عدم الاستقرار في العراق يضعف إيران

الاثنين 2014/07/07
صورة المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي معروضة في وسط بغداد

واشنطن – في التغطية المحمومة، والمبالغ فيها، للتقدم الدموي للدولة الإسلامية في العراق والشام داخل الأراضي العراقية، تقول بعض التحاليل إن “انتصارات” داعش، المزعومة، من شأنها أن تعزز النفوذ الإيراني في المنطقة. وحسب هذا الرأي بما أن الحكومة الشيعية برئاسة نوري المالكي تعتمد بشكل متزايد على الدعم الإيراني من أجل إيقاف زحف داعش يمكن أن يزيد تأثير إيران في المنطقة ومن ثم يمكن أن يقوى موقفها في المفاوضات النووية مع الغرب.

تقترب المحادثات النووية مع إيران من موعد 20 يوليو الحاسم من أجل التوصل إلى صفقة نهائية، لذلك ليس من الغريب أن نستمع إلى افتراضات تفيد بأن “انتصارات” داعش ستؤثر على المفاوضات. مثلا عبّر قادة اسرائيليون عن مخاوفهم بأن الولايات المتحدة قد تحاول الدفع نحو صفقة غير مثلى بما أنها تتعرض لإغراء التعاون مع إيران لمواجهة عدو مشترك في العراق. ويشارك أجوار آخرون مثل المملكة العربية السعودية مخاوف مشابهة بشأن تناقص التأثير الأميركي وتزايد القوة الإيرانية الإقليمية. لكن هذه الطريقة في التفكير تخطئ في قراءة تداعيات الأزمة العراقية وعلاقتها بالمفاوضات النووية.

أولا، لدى إيران أسبابها الخاصة لمجابهة داعش مع إعفاء الولايات المتحدة من دفع أي ثمن لها. فهي تمثل تهديدا لإيران بسبب فكرها المعادي لللشيعة ولأنها تهدد حليفها في بغداد الذي عمل على ألا يمثل العراق أي تهديد استراتيجي لطهران. كما أن مكاسب داعش تعرض الأحلاف الاستراتيجية الإيرانية الأوسع مع سوريا وحزب الله للخطر عبر احتلال أراض تستعملها إيران عادة لنقل السلاح إلى حزب الله.


احتواء النفوذ الإيراني


من المؤكد أن جهود المتطرفين لإثارة الفوضى الطائفية عبر الجرائم الفظيعة ضد الشيعة في العراق سيجعل الحكومة العراقية والسكان الشيعة في البلاد أكثر استعدادا لقبول المساعدة والنفوذ العلنيين من إيران. لكنهم كانوا مستعدين لذلك من قبل، فالمالكي أظهر ذلك باتباع سياسات طائفية معادية للسنّة ساعدت على تأجيج الوضع منذ البداية. كما أن ارتباطاته العريقة بإيران ليست سرا، ويعزو الكثير من الملاحظين معارضة المالكي لتواصل التواجد العسكري الأميركي في العراق بعد 2011 إلى النفوذ الإيراني. إنه من الحمق الاعتقاد بأن أية حصيلة ختامية في العراق ستترك إيران دون نفوذ.

لكن بالتهديد وزعم أن انتصارات داعش تؤدي إلى انقسام البلد بحكم الواقع، يمكن احتواء النفوذ الإيراني بشكل أكبر مما كان عليه الوضع في السنوات الأخيرة، فهذا النفوذ من المرجح أن يقتصر على الجنوب الشيعي – وهي نكسة للحكومة الإيرانية التي تحبذ أن يكون كل العراق تحت هيمنتها. ثم إن الثمن للحفاظ على مثل ذلك النفوذ يمكن أن يكون أعلى إذ أن ما تبقى من الدولة العراقية قد يحتاج المزيد من المساندة من إيران في الوقت الذي تعاني فيه هي ذاتها من الضعف.

لكي تضمن إيران بقاء الأسد في السلطة على إيران أن تستثمر المزيد من الدماء والأموال

إذا واصل المسلحون إلى السيطرة على المرافق الاستراتيجية المهمة من نفط وغاز وكهرباء، يمكن أن يصبحوا قادرين على قطع الكهرباء وامدادات الطاقة إلى بغداد، ويمكن أن تسد إيران جزءا من ذلك الفراغ لمساندة الحكومة الشيعية في العراق لكن المنتوجات النفطية والغازية في إيران مدعمة بشكل كبير وتعاني من نقص في التزويد، لذا فإن فعل ذلك من شأنه أن يتسبب في استنزاف الاقتصاد الإيراني في الوقت الذي أجبر الوضع المحلي الهش في إيران الحكومة على الذهاب إلى طاولة المفاوضات مع الغرب.

من الناحية العسكرية، دولة عراقية محاصرة بقوات داعش ستواجه تحديات لتأمين حدودها. وهنا يمكن لإيران تقديم المساعدة، بيد أن لواء القدس الإيراني مشغول الآن بمساعدة الأسد في سوريا حتى لا ينهار. وحتما ستجد إيران الرجال والعتاد (أو تحوّلهم) من أجل التعامل مع هذا التهديد الأشد إلحاحا على حدودها لكن عندها ستكون معرضة لتحمل العواقب في سوريا. وفي آخر المطاف ستتدفق المكاسب المالية من استحواذ داعش على كبرى المدن (والبنوك) العراقية عبر الحدود إلى قواتها في سوريا. ولكي تضمن إيران بقاء الأسد في السلطة عليها أن تستثمر المزيد من الدماء والأموال، وليس أقل، لكن ليس من الواضح إن كان هذا البلد قادرا على فعل ذلك بينما يحارب في العراق مع تغييب صفقة نووية وما يصحبها من تخفيف للعقوبات.


حرب طائفية


أخيرا شبح اندلاع حرب طائفية إقليمية تطلقها هجمة الدولة الإسلامية في العراق والشام هو افتراض خاسر بالنسبة إلى إيران، إذ أن الشيعة أقلية في المنطقة وإيران لا تستطيع أساسا ممارسة نفوذ إقليمي أكبر دون بعض المساندة من السكان المسلمين السنة. لقد كانت إيران تتمتع بشيء من تلك المساندة بفضل عدائها للغرب واسرائيل ودعمها لمواجهات حزب الله مع اسرائيل، لكن ذلك تدهور سريعا منذ بداية الانتفاضات العربية ومساندة إيران في قمع المعارضة السنية في سوريا. لذلك السبب أعرب الرئيس الإيراني حسن روحاني عن اهتمامه الخاص بالعمل على القضاء على التوترات الطائفية مع أهم البلدان المجاورة، وهو أمر ضروري لكي يتم في نهاية المطاف فض الحرب بالوكالة في سوريا. لكن اندلاع حرب جديدة بالوكالة في العراق عبر دفع قوات مدعومة من السنة لمواجهة الحكومة الشيعية والمليشيات المدعومة من قبل إيران من شأنه أن يجعل مثل تلك المصالحة أمرا مستحيلا.

بعبارة أخرى، بدل مساعدة إيران في المفاوضات النووية فإن معركة طهران ضد داعش يمكن في الحقيقة أن تضر بها. إن الديناميات الاستراتيجية الأوسع كانت ضد إيران، والوضع في العراق لم يزد تلك الحقيقة إلا ترسيخا.

هناك ميل في الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن أية خسارة عند الغرب هي بالضرورة ربح لإيران، لكن في العراق كلا الطرفين خاسر في مواجهة عدو مشترك. وهذا التلاقي في المصالح قد يزيد في دوافع إيران من أجل عقد صفقة نووية حتى تتحصل على التخفيف في العقوبات الذي تحتاجه لكي تعالج الضغوط المحلية لديها فضلا عن التحديات الإقليمية المتزايدة. فإذا أدت أزمة داعش وما يتبعها من تكاليف لإيران إلى تعزيز إمكانية عقد صفقة نووية بإمكانها حتما منع إيران من تسليح برنامجها النووي في المستقبل المنظور، فذلك سيكون من التداعيات الإيجابية غير المنتظرة لوضع إقليمي بائس.

7