عدسات ومؤلفات غربية توثق تاريخ "العربية السعيدة"

الاثنين 2014/04/28
صورة توثق الحياة اليومية لليمنيين القدامى

صنعاء- مثلت “العربية السعيدة” (اليمن) كما كانت تسمى قديما موطنا للسحر والجمال والأساطير والحضارات القديمة في عقول المهتمين بالشرق على مر الأزمان الأمر الذي جعلها دوما محط أنظار الرحالة والمغامرين من كل أرجاء العالم.

أثمرت الرحلات التي دونها الرحالة عن أرض العربية السعيدة الكثير من الكتب التي سجلوا فيها انطباعاتهم التي وثقت لمرحلة ما من تاريخ هذا اليمن.. وتعد قصة البعثة العلمية الدنمركية التي أرسلها ملك الدنمارك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والتي قام بها العالم الشهير نيبور مع أربعة من علماء أوربا بين عامي (1761-1767) أبرز رحلة استكشافية قامت بها أوروبا للتعرف على (العربية السعيدة) في العصر الحديث.

واستطاعت البعثة التي لم ينج منها من الموت إلا قائدها نيبور أن ترسم صورة أولية لليمن في عيون الغرب، ورغم النهاية المفجعة لفريق البعثة الاستكشافية الأوروبية الأولى إلى هذا البلد إلا أنها كانت بمثابة فاتحة للكثير من المغامرات التي قام بها العديد من الرحالة الغربيين إلى اليمن بعد ذلك ليرصدوا بأقلامهم وعدساتهم لحظات يمنية خالصة بعيون غربية تواقة لمعرفة العالم الآخر.

عشقه للشرق جعله يترك (برلين) المدينة التي رأى فيها النور عام 1857م، إنه هيرمان بوشارت الذي رغب في اكتشاف جزء جديد من العالم، ما دفعه إلى رحلة طويلة قادته إلى سوريا وشرق أفريقيا والجزيرة العربية وبلاد الرافدين وفارس وآسيا الوسطى واليمن التي أعطته رغبة عارمة لاكتشاف جمالها الأمر الذي جعله يتحول بعد ذلك من زائر إلى عاشق لهذه البلاد التي خلدها في الذاكرة من خلال صوره التي استوقف فيها الزمن منبهرا بالجمال والفطرة والأصالة.

وقد كانت في خلاصة الرحلة الأولى لهيرمان لليمن الكثير من الانطباعات عن هذا البلد وثقها من خلال مقال بعنوان (رسومات تخطيطية من رحلتي لليمن) نشرها عام 1902م في مجلة (برلين الاجتماعية لعلوم الأرض).

وفي هذه الرحلة التي بدأها في ديسمبر عام 1900م، زار عددا من مناطق اليمن بدأها من مدينة الحديدة مرورا بصنعاء، وتعز، ورداع إلى أن حط رحاله في عدن عام 1901م، ليخرج بعد ذلك أشد تعلقا باليمن الأمر الذي دفعه إلى القيام بزيارته الثانية لها عام 1907م، ليترك مجموعة من الصور التي التقطها بعدسته في الحديدة وصنعاء.

تواصلت زيارات هيرمان من خلال رحلته الثالثة والأخيرة إلى اليمن والتي بدأت في نوفمبر من عام 1909م، انطلق فيها من صنعاء لتتواصل عبر قعطبة وتعز والمخا وإب التي توفي فيها بتاريخ 19 ديسمبر عام 1909م، مخلفا ثروة من الصور احتفظ بها رفيق رحلته وصديقه معلم اللغة العربية أحمد الجرادي الذي كتب تقريرا عن تفاصيل الرحلة الأخيرة لهيرمان بوشارت إلى اليمن. وترجمت تفاصيل الرحلة لهيرمان إلى الألمانية تحت عنوان (من اليمن آخر رحلة لهيرمان بوشارت في الجزيرة العربية) ونشرت عام 1926م.

بعض معالم المخا التابعة لمحافظة تعز

كما أن هناك الكثير من الصور الفوتوغرافية النادرة التقطها المصور البريطاني (نيغيل غروم) في وادي بيحان خلال الفترة (1948-1951م)، عندما تم تعيينه من قبل قسم الخارجية البريطانية في مدينة عدن كموظف سياسي في وادي بيحان ليقضي فيها عامين صور خلالهما الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في وادي بيحان خلال تلك المرحلة من تاريخ اليمن.

كما احتوت صوره على الكثير من اللحظات الطبيعية التي تعكس واقع الحياة اليومية وسعي الناس في تلك الفترة إلى تطويع عوامل الطبيعة لتكون عاملا مساعدا على تحسين مستوى المعيشة؛ حيث يصور غروم بناء سدود المياه الصغيرة وحفر القنوات من قبل رجال القبيلة بمعية شيخهم، ولا يفوت منظر قافلة الجمال التي تحمل الملح.

وواصل المصور الدبلوماسي خلال العامين اللذين قضاهما في وادي بيحان التقاط تفاصيل الحياة البسيطة وحفظها في الذاكرة من خلال عدسة الكاميرا التي تصور رجال القبائل الذين يطلون أجسادهم بمادة “النيلة”.

واحتفظ غروم خلال سنوات طويلة بكنزه الصغير الذي عثر عليه في “العربية السعيدة” ليخرجه عام 2002م في كتاب حمل عنوان “أسرار سبأ” احتوى على الكثير من الصور التي التقطها قبل أكثر من ستة عقود من الزمن، كما قدم الكتاب في ذات الوقت معلومات موسعة عن أماكن ونقوش تعود إلى ما قبل الإسلام حصل عليها من خلال تنقلاته على ظهور الجمال والخيول.

وتدوين ما عثر عليه غروم من معلومات هامة كانت بداية المشوار بالنسبة إلى الكثير من علماء الآثار الذين اتبعوا خطواته التي قادتهم إلى اكتشافات هامة في تاريخ اليمن القديم؛ وخاصة منها مملكة سبأ التي اتخذت من مأرب عاصمة لها والتي تبعد حوالي (50) ميلا إلى الغرب من وادي بيحان الذي كان جزءا من هذه المملكة العظيمة التي ذاع صيتها في الشرق والغرب وقد ظل وادي بيحان جزءا من مملكة سبأ حتى العام 330ق.م حيث أصبحت المدينة مركزا لمملكة يمنية جديدة هي مملكة قتبان.

12