عدسات ملونة

الجمعة 2017/08/04

شعبان اخترعا آلة واحدة لسببين مختلفين قبل مئات السنين، شعب القطب المتجمد الذي ابتكر النظارات الملونة لوقاية العينين من وهج الثلج حين تسفعه أشعة الشمس فيصبح أشبه بمرآة تبهر الأبصار. والشعب الصيني الذي ابتكر النظارات الملونة ذاتها ليرتديها القضاة. فقد كان هؤلاء مضطرين لحجب أعينهم بهدف إخفاء مشاعرهم داخل قاعة المحكمة وأثناء نطقهم بالأحكام.

وأنصح بين الوقت والآخر بالبحث في ذاكرة العلم ومعها تاريخ الأشياء من حولنا، إذ أن غالبية ما يحيط بنا، لم يوجد أصلا للأغراض التي فكر فيها صانعوه الأوائل. وهنا التشويق الذي لا حدود له.

أقرب الأشياء هي تلك التي تختبئ في بيتك، ومن بينها ذاك الذي ابتكره روي بلانكيت، الذي أراد صناعة ثلاجات خارقة باستخدام غاز الفلورنيلين. فقام بتخزين هذا الغاز مع ثلج داخل علبة محكمة. لكنه حين فتح العلبة لإخراجه، لم يجد الغاز، بل وجد كائنا آخر قد نتج عن التفاعل، فقد تحول الغاز إلى مادة صلبة سوداء التصقت بجدران العلبة. فحاول إزالتها بشتى الوسائل، لكن ذلك كان صعبا، فأطلق عليها اسم “تيفال”.

وقبل أن تخرج من مطبخك، عليك أن تقرأ السلام على روح مهندس الرادارات بيرس سبنسر، الذي كان مشغولا تماما في عمله بداية قبل 70 سنة، فخطر له أن يقضم شيئا من قطعة الشوكولا التي في جيبه، فوجدها قد ذابت، مع أن الجو بارد جدا، فانتبه إلى أنه يقف بالصدفة قرب “صمام إلكتروني”.

أراد سبنسر تجريب شيء مختلف، فأحضر بعض حبات الذرة في كيس، ووضعها أمام الصمام، فانفجر الكيس، فأعلن عن ولادة أول ميكروويف في التاريخ.

ومن يدري لماذا وجد الكثير من الأفكار والصراعات بالأصل، وهل موجودة للأسباب المعروفة حاليا، أم لأسباب نجهلها؟ فالسبب في العربية هو “شيء يُتوصّل به إلى غيره”، وحتى نصل إلى ما نريده يتوجب علينا أن نصعد تلك الأسباب الشبيهة بالسلالم، وإن لم نصل فهذا يعني أننا صعدنا على سلالم خاطئة أو هبطنا بسلالم خاطئة.

أما أشهر موضع وردت فيه “الأسباب” فهو بيت ابن نباتة السعدي البغدادي “من لم يمت بالسيف مات بغيره/ تعددت الأسباب والموت واحدُ”.

ابن نباتة كان رقيقا محبا لأرضه قال عنها “سَقى اللهُ أرضا لا أبوحُ بذِكْرِها/ فتُعْرَفُ أشجاني بها حينَ تُذكرُ/ سِوى أنّها مسكيةُ التربِ ريحُها/ تَروقُ وتَنْدَى والهَواجِرُ تَزْفُرُ”. ولكن ذلك الرجل كان ناقما أيضا على عصره العربي، الذي لم يكن يهتم بالعلم والفنون، فقال يوما “بلادٌ أنفُسُ الأحـرارِ فيها/كضَبّ القاعِ تُروى بالنسيمِ/يجوزُ بها وينفـقُ كلُّ شيءٍ/سوى الآدابِ طراً والعلـومِ”.

24