عدلي منصور: الدولة يجب أن تكون موجودة ولو أخطأت

السبت 2014/06/14
عدلي منصور بين قصر الرئاسة والمحكمة الدستورية العليا

القاهرة - رسالة وداعية رفيعة تركها رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور على مقعد الرئاسة قبل أن يغادره بساعات قلائل، تاركا مقعده للرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي، كثيرون اندهشوا من طلب البعض تدريس كلمته في كليات الحقوق.

لم أكن قد استمعت إليها بعد، غير أنني عندما طالعتها مكتوبة أدهشتني إشارات لم تكن غريبة على الرئيس منصور، فالقاضي الجليل يمتلك بلاغته الخاصة، هكذا معظم القضاة العارفين بفلسفة القانون، من هنا ظلت علاقته باللغة علاقة فريدة في كل خطاباته على التقريب، فبقدر إجرائية اللغة ووظيفتها إلا أنها لا تتخلى أبدا عن كونها استبطانا حقيقيا وعميقا لفكرة العدالة.

أجل، فكل من اخترعوا القواعد القانونية كانوا حكماء وخطباء بين أقوامهم، شهدنا ذلك في مصر القديمة وفي أثينا، وفي بيزنطة وفي الحضارة السومرية منذ اكتشاف ألواح جستنيان، فمن أصلاب هؤلاء يأتي عدلي منصور محملا برحيق المعرفة النوعية التي كانت تمثل في بداية حكمه عبئا ثقيلا عليه، حيث كانت لا تسعفه في التحدث إلى العامة، وهنا بدا الفرق بين رجل القانون ورجل السياسة، ربما لذلك اختار الرئيس المؤقت أن يفوض في الشأن التنفيذي رؤساء وزارته، وأن يبقى مشرّعا، حسبما فرضت عليه الأدوار السياسية في ظل غياب البرلمان خلال الفترة الانتقالية.


الجمع بين متناقضين


كان الرجل شديد الحرص على الجمع والتوفيق بين متناقضين: كيف يصون الحريات صونا كاملا غير منقوص وفي نفس الوقت يضرب بيد القانون كل من تسول له نفسه إهانة الواجب، أو محاولة هدم النظام، ويعد نجاح منصور ومعه الدولة في خلق هذا التوازن الفريد بين الحقوق والحريات في المنظومة التشريعية بعد الثورة واحدا من أهم أسباب نجاحها وتبلور خطاب مشروعيتها، فقواعد العدالة كانت عاصما للجميع من الطوفان، طوفان المزايدات والمؤامرات، فضلا عن الحاجة الحقيقية للدولة إلى ضبط منظومتها التشريعية وفق واقع جديد كان يجب أن يتساوى فيه الكافة، دون أن تتحول الدولة إلى منتج للظلم كما شهدنا في عصرين متلاحقين لنظامي مبارك ومرسي.

كان وجود عدلي منصور على رأس السلطة في تلك الفترة الخطرة من عمر مصر اختيارا دقيقا، فقد طرحته حركة تمرد التي قادت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 ضمن مطالبها التي انتهت إلى الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي، وكان قبول الرجل لمهمة مهيبة وشديدة الخطر عملا وطنيا بامتياز قرنه منصور في أحد خطاباته بأنه كان البديل للفوضى والحرب الأهلية، بهذا الالتزام الوطني عالج منصور مهام موقعه، واضعا بين ناظريه حتمية إعلاء القيم الأساسية للدولة المصرية، فعمل على خطاب سياسي يحاول رأب الصدع بين الكتل الاجتماعية والسياسية المتناحرة، في سياق توحيد العقل الجمعي حول ثوابت الوطن من وحدة واستقلال لاسيما فيما يتعلق بوحدة النسيج الوطني لعنصري الأمة.

كذلك لم يكن منصور غافلا عن مواضع قوة الدولة، ولم يكن في ذلك مرتجفا أمام الخطابات العنيفة وغير المسؤولة لبعض الفصائل السياسية عديمة التأثير، فعندما استدعت الحاجة تنظيم حق التظاهر، صدر القانون الذي ينظم هذا الحق دون النظر للمزايدات التي طالته وطالت تشريعه، وكان رده على ذلك أن الدولة يجب أن تكون موجودة حتى لو أخطأت، لأن أخطاء الدولة قابلة للمراجعة في كل الأحوال لأنها أيضا كيان ليس معصوما ولا يجب أن يكون كذلك، في الوقت نفسه لا يجب أن يقود الموقف الفردي اتجاهات الجماعة مهما كان صاحبه أو القوة التي تدعمه، فالثورة كسرت احتكار كل شيء وأي شيء، وليس ثمة حاجة لكهنة جدد يدّعون البراءة المطلقة دائما، ويفترضون السوء في غيرهم أبدا.

كان من أهم ملامح الخطاب الوداعي لمنصور إدراكه تحول الدولة الشمولية في مصر من النموذج الوطني إلي نموذج الدولة الطفيلية التي تعتمد على إذكاء الصراع العقائدي والطبقي لضمان هيمنتها، ما ساهم في إنتاج نموذج متطرف على كل الأصعدة


روح القانون


إن روح رجل القانون في عدلي منصور كانت مصانة دائما باعتصامها بروح الانضباط والمحافظة والتجرد، وهي الصفات التي يتمتع بها قاض شغل أرفع المناصب القضائية في البلاد وهو رئاسته للمحكمة الدستورية العليا، لذلك بدا محتوى خطاب منصور الوداعي رديفا لحكمة مصرية عرفناها وتعلمناها منذ آلاف السنين. فالخطاب على مستواه المضموني المعرفي يذكرنا بوصايا لقمان الحكيم أو مزامير داوود، أو كتاب الحكمة المصري الجبتانا، بالإضافة إلى المرجعية الأم الآتية من فكرة الالتزام الديني والأخلاقي التي لا يعرفها الإسلام بصيغته المعتدلة فحسب بل تعرفها الأديان السماوية كافة، من هنا كان التذكير بأحد ثوابت الدولة المصرية وهي التعدد والقبول بالآخر، واعتبار التراكم الحضاري جزءا لا يتجزأ من ثقافة الشعب ومن ثم مرجعيّاته، وهي المرجعية التي حاولت جماعة الإخوان المسلمين التنكر لمعاييرها ومن ثم التخطيط لاجتثاثها وزع اللغة الإقصائية المتعالية كبديل لها وعنها.

أما الرؤية التي يعكسها خطاب منصور في تصوره للدولة المصرية فتجسدت في قوله: مصر .. مُلتَقَى الْأَديَانِ السَّمَاوِيَّةِ.. مَعبَرِ الْأَنبِيَاءِ.. مَهْدِ الْحَضَارَةِ .. مَنبَعِ الْفُنونِ.. وبَهَاءِ الْعِمَارَةِ.. عَبقرِيَّةِ الْمَكَانِ.. مَركَزِ الْعَالَمِ.. وهَمزَةِ الْوَصْلِ بَينَ قَارَّاتِهِ الْقَدِيمَةِ.. مَشعَلِ الْحُرِّيَّةِ فِي إفرِيقيَا.. بَلَدِ النِّيلِ.. وأَرضِ الْفَيرُوزِ.. وقَناةِ السُّوَيسِ.. مِصْرَ الْأَزهَرِ والْكَنِيسَةِ.. مِصْرَ الْعَرَبيَّةِ والْإفرِيقِيَّةِ والْإسْلَامِيَّةِ والْمُتوَسِّطِيَّةِ.. دُرَّةِ الْعَالَمِ.. ومَحَطِّ أَنظَارِ الْجَمِيع.

وقد كان منصور حريصا على التنبيه هنا على فكرة النسيج الواحد للأمة الموحدة، وكما أشار إلى حكمة مؤسسة الأزهر أشاد بحكمة البابا شنودة الثالث، وكان حرص منصور على بلورة الموقف القبطي الوطني تعبيرا بليغا عن تجاوز الدولة بل عودتها إلى رشدها تحت مئزر المدنية والعدالة، فقد أنتج النموذج القمعي للدولة الشمولية والدينية، في معظم نماذجه، حالة من الارتياب تجاه الأقليات، وتم التعامل معهم باعتبارهم طابورا خامسا، جاهزا لاستعداء واستدعاء الأجنبي في اللحظة المناسبة. ولا أظن أن الأقلية القبطية في مصر تندرج تحت ذلك التوصيف، رغم أنها نجت من تلك الريبة بالحق أحيانا وبالباطل في معظم الأحايين لاسيما مع حكم الإخوان المسلمين، الذي يزكي ذلك بكل أسف، رغم تصاعد عدد من الأصوات في الداخل والخارج لدعم فكرة الحماية الدولية في فترة من الفترات، ومع ذلك فإن السياق العام الذي رسخته الأقلية القبطية طيلة تاريخها، وفي مجمل تكويناتها، لازال لصيقا بمفاهيم وطنية خالصة رفضت كل محاولات التواطؤ مع الأجنبي، ولعل موقف الكنيسة المصرية من التطبيع مع إسرائيل يبدو مثالا ناصعا على ذلك، وقد أشار منصور إلى عشرات الأسماء القبطية صاحبة الدور الوطني المحفور بحروف من نور في تاريخ الأمة المصرية.

لم يكن منصور غافلا عن مواضع قوة الدولة، ولم يكن في ذلك مرتجفا أمام الخطابات العنيفة وغير المسؤولة لبعض الفصائل السياسية عديمة التأثير، فعندما استدعت الحاجة تنظيم حق التظاهر، صدر القانون الذي ينظم هذا الحق دون النظر للمزايدات التي طالته وطالت تشريعه، وكان رده على ذلك أن الدولة يجب أن تكون موجودة حتى لو أخطأت


النموذج الوطنى


كانت من أهم ملامح الخطاب الوداعي لمنصور إدراكه لتحول الدولة الشمولية في مصر من النموذج الوطني إلى نموذج الدولة الطفيلية التي تعتمد على إذكاء الصراع العقائدي والطبقي لضمان هيمنتها، ما ساهم في إنتاج نموذج متطرف على كل الأصعدة ، غير أن الدولة التي قادها منصور لم تعمل على إذكاء مثل هذا الصراع لمصلحتها بل عملت على الاحتواء من أجل تحويل الطاقة الوطنية إلى طاقة إيجابية.

علي مدار ما يناهز العام استمرت لغة الرئيس المؤقت عدلي منصور تتشكل حول ثوابت الدولة المصرية المستعادة من بئر ظلامية لم يكن لها قرار، لذلك كانت أولى مهامه ترجمة هذا الاعتقاد بقوة الدولة ووحدتها إلى قواعد يمكن ضبطها، الأمر الذي تجلى في اختياراته الثاقبة والموضوعية في تشكيل لجنة الخمسين التي تصدت لوضع أخطر وأفضل دستور عرفته مصر الحديثة.

كان حجم التوافق السياسي الذي تشكل حول تلك الوثيقة الرفيعة مدهشا في عمقه وحجمه، وهو ما تبدى في حجم التصويت غير المسبوق على قبوله، حيث خرج ما يقرب من 21 مليون مصري وبنسبة موافقة تجاوزت الـ 97 بالمئة من أعداد المصوتين، وها هو عدلي منصور يشرف على الاستحقاق الثاني من خارطة المستقبل التي توافقت عليها قوى 30 / 6 / 2013، حيث كان حرص مؤسسة الرئاسة حاسما في إعمال أقصى قواعد العدالة في التعامل مع المرشحين المتنافسين، حيث تخرج الانتخابات في النهاية مطابقة لأعلى معايير الشفافية الدولية، وهو ما أشارت إليه معظم تقارير المراقبين الدوليين والمحليين الذين تجاوز عددهم 115 ألف مراقب بينهم جهات ومنظمات تراقب الانتخابات في مصر للمرة الأولى.


المحكمة الدستورية


يبدو الرئيس عدلي منصور المولود في العام 1945 والذي يقارب السبعين عاما من عمره في حيرة من أمره بعد أن يسلم مفاتيح السلطة للرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي، فثمة كلام كثير حول عودته رئيسا للمحكمة الدستورية العليا أو بقائه في قصر الرئاسة في موقع مستشار الرئيس الجديد للشؤون القانونية والدستورية، غير أن أصواتا كثيرة تتعالى بضرورة ترشح منصور لرئاسة البرلمان القادم، وفي حكم المؤكد أن الرئيس عدلي منصور سيعود إلى المحكمة الدستورية العليا رئيسا لها محل المستشار أنور رشاد العاصي الذي يقوم بمهامه الآن، لكن منصور نفسه أشار في وقت سابق إلى أن استمراره في موقعه يبدو صعبا، وكان مبرره أن موقعه الرئاسي أفقده ما يفترضه العدل من حيادية يتطلّبها موقع القاضي وضميره. بهذا العقل وبهذا الضمير عاشت مصر عاما من عمرها تحت سلطة تلتمس الشرعية أينما وجدتها، لذلك لم يكن غريبا أن يدعو المصريون بكافة أطيافهم إلى تكريم الرجل بما يليق بعطائه كرمز من رموز الوطنية المصرية التي ستبقي في ضمير الناس ما بقيت مصر. لذلك بدا لسان حال غالبية المصريين كأنه يقول له "شكرا أيها القاضي الجليل.. عدلي منصور”.

13