عدلان يوسف.. فنان سوداني يجسّد بالحديد والخردة آلام الإنسان

الفنان السوداني يستخدم تقنيات إعادة التدوير كوسيلة لإيصال رسالته، مطوّعا الحديد ليعكس القيمة الجمالية للخردوات.
الجمعة 2021/07/30
محاولة النهوض من جديد

الخرطوم – اختار الفنان التشكيلي السوداني عدلان يوسف منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة مسارا مختلفا في خارطة الفنون، حيث برع في تشكيل الخردة وحوّلها إلى أشكال فنية أخذت زوايا متعدّدة، ليعكس المجسم لديه حالة من الألم التي تنتاب الإنسان في لحظات الصراع الداخلي الذي يعيشه، مستهدفا في موضوعاته الهجرة غير الشرعية ومعاناة الناس اليومية في سبيل التحقّق.

وهو ما يواصل الاشتغال عليه في معرضه الجديد “تحوّلات” المزمع إقامته في صالة عرض “المعهد الفرنسي” بالخرطوم في الفترة الممتدة بين الأول من أغسطس القادم وحتى التاسع والعشرين منه، مناقشا فيه مواضيع النجاة والإعاقة الحركية والمعاناة والأمل، حيث يقوم يوسف برحلة حول ما بعد الحرب وما بعد الثورة. ويستخدم الفنان السوداني تقنيات إعادة التدوير كوسيلة لإيصال رسالته، مطوّعا الحديد ليعكس القيمة الجمالية للخردوات.

وعن اختياره لهذا الفن تحديدا، يقول النحات السوداني “منذ البداية اخترت لنفسي مسارا جديدا ومختلفا في خارطة الفنون التشكيلية، يمكن من خلاله أن أستفيد من كل ما هو متاح في هذا الكون لكي أدخل الدهشة والاستغراب في نفس كل من تقع عينه على هذا المنجز الفني، فكانت الفكرة تمرّدا عن المألوف وبحثا عن الاختلاف”.

ويضيف “الحديد موجود في حياتنا اليومية والخردة متوفّرة وبكثرة على قارعة الطريق، فاستخدمتها لأنقلها إلى مرحلة أكثر شعرية، محاولا تحويل هذه المادة القبيحة إلى قصيدة”.

ويوسف الذي وُلد بمدينة الفاشر في العام 1992، ظهرت موهبته في السادسة من عمره، حيث كان محبا لجميع الفنون التي تميّز فيها بتراكم تجاربه في الرسم والتصميم والتصوير، مرورا بالغناء والعزف على ثماني آلات وكتابة الشعر والقصص القصيرة، وصولا إلى التمثيل والرقص، إلاّ أنه وبعد تخرّجه من كلية الفنون الجميلة آثر التركيز أكثر على الرسم والنحت اللذين وجد فيهما ملهاته الجمالية.

يد تبحث عن منقذ
يد تبحث عن منقذ

وهو الذي يقول “حين كنت طفلا حظيت بالكثير من الدعم من أسرتي، خاصة أبي الذي كان يناديني بالفنان عدلان، كنت أرسم باستمرار وأشارك في العديد من الدورات المدرسية، وحصدت العديد من الجوائز، نشأت وترعرعت بين أحضان الأودية والجنائن والطبيعة الخلابة والمناظر المبهرة والغابات الكثيفة والشلالات الدائمة، كل هذا أضاف الكثير إلى مسيرتي وتجربتي الفنية”.

وحول اختياره الاشتغال على خردة المعادن، يقول يوسف “إن اختيار الخامة التي يعبّر بواسطتها الفنان لا يأتي بالمصادفة، فكل خامة لها إمكانياتها وحدودها وخصوصيتها، وهي جزء من نشاط الفنان الابتكاري، حيث يتقرّر ما إذا كانت هذه الخامة صالحة للتعبير عمّا يجول في خاطره أم لا، وعمّا إذا كانت لديه القدرة على معالجة هذه الخامة من عدمها؟ وفهم الفنان لإمكانيات الخامة تعتبر مهمة وكشفا لأسرارها التي وصلت إليها الإنسانية بعد خبرة طويلة، والنجاح في رؤية الخامة كعامل مساعد في جملة العمل الفني يعتبر خطوة مهمة وضرورية لفهمه وتذوّقه”.

ويوضّح “فن إعادة تدوير المخلفات والفنون التركيبية للمواد المختلفة أصبح ظاهرة فنية لدى الكثير من الفنانين، إلاّ أن إضافة البُعد الجمالي التشكيلي تختلف في إخراجها من فنان إلى آخر، فبدأت من مشروع التخرّج بكلية الفنون، باحثا عن التميّز ومتمرّدا على المألوف، وكان ذلك بمثابة امتداد لما كنت أصنعه

في صغري من سيارات وطائرات، وأدوات وألعاب من بقايا الخشب والحديد وعلب الصلصة والزيت وغيرها من المعادن”. وأقام يوسف في العام 2016 معرضين متعاقبين حملا عنواني “قيمة اللاشيء” و”موسم البؤس” على الترتيب،

وعنهما يقول “في إطار اختياري لخامة الحديد وطَرق أسلوب جديد، اخترت لمعرضي الذي أقمته بمركز راشد دياب للفنون عنوان ‘قيمة اللاشيء’، لأن المخلفات الصناعية بأنواعها المختلفة هي صديقة للبيئة ومتواجدة بشكل دائم، إلاّ أنها بلا قيمة، فحوّلت هذه المخلفات إلى قيمة فنية وجمالية يمكن الاستفادة من كل ما هو متاح ومحيط بنا، فالفنان وليد بيئته وهو يحقّق رغبته في الإنتاج الفني من خلال أي خامة أو وسيلة يفرضها عليه عصره، ما دام قادرا على استعمالها في تحقيق رغبته التلقائية في التعبير”.

Thumbnail

أما عن معرضه الثاني الذي حمل عنوان “موسم البؤس” والذي أقامه بصالة العرض بالمركز الثقافي الفرنسي في الخرطوم التي ستحتضن له معرضه الجديد “تحوّلات”، فتناول فيه يوسف قضية الهجرة غير الشرعية، وعنه يقول “هو رحلة لاجئ، ابتداء من الأسباب الطاردة المتعلقة بدول المنشأ، القمع والقهر والضياع باعتبار أن الكثير من البلدان العربية والأفريقية تحوّلت إلى مخلفات ودمار بسبب الحروب، فأخذت مفرداتي من هذا الضجيج وهذا الواقع وحوّلته إلى عمل فني حمل في طياته الكثير من الرسائل وعبّرت من خلاله عن معاناة اللاجئ وكل الظروف السيئة التي يمرّ بها، وأيضا سخّرت فني للمشاركة في حل مثل هذه الكوارث وهذه الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية وإيصالها إلى أكبر عدد من الجمهور”.

وعن تجربة الفنان السوداني يوسف مع الخردة يقول الناقد العراقي عماد منصور “الحديد مادة قاسية، صلبة، صعبة.. استطاع عدلان أن يطوّعها بسهولة متناهية ويحوّلها إلى مادة جميلة، أنيقة ومعبّرة ومن خلال التركيبة الحديدية بلون صدئ قديم أو قطعة من ماكنة حمراء أو أنبوبة حنفيات يجمع ويشكّل مفرداته الصورية، حيث يغرينا بتأمل هذا التناقض بين قساوة الحديد وتعبير النظرة البريئة لغزالة هادئة”.

وعن التشكيل السوداني يقول يوسف “الفن التشكيلي السوداني له تاريخ عريق وقديم في المنطقة، ولا تزال جدران معابد الممالك النوبية في شمال السودان تحمل آثار تلك الأعمال، وقد ارتبطت الفنون التشكيلية ارتباطا وثيقا بالتراث الوطني، والبيئة المحلية والتطوّر الاجتماعي في السودان“.

إلاّ أنه يعترف في المقابل أن التشكيل السوداني أصابه بعض الركود إثر انغلاق الملامح الثقافية السودانية للأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رافقت فترة حكم البشير، إضافة إلى أسباب أخرى تاريخية ودينية وثقافية.

ويضيف “كما أن هناك قصورا في تعليم الفن في المراحل الدراسية المختلفة، وذلك بسبب انعدام المناهج الفنية الدراسية القائمة على المناهج الأكاديمية المدروسة مع انعدام أدوات الفن التشكيلي ووسائله، كالبنى الأساسية، خاصة صالات العرض ومصانع إنتاج المواد والمعدات الخاصة به، إذ يفتقر السودان تماما لصالة عرض وطنية للفن التشكيلي السوداني، الأمر الذي جعل الكثير من الفنانين السودانيين يؤثرون الهجرة إلى عواصم الفن العربية والعالمية كي يحقّقوا الانتشار المطلوب“.

17