عدلي منصور.. رئيس مؤقت لوضع استثنائي

الأحد 2013/08/18
رفض كل المحاولات الخارجية للتدخل في الشأن المصري

بعد أن وصلت مصر إلى مشارف الهاوية والانهيار الاقتصادي في ظل حكم الإخوان، استطاع الشعب المصري من خلال ثورته الثانية أن يعيد الأمل للمصريين ويبعث في النفوس التفاؤل بحياة أفضل وذلك بتمكنه من إسقاط الحكم الإخواني وعزل رئيسهم محمد مرسي. وبما أن الدستور المصري ينص على أنه في حالة غياب رئيس الجمهورية بسبب الموت أو الاستقالة، فإن رئيس المحكمة الدستورية يتسلم إدارة البلاد لمدة أقصاها 60 يوما لحين انتخاب رئيس جديد. وقد أوقفت القوات المسلحة العمل بالدستور في الثالث من يوليو، وأعلن القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي عن أن عدلي منصور سيتولى مهام الرئاسة حتى تجري الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

تعيين عدلي منصور جاء إذن في ظروف استثنائية تعيشها مصر وفي أتون أزمة سياسية بعد إصرار الإخوان على شرعيتهم وقيامهم بالاعتصام في عدد من ميادين القاهرة.

الرئيس المؤقت رجل يكتنفه قدر من الغموض، و لم يظهر كثيرا في وسائل الإعلام، لذلك فإن قطاعا واسعا من المصريين يجهل شخصية الرجل وتوجهاته الفكرية والسياسية، لكن المستشار حامد الجمل يصفه بأنه رجل هادئ الطباع، يصدر قرارات متوازنة، وسيعمل على احترام إرادة الشعب المصري.

وسط تنامي الأزمة السياسية في مصر وازديادها حدة وتعقيدا كان موقف الرئيس المؤقت عدلي منصور واضحا وهو أن الأيادي مفتوحة إلى كل الطيف السياسي المصري للانضمام للعملية السياسية دون إقصاء أي طرف أو استبعاده، لكن مع ذلك فإن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يحاول إرباك المشهد وإدخال مصر في أتون الفوضى والاقتتال.

كان منصور إذن منذ بدايته كرئيس مؤقت لدولة مصر واضح الخطى يعرف ما هو المطلوب الآن في ظل الأزمة السياسية التي تشهدها مصر. وقد دعا في كل تصريحاته إلى ضرورة أن تكون مصلحة مصر هي العليا، وأن الجميع بما فيهم الإخوان مدعوون إلى تحمل مسؤوليتهم التاريخية أمام الشعب المصري وعدم تمكين أعداء الوطن من الوصول إلى غايتهم المعروفة وهي ضرب وحدة المجتمع المصري وتنوعه الثقافي والديني.

وبدا التوجه التصالحي مع كل أبناء الشعب المصري واضحا من خلال الخطاب الذي وجهه لكل المصريين بمناسبة عيد الفطر. فقد ناشد الرئيس المؤقت المصريين لتسوية الخلافات واللجوء إلى الحوار، مشددا على أنه لن يكون هناك تساهل أو تفريط بحقوق الشعب المصري. وقال "إننا واثقون من عبور مصر إلى برّ الأمان"، مشيرا في هذا الصدد إلى أنه تم إعطاء الفرصة كاملة للجهود الدبلوماسية للوقوف على المشهد الراهن.

وقال إن البعض يظن "أنه قادر على منع حركة التاريخ أو إيقاف عجلة الزمن، أو أنه قادر على تحدى إرادتكم في مستقبل واعد ومستحق.. وإن ذلك لن يكون"، مؤكدا أن خطوات الحكومة في مواجهة هذا الأمر "ستكون خطوات محسوبة ومتأنية بغير تساهل ولا تفريط".

وأشار إلى أن الحكومة ستمضي "قدما وبكل إصرار نحو تحقيق النتائج المرجوة من خارطة المستقبل التي أوليتمونا أمانة القيام بها، واليوم نبدأ خطوة جديدة في طريق إنشاء دستوركم بالإعلان عن قواعد تشكيل "لجنة الخمسين"، مشددا على أن مصر ستعبر أزمتها الراهنة.

وقد أبان قيام السلطات الأمنية بفض اعتصامي النهضة ورابعة بالقوة عن أن عدلي منصور كان يعي ما يقول في خطاب العيد فلا مجال للتساهل والتفريط في خارطة الطريق الجديدة وفي الانتصار للانتقال الديمقراطي وفي المستقبل الواعد للمصريين.

وإن عبر الإخوان عن صلف واضح وتلكؤ في الخروج من الأزمة الخانقة التي تهدد أمن المصريين جميعهم، فإن الرئيس المصري رأى عكس ذلك، فأمن الشعب المصري ومصلحة الوطن فوق حسابات الإخوان ومخططاتهم.

لذلك كان التوجه في البداية نحو الحوار والمصالحة الوطنية لكن الإخوان رأووا عكس ذلك، فكان الحل في فك الاعتصامات بالقوة إذ أن هيبة الدولة لا يمكن أن تمس بهذا الشكل المستفز والمتحدي الذي أراده الإخوان.


الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة


الرئيس عدلي منصور كان متعاونا إلى أقصى الحدود في ما يخص الوساطات الدبلوماسية التي سعت إلى إيجاد حل للأزمة التي تمر بها مصر، فقد عبّر مرارا عن أن الحكومة المصرية قد وفرت الدعم الكامل للجهود الدبلوماسية، التي لم تحقق النجاح المأمول، ورحب في الوقت ذاته بجهود هذه الأطراف، وثمّن مواقفها لدعم خارطة المستقبل وتعزيز الانتقال الديمقراطي.

ورغم القلق الدولي الذي عبّرت عنه العديد من الأطراف خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين أبانا عن قلقلهما وانزعاجهما لعدم توصل الأطراف في مصر إلى مخرج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأمور خلال المحادثات لنزع فتيل الأزمة السياسية في البلاد، فإن الرئيس المؤقت سعى إلى إقناعهما بأن المسألة مرتبطة أساسا بالحلول التعجيزية التي اشترطها الإخوان للخروج من حالة التجاذب السياسي الذي هو أصل الأزمة.

وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري والمفوض الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون قد عبرا في وقت سابق في بيان مشترك عن موقفهما مما يحصل في مصر بالقول "رغم تجنب المزيد من المواجهات الدموية حتى الآن.. فما زلنا نشعر بالقلق والانزعاج لعدم توصل زعماء الحكومة والمعارضة حتى الآن إلى سبيل لحل الأزمة الخطيرة والاتفاق على تنفيذ إجراءات ملموسة لبناء الثقة".

لكن السلطة في مصر وتحديدا ممثلة في الرئيس عدلي منصور قالت إنها بذلت كل الجهود وعرضت عدة اقتراحات للخروج من الأزمة إلا أن الإخوان أبدوا إصرارا على عودة مرسي وهو ما اعتبرته الرئاسة رجوعا للوراء لاسبيل إليه.

ومما دفعها أيضا إلى المضي قدما في قرارها الداعي إلى فض اعتصامات جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة بالقوة، وذلك بعد أن حمّلت الرئاسة الجماعة مسؤولية فشل الجهود الدولية لنزع فتيل الأزمة في البلاد.

وقد أشار الرئيس عدلي منصور إلى أن "جهود نزع الفتيل لم تحقق النجاح المأمول رغم الدعم الكامل الذي وفرته الحكومة المصرية"، محملا الإخوان مسؤولية فشلها.

وأضاف "انتهت اليوم مرحلة الجهود الدبلوماسية التي بدأت قبل نحو 10 أيام بموافقة وتنسيق كاملين مع الحكومة المصرية".

هذا القرار انتقدته الولايات المتحدة الأميركية معتبرة أن باب الحوار لايزال مفتوحا ورأت وزارة خارجية أن حل الأزمة السياسية في مصر يتطلب الوصول إلى تسوية وأن الوقت ما زال متاحا للحوار.

رفض التدخل الأجنبي

في كل مواقفه بدا عدلي منصور منحازا إلى الخيار الشعبي وهذا الموقف المبدئي جعله يرفض كل الضغوطات والمحاولات التي تسعى إلى التدخل في الشأن المصري وفي إرادة الشعب الذي رفض سياسة الإخوان ومحاولتهم أخونة المجتمع. وكان واضحا رفضه للتدخل الأميركي الذي أعلن على لسان العضوين البارزين في مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين وليندسي غراهام اللذين وصفا عزل الرئيس مرسي بالانقلاب، على اعتبار أن غير المنتخبين هم الذين يحكمون بينما المنتخبون معتقلون.

كما اتهم ماكين كذلك الإعلام المصري بشيطنة الولايات المتحدة الأميركية، مؤكدا أن ذلك يضر بالعلاقة بين البلدين. وقال لم نأت لمصر للتفكير في الماضي، مشددا على أن رسالته مع زميله هي أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد إلى الاستقرار.

وكان أحمد المسلماني المستشار الإعلامي للرئاسة المصرية قد ندد بشدة بتصريحات النائبين ووصفها بـ"الخرقاء" والمرفوضة، واتهم ماكين بتزييف الحقائق. وقال إن الرئيس المؤقت عدلي منصور يستنكر تصريحات ماكين ويعدها تدخلا غير مقبول.

لكن الموقف الذي عبر عنه ماكين وغراهام يتناقض مع تصريحات لوزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي قال قبل أيام في باكستان إن الجيش المصري "استعاد الديمقراطية" حين عزل مرسي.

وقد خفف كيري لاحقا في لندن هذا الموقف حين قال إن واشنطن وعواصم أخرى ستعمل على تسوية الأزمة السياسية في مصر سلميا.

عدلي منصور المولود في 23 كانون الثاني 1945 والحاصل على ليسانس حقوق في جامعة القاهرة ودبلوم القانون العام والعلوم الإدارية، أمامه الآن عدة تحديات فبعد خيار فض اعتصامات ميداني النهضة ورابعة بالقوة فإن المشهد السياسي المصري مرشح لمزيد من التوتر والاحتقان وسط تخوفات من خروج الأمور عن السيطرة.

لكن الرئيس المؤقت عدلي منصور والذي وعد بالوصول بمصر إلى بر الأمان وتكريس الانتقال الديمقراطي، لن تقف حكومته كما قال مكتوفة الأيدي ولن تتساهل مع كل من يحاول إرباك الوضع الأمني. فرغم المنعرج الخطير الذي تشهده مصر بعد فض اعتصامات الإخوان بالقوة وما يمكن أن يصل إليه الاحتقان الحاصل فإن عدلي منصور يحاول طمأنة المصريين بأنه لا يمكن التراجع عن إرادة الشعب المصري وخياراته. فهل يقدر الرئيس المؤقت على إيقاف التهور الإخواني و تجنيب مصر حربا أهلية قد تنسف العملية السياسية كليا؟

6