإنتاج ولتواضع الإمكانيات المرصودة للأعمال الفنية.

وتقر المخرجة إيمان بن حسين في حديثها لـ”العرب” بغياب المرأة عن الدراما وما يطرحه ذلك من نقاط استفهام، معتقدة أنه لولا الأزمة التي تمر بها قناة الحوار التونسي (غير حكومية)، حيث تراهن على إنتاج مسلسل “أولاد مفيدة”، لما أتيحت الفرصة أمام الجمني لإخراج العمل وظلت مساعدة في الإخراج لا أكثر، وبالتالي سينعدم في هذه الحال حضور المرأة في الدراما.

وجاء اختيار “الحوار التونسي” لسوسن الجمني، وهي مساعدة المخرج في هذا المسلسل، كمخرجة بديلة بعد إيداع الإعلامي سامي الفهري وهو مخرج العمل وصاحب فكرته والمنتج له ومالك القناة الخاصة، في السجن بسبب التهم الموجهة له والمتعلقة بفساد مالي وتبييض أموال في القضية المعروفة بشركة “كاكتوس برود”.

وأشارت بن حسين، المختصة في إخراج الأفلام الوثائقية وسبق لها إنتاج أعمال سينمائية قصيرة ومتوسطة، إلى رغبتها في خوض تجربة الإخراج الدرامي في الموسم الرمضاني المقبل.

إيمان بن حسين: المرأة المخرجة لديها رؤيتها وبصمتها وزاويتها الخاصة لنقل الواقع الاجتماعي
إيمان بن حسين: المرأة المخرجة لديها رؤيتها وبصمتها وزاويتها الخاصة لنقل الواقع الاجتماعي

وتابعت “لدي مقترحات لإخراج أعمال درامية”، مؤكدة أن “تجربة الجمني حفزتها على ذلك، وهي تجربة ناجحة وإن كانت تقنيا”.

وأوضحت حول غياب المرأة عن الدراما إن كان بشكل اختياري أو اضطراري، قائلة إن المخرجة التونسية تستهويها السينما أكثر من التلفزيون. وقد كان واضحا في سنوات ما بعد الثورة اندفاع المخرجات لخوض تجارب سينمائية أو وثائقية. وبحسب تعبير بن حسين، من بين أسباب الحضور المحتشم للمرأة في الدراما التلفزيونية هو أن مهنة الإخراج تتطلب الكثير من الجهد والوقت وإمكانيات مالية كبيرة، إضافة إلى سيناريو محكم ومقنع، وهو ما يعكس ندرة إنتاج الأعمال الدرامية وتردد المرأة المخرجة.

وأضافت أن “كلمة مخرجة لم تكن متداولة كثيرا في ظل احتكار الرجال لهذا المجال”، لافتة إلى أن “مهنة الإخراج مهنة شاقة ومصنفة عالميا ثاني أكثر مهنة مجهدة بعد مهنة عمال المناجم، ومن ضمن دوافع هجرة المرأة الإخراج التلفزيوني”.

وأعربت عن أملها في تجاوز هذه العوائق والصعوبات مستقبلا وأن يقع التركيز على الدراما من قبل المخرجات، متابعة “المرأة المخرجة لديها رؤيتها وبصمتها وزاويتها الخاصة لنقل الواقع الاجتماعي”.

وتعزو بن حسين الحضور النسوي المحتشم، وهو غياب لم يقتصر على الساحة الفنية المحلية بل طال الأعمال الدرامية العربية، إلى تخوف الجهة المنتجة وضعف المبادرة والثقة في المرأة المخرجة، إضافة إلى ظروف الأعمال الرمضانية المضغوطة بأجندة محددة، معتبرة أن “المهمة صعبة وعلى القنوات التلفزيونية تشجيعنا ودعمنا”.

وتبدو الفرصة سانحة اليوم حتى ينال المخرجون الرجال هدنة، خاصة أن المرأة أثبتت قدرتها على إدارة الحبكة الدرامية. وليست الجمني التجربة الأولى فقد سبق للمخرجة التونسية سلمى بكار أن أنتجت وأخرجت أعمالا درامية مهمة ونالت استحسان المشاهد.

شغف بالسينما

سلمى بكار: التلفزيون لم يعد يحوز كثيرا على اهتمامي كالسابق ومن الجيد تشجيع الطاقات الشابة
سلمى بكار: التلفزيون لم يعد يحوز كثيرا على اهتمامي كالسابق ومن الجيد تشجيع الطاقات الشابة

“شعبان في رمضان” و”فرحة عمر” و”نساء من الذاكرة” عناوين درامية بعدسات كاميرا سلمى بكار التي غابت عن دراما هذا العام وترك غيابها، وفقا للمختصين في المجال الثقافي والفني، فراغا في المشهد الدرامي.

وعن أسباب هذا الغياب كشفت بكار لـ”العرب” أن التلفزيون لم يعد يحوز كثيرا على اهتمامها كالسابق.

وأكدت بكار، وهي أول سيدة تعمل في الإنتاج السينمائي في تونس عام 1990، كما تحصلت على جائزة السينما عام 2006، “لقد أنتجت وأخرجت أعمالا درامية واليوم أركز على السينما وأريد أن أواصل معها مع ما تبقى من مشواري الفني”.

وتعتقد أنه من الجيد اليوم أن “نترك الفرصة للطاقات الشابة مثل المخرجة سوسن الجمني”.

وقالت إن سوسن التي كانت في السابق وراء المخرج هي اليوم أمام الكاميرا. وسعيدة أنها فرضت وجودها في الساحة الدرامية خاصة أمام ندرة الأعمال، مشددة على أن المرأة بوسعها فرض نفسها ليس في الإخراج فقط بل في كتابة السيناريو والتمثيل والإنتاج وفي جميع أطوار العملية الفنية.

وأشارت إلى أن “الطاقات النسائية موجودة حتى في الفريق الفني الذي نصفه من النساء، على عكس جيلنا الذي واجه الصعوبات ولم يكن المجال مفتوحا أمامنا”.

ولا تخفي بكار أن انشغالها بالسياسة كان له تأثير على أعمالها الفنية، إذ كانت نائبة بالمجلس الوطني التأسيسي أعقاب ثورة يناير 2011 عن القطب الديمقراطي الحداثي. وسبق أن أقرت أن انخراطها في العمل السياسي “اختيار صعب”، وقد تدفع أعمالها الفنية ضريبة ذلك.

وأوضحت “لقد كان للعمل السياسي تأثيره وعطّل بعض أعمالي مثل ‘الجايدة’ الذي استكمل تصويره بعد ثلاث سنوات من التوقف”، مشيرة إلى أن التجربة السياسية سمحت لها بإعادة النظر في الكتابة حيث اكتسبت تجربة ونظرة أخرى وحاولت أن تنقل ما عاشته كنائبة وفي أروقة البرلمان إلى الجمهور وترجمته فنيا.

وعادت بكار بعد آخر أعمالها السينمائية الذي حمل اسم “جايدة” لكتابة سيناريو جديد وللإخراج عبر عمل سينمائي يحمل عنوان “نافورة”.

فاطمة سعيدان: المرأة المخرجة ستكون حاضرة بقوة في الأعمال الدرامية مستقبلا
فاطمة سعيدان: المرأة المخرجة ستكون حاضرة بقوة في الأعمال الدرامية مستقبلا

وكشفت أنها تسلط الأضواء من خلال هذا العمل على مشكلات المرأة التونسية، قائلة عنه “أنا دائما أركز على درامات شخصية لكن في إطار تاريخي معين على شاكلة أفلام ‘حبيبة مسيكية’ و’الجايدة'”، لافتة إلى أن الجديد في عمل النافورة أنه يتناول فترة ما سمي باعتصام الرحيل عام 2013.

وأضافت أن المخرجة التونسية نجحت في فرض نفسها بشكل جيد خاصة في السينما، متابعة “نلمس حركية كبيرة في المشهد الفني التونسي ومع ذلك يتطلب كثيرا من الإمكانيات المالية ومرهون بتحسن أوضاع البلاد واستقرارها”.

وعلى الرغم من إجماع المختصين على أن ضعف الإنتاج والإمكانيات وراء غياب المرأة عن الدراما، فإن أوساطا فنية تونسية تؤكد أن شغفها بالسينما يبقى دافعها الرئيسي.

وقالت الممثلة السينمائية فاطمة سعيدان في حديثها لـ”العرب”، وهي فنانة تملك سجلا فنيا طويلا وناجحا، إن “المرأة المخرجة لم تفكر بعد في خوض غمار الدراما، فهي تجد نفسها في السينما أكثر، كما أن صناعة الفيلم مختلفة تماما عن صناعة مسلسل تلفزيوني”.

وتتوقع سعيدان رغم ضعف المشاركة في الإنتاج التلفزيوني أن “تكون المرأة المخرجة حاضرة بقوة في الأعمال الدرامية مستقبلا”.

20