عدم الاستقرار ليس حكرا على الدول النامية

الأربعاء 2014/07/09
الأمراض والمجاعة والتشريد تهدد سكان جنوب السودان

واشنطن - جاء ترتيب جنوب السودان الأول من حيث الهشاشة بين دول العالم بينما احتلت فنلندا المرتبة الأخيرة باعتبارها الدولة الأقل هشاشة على المؤشر السنوي للدول الهشة في العالم لعام 2014، فيما قدّم المؤشّر وفق قراءة لمجلة “فورين بوليسي” نظرة قاتمة بشأن ليبيا وحذّر العراق من العودة إلى مربع الدول الأكثر هشاشة بعد التقدّم الذي حققه في الأعوام الماضية.

يواجه أي هيكل حكومي، بغضّ النظر عن متانته، عدّة تحديات تفرضها التطورات التي يعيشها على مدار السنة، وتؤسّس مخلفات هذه التحديات ليس فقط لشرعية الدولة المعنية، بل كذلك لتجربة مواطنيها خلال العقود القادمة.

في هذا الإطار، يقدّم “مؤشّر الدول الهشة”، الذي أطلقه “صندوق السلام” منذ 10 سنوات وتنشره مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، فكرة واضحة عن الوضع الداخلي لكافّة بلدان العالم من خلال ترتيبها بالاستناد على حصيلة سنوية للتطورات التي استجدت بها ومدى تأثيرها على استقرارها وحيويتها الاقتصادية والسياسية.

و”صندوق السلام” (Fund for Peace) منظمة أميركية تعنى بمنع النزاعات. وقد اعتمدت في وضع المؤشر على العديد من المعايير أهمها: الديمقراطية السائدة في البلد، وتماسكه العرقي والثقافي، المستوى الاقتصادي والتعليمي، مدى حرية وسائل الإعلام، حقوق الإنسان، الضغوط الديمغرافية مثل نمو السكان، ندرة الغذاء ومعدلات الوفيات في الدولة، اللجوء والنزوح الداخلي، العنف بين المجموعات داخل الدولة، معدلات الهجرة إلى الخارج، الفقر، الفساد، الخدمة العامة، حقوق الإنسان وحكم القانون، والتدخل الخارجي مثل العقوبات.

أثبتت هذه المقاييس، على مرّ السنين، أنه نادرا ما يطرأ تغيير جوهري على الوضع العام للدول، فتسعة من جملة العشر دول الأكثر هشاشة سنة 2013، حافظت على نفس المرتبة التي احتلتها في مؤشّر سنة 2012. وذلك بالرغم من التطورات التي تطرأ على السياسة الداخلية لهذه البلدان وحتى على مؤشراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تستند الحصيلة العامة لسنة 2013 على البيانات التي تم جمعها خلال السنة التقويمية، ويظهر المؤشّر أنه يمكن لديمقراطية ناشئة واعدة أن تنهار بسهولة، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا. فقد اندثرت كلّ آفاق التغيير في ليبيا، في ظلّ مساعي الحكومة المركزية إلى التصدّي للميليشيات المسلحة. وبالرغم من التفاؤل الذي عبّرت عنه الدول الغربية الراعية للسودان، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، فقد انهار استقرار البلاد إثر اندلاع الحرب الأهلية في جنوبه.

أساءت المشاحنات الحزبية والأنشطة المثيرة للجدل لوكالة الأمن القومي إلى الحصيلة العامة للولايات المتحدة الأميركية

وتشير مجلة “فورين بوليسي” إلى أن التقرير المصاحب للمؤشّر يحمل كذلك أنباء طيبة، لاسيما بشأن إيران التي بادرت بالدعوة إلى مفاوضات نووية مع الغرب، وهو ما يمثّل أفضل النقاط التي تطرّق إليها التقرير. كما صمدت عدّة مراكز اقتصادية ناشئة في وجه الصراعات الداخلية - على غرار حملة الفساد غير المسبوقة في الصين والاحتجاجات المناهضة للحكومة في تركيا- ممّا أدّى إلى تحسين حصيلتها العامّة.

ويكشف التقرير كذلك عن نقاط مثيرة للدهشة على غرار مدى استقرار كوريا الشمالية، مقارنة بما توحيه من هشاشة. وعلى الرغم من فخر الغرب باستقراره، مقارنة مع بقية دول العالم، فقد أظهرت البيانات مدى نسبية هذه الحقيقة. إذ أساءت المشاحنات الحزبية والأنشطة المثيرة للجدل لوكالة الأمن القومي، على سبيل المثال، إلى الحصيلة العامة للولايات المتحدة الأميركية.

الدول الضعيفة والهشّة

كان المؤشّر يحمل اسم “مؤشّر الدول الضعيفة”، لكن هذه السنة تم تغييره إلى “مؤشّر الدول الهشة”، وتفسّر كريستا هندري، المديرة التنفيذية لـ”صندوق السلام”، هذا التغيير قائلة: “في البداية، كنا نهدف أساسا إلى لفت الانتباه إلى واقع الظروف السيئة التي يعيشها سكان هذه البلدان والقضايا التي تطرحها في مجالات عدّة كحقوق الإنسان والعنف والإرهاب. وقد نجحنا فعلا في ذلك. لكن مع مرور الوقت، أدركنا أنّ تسمية “الدول الفاشلة” أصبحت قضية في حدّ ذاتها. لذلك قررنا تحويل التركيز من “فشل” الدولة إلى “هشاشتها”، لجعل العامل البشري، ومدى معاناة السكان في هذه البلدان، محور اهتمامنا".

وتضيف هندري، في حوار أجراه رئيس تحرير “فورين بوليسي”، بنجامن بوكر، مع المديرة التنفيذية لـ”صندوق السلام” عما يمكن استنتاجه بعد عشر سنوات من انطلاق المؤشر السنوي، وتوقعاتها بشأن مؤشرات السنوات المقبلة، أنّ أهمّ نقطة يمكن استنتاجها من المؤشرات العشرة، التي قدّمها صندوق السلام، تكمن في ضرورة عدم اقتصار الحكومات على تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العمومية، ومدى أهمية تعزيز هذه الإصلاحات بمعالجة القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان والمطالبات الاجتماعية، لتفادي اندلاع العنف.

الدول الأكثر هشاشة
◄ 1جنوب السوادن

◄ 2 الصومال

◄ 3 أفريقيا الوسطى

◄ 4 الكونغو الديمقراطية

◄ 5 السودان

◄ 6 تشاد

◄ 7 أفغانستان

◄ 8 اليمن

◄ 9 هايتي

◄ 10 باكستان

◄ 11 زيمبابوي

◄ 12 غينيا

◄ 13 العراق

◄ 14 ساحل العاج

◄15سوريا

وتُقرّ هندري بالتحسّن الملحوظ الذي حققته بعض الدول، على غرار سيرا ليون، التي تُعدّ أوّل دولة تغادر قائمة العشر الأول في ترتيب أكثر الدول هشاشة. إلّا أنها تُذكّر كذلك بأنّ هذه الحالة نادرة جدّا. فمعظم الدول التي يشملها الترتيب لم تغادر هذه القائمة منذ عشر سنوات، باعتبار أنّ تصعيد العنف وتزعزع الاستقرار هما عاملان من شأنهما أن يرفعا بسهولة أي دولة إلى رأس القائمة، في حين عادة ما يتطلّب تحسين ترتيب دولة -أي تحقيق الاستقرار المستديم بها- مجهودات واسعة على امتداد جيل كامل. وهو ما حققته سيرا ليون من خلال البناء المستمر لقدراتها وخلقها لهيكلة حكومية ناجعة بالاستناد على المعرفة والخبرة المكتسبة على أرض الواقع.

وتقول هندري: “على المجتمع الدولي أن يدرك أن هذه المشاريع تتحقق على المدى الطويل. إذ علينا المثابرة والتمسّك بأهدافنا لسنوات طويلة”. كما تضيف: “وحدها الدولة المعنية قادرة على استئصال نفسها من قائمة العشر الأول في ترتيب أكثر الدول هشاشة. ويقتصر دور المجتمع الدولي، في أحسن الأحوال، على دعم هذه المجهودات".

الفرق بين سوريا وجنوب السودان

ترى كريستا هندري أنّ جنوب السودان سيستقطب حتما الاهتمام، على صعيد التوقعات المتعلقة بفهرس سنة 2014، بحكم تصدّره لقائمة سنة 2013. وتقول في حوارها مع مجلة “فورين بوليسي”: “تمّ نشر القائمة في نهاية 2013، ولكن، حتى في تلك الفترة، كنّا مدركين أنّ هذه الدولة ستكون عرضة لموجة عنف واسعة، مع افتقارها إلى المؤسسات الحكومية الضرورية لاحتواء مثل هذه الأزمة ومعالجتها".

وتضيف: “يسألنا العديد من الملاحظين باستمرار عن أسباب عدم إدراجنا لسوريا، على سبيل المثال، في صدارة الدول الهشة. وعلينا هنا أن ندرك الفرق بين دولة قوية - وإن لا تبدي أي استعداد لحماية شعبها، بل وتبادر بالحاق الضرر بهم-، وبين دولة عاجزة عن حماية مواطنيها- وإن رغبت في ذلك”. كما تُذكّر هندري بأنّه سيكون من شأن دول أخرى، على غرار أوكرانيا وروسيا والعراق وتايلند، أن تغيّر الترتيب الحالي للقائمة، باعتبار التطورات المحورية التي عرفتها منذ بداية سنة 2014.

ورغم أن العراق حقق تقدما على مؤشر الدول الهشة في السنوات الماضية، حيث كان العراق في المرتبة الثانية على مؤشر 2007 بمجموع 111.4 نقطة، وتقدّم إلى المرتبة السابعة سنة 2010، بمجموع 107.3، وجاء ضمن مؤشر 2014 في المرتبة 13، لكن تقرير صندوق السلام الدولي يحذّر من أن العراق لا يزال في دائرة الخطر والفشل باعتبار ما يعيشه اليوم من أحداث خطيرة. تختم المديرة التنفيذية لـ”صندوق السلام” حديثها مع رئيس تحرير “فورين بوليسي”، بنجامن بوكر مشيرة إلى أن: “أيّ دولة لن تنجح في تحقيق تغيير جذري في اقتصادها بين عشية وضحاها، في ظلّ ضغوطات ديمغرافية وقضايا سياسية عالقة، على غرار الفساد وخرق حقوق الإنسان. فالقائمة تستند على عوامل ومعايير شاملة من شأنها أن تلعب دورا محوريا في نجاح المجتمعات والأمم. وعلى هذه المجتمعات النامية خاصّة منها تلك التي تشمل بعض الخبرة أو التخصص- أن تدرك مدى ترابط هذه العوامل”. وتضيف: “لا أحد منا يستطيع إصلاح أي من هذه القضايا بمفرده. وإدراك هذه الحقيقة هو جزء كبير من التحدي الذي نواجهه".

تصعيد العنف وزعزعة الاستقرار هما عاملان من شأنهما أن يرفعا بسهولة أي دولة إلى رأس القائمة

من بين دول المؤشّر الـ178 يأتي عدد كبير من الدول العربية والإسلامية في مراتب متقدمة على القائمة، وأُضيفت كذلك ضمن الدول شديدة الهشاشة دول أخرى مثل ميانمار ودولة أفريقيا الوسطى لأسباب عدة لاسيما التوترات العرقية والمذابح التي استهدفت المسلمين فيها بالأساس. وجاءت مصر في المرتبة 31، فيما احتل الصومال المرتبة 2 والسودان المرتبة 5 واليمن المرتبة 8 وسوريا المرتبة 15 وجاء لبنان في المرتبة 46 والجزائر في المرتبة 71 وترتيب تونس 87.

لكن اللائحة لم تقتصر على الدول النامية فقط، بل اشتملت على دول متقدمة مثل فرنسا التي احتلت المرتبة 160. وصنّفت كأكثر الدول التي ساءت أوضاعها السياسية والاقتصادية خلال العام الماضي، وفقا لما ذكرته المنظمة. وقد أيّد موقع “ميديا آرت” الفرنسي هذا التصنيف مشيرا إلى أن فرنسا أضحت “ديمقراطية هشة".

وقال القائمون على المنظمة إن “هذه اللائحة تعد دليلا على أن مدى عدم الاستقرار لا يعد حكرا على الدول النامية وحدها”، لكن المنظمة أشارت، في الوقت ذاته، إلى أن الدول المتقدمة احتلت مراتب في أسفل اللائحة، وصنفتها بـ”المستقرة".

من جانبها سجّلت دول الخليج العربي مراكز إيجابية على مؤشّر الدول الهشّة في العالم. وكانت أكثر الدول الخليجية هشاشة السعودية، إذ جاءت في المرتبة 96، في حين جاءت البحرين في المرتبة 120 والكويت في المرتبة 127 وقطر في المرتبة 139 وسلطنة عمان في المرتبة 135 ودولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 143. وجاءت في أسفل القائمة فنلندا في المرتبة 178.

6