عدماء الدين

السبت 2015/06/06

لا ينطوي ما يوجّه من نقد صارم، وما يتّخذ من مواقف رفض حاسم وإدانة قاطعة، لما يلاحظه النّاس، ويعانون عواقبه وعقابيله، من تناقض جذريّ فادح بين تعاليم الدّين الإسلامي وأصوله، وبين ممارسات المتقنّعين بالدّين، مخضعينه لتأويلات تنافي جوهره وتناقض مقاصده، ومستغلّينه لاكتساب سلطة قهرية مصطنعة يمعنون في ممارسة ما توقعه أيديهم على النّاس من ظلم فادح لا تسوّغه، بأيّ منظور إنسانيّ أو حالٍ، المكاسب الدّنيوية الرّخيصة التي يحقّقونها، سواء لأسيادهم، أو لأنفسهم، أو للقلّة القليلة من جماعتهم وأتباعهم ومشايعيهم، أقول لا ينطوي هذا النّقد، وذاك الرّفض، وتلك الإدانة، على أيّ قدر من التّسرّع أو الافتعال أو الزّعم الظّني الباطل، ولا يمكن حمل أيّ منها على أدنى قدر من التشويه أو القسوة أو التّحامل المتعسّف على “عدماء الدّين” الذين يزعمون أنّهم “علماء دين”، أو يظنون أنهم قد قبضوا على حقائق كونية متعالية عجز الأخيرون، أي علماء الدّين المؤهّلين، ولا يزالون يعجزون، عن التماس بصيص ضوء يرشدهم إليها.

فظاهرة إمعان “الجهلاء” و”المشعوذين” و”غير المؤهّلين” في ادّعاء العلم والمعرفة وامتلاك الإجابات اليقينية عن كلّ سؤال مهما كان مركّبا أو إشكاليا، إنما هي ظاهرة أسرفت في الوجود والتّرسّخ في نسيج مجتمعاتنا العربية المتخلّفة، وفي غيرها من المجتمعات المحكومة بأوضاع اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية مماثلة، وذلك إلى الحدّ الذي جعل الإسراف في التّدليل على وجود هذه الظاهرة المتعدّدة المنابع والأوجه والغايات، أو الإمعان في تحليلها لتبيان أشكال تجسّدها المتنوّعة، ولفت الأنظار إلى ما تفرضه من مخاطر وتهديدات وتحديات، راهنة ومستقبلية، على هذه المجتمعات، وربما على الإنسانية بأسرها، أمرا لا يعدو أن يكون تزيّدا إضافيا لا قيمة له، ولا حاجة للنّاس المكتوين بنار تلك الظّاهرة الظّلامية العجفاء أن يوغلوا فيه.

ولعلّنا في غير حاجة إلى تأكيد حقيقة أنّ ظاهرة تكاثر “عدماء الدّين” الذين يقنّعون وجوههم بأقنعة “علماء الدّين” الأكفاء المقدّرين، قاصدين إخفاء غاية مقاصدهم وحقيقة هويّاتهم، لإظهار نقيضيهما اللذين يتيحان لهم الإيغال في خداع النّاس وتضليلهم وجرّهم إلى نقيض ما يتوقون إليه، وذلك بإعلان أنفسهم “مراجع دينية” و”مرجعيات شمولية” لمن يقع في شراك خداعهم الأسود من عامّة النّاس، والشّروع، استنادا إلى ذلك، في أخذ هؤلاء النّاس ومن تبعهم إلى سواد أقبيتهم المعتمة التي فيها يخضعونهم، تحت سطوة الجهل المقنّع بالمعرفة اليقينية، السّرّية والمقدّسة في آن معا، للبؤس المرّ، ولأقسى أنواع الخبل والعته والشّعوذة وانتهاك الدّين والاستبداد الاستغلالي المقيت، ليست بظاهرة جديدة لم تعرفها من قبل، وعلى امتداد الأزمنة حتى زمننا هذا، المجتمعات الإنسانية التي يعتنق أفرادها أيّا من الدّيانات، السّماوية أو غير السّماوية.

وليس لزعم اقتران هاته الأيديولوجيات الدّينية التخييلية بالسّرية والقداسة، كما ليس لصبغ ما تنطقه، أو ما تسكت عن نطقه لتمارسه في الواقع مؤكدة رسوخه في نسيجها، من تصوّرات متخيّلة وأوهام مشعوذة وأحكام متعسّفة، بصبغة الحقائق المطلقة غير القابلة للشّكّ والمناقشة، أو للجدل والدّحض، أو حتّى لنيّة السّعي إلى إدراك حقيقة مقاصدها الباطنة عبر نوع من التأويل المنطقي المستند إلى إعمال العقل من قبل العقلاء المؤهّلين لفعل ذلك، إلا أن يكشفا عن جسامة الإمعان في توظيف آلية تراكب الأقنعة من قبل صنّاع تلك الأيديولوجيات الزّائفة من “عدماء الدّين”، كآلية تخييلية تأسيسية تيسّر انتهاك الدّين لإنتاج تلك الأيديولوجيات، وتضمن سرعة انتشارها، وتتوخّى، ضمن ما تتوخّاه من غايات ومقاصد، تحقيق أمرين:

يتمثّل أول هذين الأمرين في إخفاء الدّوافع والمقاصد الدّنيوية الحقيقية لاصطناع هذه الأيديولوجية المقنّعة بالدّين مؤوّلا على نحو زائف من قبل “عدماء الدّين” المجنّدين لتعزيز سطوة أسيادهم ومشغّليهم وداعميهم ومطلقيهم من قوى الاستعمار والاستغلال والاستبداد والعنصرية والظلام والإرهاب والعنف، وحماية مصالح هذه القوى، وتجذيرها وتوسيع نطاقها، وتأبيد حضورها. أما ثانيهما، فيتجسّد في تغطية الشّهوة الجامحة التي تسكن “عدماء الدّين” مسكونة بوعود أسيادهم إليهم، وبالطّمع والجشع اللذين يتملّكانهم، للاستئثار لأنفسهم، دون غيرهم من النّاس ومن ضمنهم الأعمّ الأغلب من أتباعهم الذين هم أحطاب محارقهم، بموارد الدّنيا، وبهجة الحياة، وسعادة العيش.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16