عدسة مثقفة في فيلم "كتاب الرمال" للمخرج السعودي بدر الحمود

الجمعة 2014/02/21
كتاب الرمال لبورخيس من دفتي كتاب إلى السينما: مقاربة شاعرية لنص رمزي

الرياض – تفتقر المحاولات السينمائية في السعودية إلى النص سواء على مستوى التأليف أو الإعداد. وفي ظل هذا الاندفاع نحو إنتاج المزيد من الأفلام التي تُحشّد الموضوعات الاجتماعية المزمنة في شريط بصري يفتقر إلى أبسط معايير السينما، يأتي فيلم “كتاب الرمال” محمولا على نص أدبي، خارج سياق المناقدة الاجتماعية المستهلكة. فهو مأخوذ عن القصة الشهيرة لبورخيس، التي تحمل نفس العنوان.

قام خالد اليحيا بالاستحواذ على القصة وإعادة إنتاجها من منطلقات الكتابة ما بعد الحداثية، هكذا أنتج نصه الموازي. بإنهاض مدينة الرمال في دون هوانغ التي حفر فيها أبوت وونغ، ليقلّب نص دايموند سوترا، أقدم نص مؤرخ ومطبوع. وصولا إلى مخطوطة فوينتش، التي تسمى بالمخطوطة المشفّرة. وتوصف بأنها أكثر النصوص غموضا لأنها كتبت حسب الاعتقاد بلغة مشفّرة. وكل ذلك الترحال في جغرافيا وتاريخ المخطوطات والكتب الإشكالية المحيّرة من أجل ابتداع قصة مركبة يماهي بها فكرة بورخيس عن مجازية اللاتناهي، المختزن في مزدوجة الرمل والكتاب. لدرجة أن الفيلم بدا في لحظة من اللحظات وكأنه يلهج بخطاب متعال.


خيانة النص

قصة بورخيس تعتمد على التجريد المفرط في الأساس. وخلط الأزمنة وتشويش الأفكار. فهي تحكي قصة كتاب من أربعين ألف صفحة دون مؤلف. والصفحة التي تُقرأ لا تُرى مرة أخرى. وقد سُمي بكتاب الرمال لأن الكتاب والرمال لا مبتدأ لهما ولا نهاية. أما أفلمة القصة فتتطلب بالدرجة الأولى استيعاب سياقاتها الأدبية، ومقاصدها الفلسفية والإمساك بجذر العلامات المزروعة في طياتها. وقد قبض خالد اليحيا على جوهر النص وأجرى عليه توسيعا ثقافيا وتاريخيا جوهريا ومقنعا، من داخله تارة ومن خارجه تارة أخرى، إلا أنه لم يخرجه عن أدبيته. إذ لم يتبدّ التحدّي في كيفية نسخ فكرة القصة الوعرة فنيا بشكل آلي وتحويلها إلى متوالية بصرية، بل في إنتاج فيلم تجريدي لفكرة متمادية على المستوى المفهومي والروحي. وهو الأمر الذي تحقق من خلال التماهي الشفاف بين إيقاع الفيلم وعوالم القصة.

ولأسباب مفهومة على المستوى الموضوعي وغير مقنعة على المستوى الفني، تمّ تجاوز المفهوم الإنجيلي لقدسية الكتاب الذي أكد عليه بورخيس في قصته من خلال الحوار مع بائع الأناجيل، المنتمي للكنيسة المشيخية التي لا تعترف بالأساقفة. وهذه خيانة صريحة للنص ما كان ينبغي أن تُرتكب من قبل القائمين على الفيلم. لأن هذا البُعد يمثل الديني بمعناه العميق، وليس مجرّد فكرة طارئة.

بالمقابل جاءت الإشارات الشاعرية والدلالية للشخصيات والأفكار الراسبة تحت الحبر بشكل بارع.

سواء على مستوى التعبير اللغوي أو الرؤية البصرية. حيث حضر جحا، ودون كيخوته، وشهرزاد، وشهريار، ونيو، ودراكولا، وأخيل، وسنيك، وملك الخواتم، وزوربا، ومونش. وقد أُريد بكل تلك الاستعادات القول بأن العوالم التي تتأسس في ظل الحبر، أو في المسافة ما بين الحبر والورق، تسرح كمخلوقات وتمرح، حسب مفهوم الفيلم، لتصنع كل تلك القصص التي نقرأها. تماما كالفراغ بين الذرات والإلكترونات، حيث تصنع أجسادنا وتتخلق. فالفيلم بهذا المعنى يتجاوز الأدبي إلى عرض صورة شاعرية فيزيائية النزعة والمخيلة.

صورة شاعرية فيزيائية النزعة والمخيلة

على هذا الأساس التركيبي يمازج الفيلم برهافة ما بين القدامة والحداثة. كاللقطات السريالية للجاحظ مغرَّدا به على “تويتر”، مخترقا بالكلمة المدى الزماني والمكاني، ومحفوفا بجمع من الشخصيات التاريخية والفنية المعاصرة، التي أُسقطت بنعومة وذكاء بين سياق اللقطات الواقعية. فقد جاءت كلماته ملهمة ومعبرة ليس عن الأثر العمودي للكتاب داخل خط الزمن فحسب، بل عن المتخيل الفكري للكلمة المعبّر عنه بصريا.

تأريخ الكتاب

طبيعة النص فرضت على عبدالله آل عياف، بما أنه معدّ السيناريو، وعلى بدر الحمود بوصفه مخرج الفيلم، الانزياح إلى ما يشبه الديكودراما. فقد ازدحم الفيلم بالمخطوطات والوثائق والخرائط والشخصيات والحكايات التي تتشابك لتشكل حلقة متماسكة في تاريخ الأدب والفكر الإنساني.

وكأن الفيلم قد تصدّى عند هذا المفصل لمهمة تأريخ الكتاب، وسرد سيرة نشأته. فيما يبدو نفخا مدروسا ومبرمجا لقصة “كتاب الرمال” القصيرة، لتحويلها إلى فيلم متعدّد الأبعاد والغايات، مستزرعا بالأدلة النصيّة التي تعاضد فكرة وقدسية الكتاب.

بورخيس الذي يصرّ دائما على توطين ذاته في قصصه تمّ استدعاء عوالمه في الفيلم كما في القصة. وكأن الفيلم كان يبني مدرجاته المصوّرة والمتصوّرة على متن النص في المقام الأول.

حيث استخلص الفيلم أبلغ عبارات بورخيس في القصة، حين كان يتمتم “إن أفضل مكان لإخفاء ورقة هو الغابة”. وهكذا جاءت حركة الكاميرا رشيقة في رسم عوالم شقته في بوينس آيرس. وكذلك في الانتقال بين المشاهد. إذ تمّ التقاط المشاهد بعدسة مثقفة، تراعي التفاصيل المكانية والأدواتية. وتتوغل بعمق ودراية في زوايا المكتبة وسرد تاريخ الكتاب. ولأن قصّة بورخيس كانت على درجة من التعقيد والغموض، ليس على مستوى اللغة بل على مستوى الفكرة، ارتبك الفيلم في هذه البؤرة الملتبسة.

وعجز إلى حدّ ما في ترجمة جانب من الأثر النصّي إلى عرض بصري. ولذلك تردّدت مفردة “خدعة” كثيرا في الفيلم لتمتصّ كل التداعيات الغرائبية اللامفهومة لـ”كتاب الرمل” المحيّر. الأمر الذي قلّل من الأثر السحري الجمالي لوجود الكتاب ذاته.

خطاب الصورة المعتمد لم يستفرغ كل الاحتقان الروحي والمفهومي والنفسي الموجود في لغة القصة. ولم يتمّ توظيف أية خدعة بصرية أو تشخيصية للكتاب العجيب الذي يشبه الرمال في لا نهائيته وانتفاء بداياته. فكانت اللغة هي الأداة وليست الصورة. ليبقى صوت بورخيس وهو يقرع الأسماع “ما هذا الشيء الذي أمسكه بين يديّ؟ هل هذه خدعة؟ ما هذا الكتاب؟”.

16