عدم الفصل بين التعليمي والسياسي تهمة تحاصر الجامعة الأميركية بالقاهرة

زيادة أعداد أفرع الجامعات ومراكز الأبحاث الأميركية في المنطقة العربية تبرهن على أن هناك رغبة في إظهار الوجه الأخلاقي للولايات المتحدة، عبر الواجهة الثقافية والتعليمية.
الاثنين 2019/02/11
خطاب بومبيو يزيح اللثام عن أدوار الجامعة الأميركية

القاهرة- بدأت الجامعة الأميركية في القاهرة، السبت، الاحتفال بمئوية تأسيسها، وسط اتهامات متلاحقة بشأن انخراطها في العمل السياسي والتخلي عن جزء من استقلالها التام عن الإدارة الأميركية، بعدما صوت ما يعرف بـ”مجلس شيوخ الجامعة” على سحب الثقة من رئيسها أخيرا، السفير السابق في القاهرة فرانسيس ريتشاردوني، إثر استضافته لخطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الشهر الماضي، دون الرجوع إلى المجلس، والتذرع بأن جهة ما طلبت منه ذلك.

وصوت مجلس الشيوخ، وهو الممثل الرئيسي لأعضاء هيئة التدريس، ويضم طلابا وأعضاء في الإدارة، الثلاثاء الماضي، على سحب الثقة من رئيس الجامعة بموافقة بلغت 90 بالمئة من إجمالي الأعضاء، وبدأ مجلس الأوصياء الذي يتولى مهمة تعيين رئيس الجامعة، مهمة البحث عمن يخلف ريتشاردوني.

ويرى  أساتذة الجامعة أن فتح ملف استضافة بومبيو جاء متأخرا، لكن كانت هناك مناقشات حامية داخلية بشأنه منذ الإعلان رسميا عن الخطاب، وارتفعت حدة المسألة تدريجيا، عقب فشل جهود احتواء الأزمة من الداخل، لأنها انطوت على رغبة في إقصاء مجتمع الجامعة، الذي يريد المحافظة على قدر واضح من استقلاليته العلمية.

وينص ميثاق الجامعة، على أنها مؤسسة تعليمية غير مسيّسة وغير هادفة إلى الربح، ولا يجب أن تتخذ موقفا سياسيا أو تستضيف شخصيات تُسقط توجهاتها على صورة الجامعة.

يؤكد بعض المراقبين أن الخطاب السياسي الذي وجهه بومبيو إلى منطقة الشرق الأوسط من الجامعة الأميركية في القاهرة يختلف بشكل كلي عن المحاضرات التي يلقيها العديد من رموز السياسة الأميركيين أو غيرهم ممن تستضيفهم الجامعة.

اتهامات متلاحقة للجامعة الأميركية في القاهرة بشأن انخراطها في العمل السياسي والتخلي عن جزء من استقلالها التام عن الإدارة الأميركية
اتهامات متلاحقة للجامعة الأميركية في القاهرة بشأن انخراطها في العمل السياسي والتخلي عن جزء من استقلالها التام عن الإدارة الأميركية

وسبق للجامعة أن استضافت شخصيات سياسية أميركية مرموقة، وألقت خطبا من على منبرها ولم تجد اعتراضات كبيرة مثل الاعتراض الحاصل على خطاب بومبيو.

واتسع نطاق الجدل بين أعضاء هيئة تدريس الجامعة حول كيفية حماية الجامعة من الدخول في معترك السياسة، وقيل إنها حافظت على قدر كبير من استقلالها، إبان اندلاع ثورات الربيع العربي، من دون أن تبدي رأيا سياسيا قاطعا في ما يحدث.

وعبرت باسكال غزالة، أستاذة التاريخ بالجامعة الأميركية على صفحتها بموقع فيسبوك، عن رفضها أسلوب ريتشاردوني للجامعة قائلة “رئيس الجامعة يتعامل مع الجامعة كملحق للسفارة الأميركية في القاهرة وليس كمؤسسة تعليمية مستقلة”، واحتجت على تسييس دور الجامعة الذي قالت إنه في الأصل “بحثي تنويري”.

وهو ما رد عليه ريتشاردوني، قائلا “أنا واثق من أن أعضاء هيئة التدريس لدينا يشتركون في التزام الجامعة بالمبدأ الأساسي لحرية التعبير، وغالبا ما مثلت جامعتنا سوقا عالمية وإقليمية جذابة للأصوات المتنوعة والموثوقة التي تحمل أحياناً أفكارا مثيرة للجدل أو غير شعبية”.

كانت الافتتاحية التي بدأها بومبيو خلال خطابه في يناير الماضي، مثار تساؤلات وقال فيها “شكرا لفرانك ريتشاردوني، شكرا على الخدمات التي تقدمها لأميركا، إلى جانب الواجبات التي تقوم بها هنا”، الأمر الذي دفع حافظ الميرازي، الذي يقوم بالتدريس في الجامعة، إلى التساؤل عن ماهية هذه الواجبات التي تتعارض مع منصبه التعليمي كرئيس للجامعة.

وقال مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن الدور السياسي الذي كان ظاهرا عند بداية تأسيس الجامعة لم يعد موجودا الآن، لكن الجامعة كواجهة تعليمية للولايات المتحدة تلعب هذا الدور بشكل غير مباشر، باعتبارها ساحة لممارسة الحريات الأكاديمية، وفي أحيان عدة تتيح الفرصة لشخصيات معروفة باستقلالها الفكري أن تتحدث من خلال منبرها، ما يثير جدلا سياسيا في حينه.

وضرب السيد مثالا باستضافة الجامعة خلال العام 2010 الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، والذي انتقد محاولات توريث السلطة، وكانت هذه المحاضرة مثار اهتمام دوائر إقليمية ومحلية عديدة، وبعثت برسالة صريحة إلى النظام المصري في ذلك الحين، لكنه يرفض في الوقت ذاته معتقدات العديد من المصريين الذين يرون الجامعة واجهة للاستعمار الفكري أو السياسي الأميركي داخل البلاد.

ميثاق الجامعة ينص على أنها مؤسسة تعليمية غير مسيّسة وغير هادفة إلى الربح، ولا يجب أن تتخذ موقفا سياسيا أو تستضيف شخصيات تُسقط توجهاتها على صورة الجامعة

وفتح بيان أصدره مجلس أوصياء الجامعة عقب تعيين ريتشاردوني، الباب لجدل واسع في الأوساط السياسية والأمنية المصرية، مشيرا إلى أن “الفترة المقبلة تتطلب شخصية بقدرات معينة .

وما يبرهن على وجود صبغة سياسية على قرارات الرئيس الحالي للجامعة، أنه اتخذ إجراءات بدت كأنها تعادي الحريات العامة بالمخالفة لسياسات الرؤساء السابقين للجامعة، والذين سعوا إلى توفير مناخ ديمقراطي داخلها.

وأكد طارق فهمي، الباحث بمركز دراسات الشرق الأوسط في القاهرة، أن قرارات ريتشاردوني المرتبطة بالحريات العامة تشير إلى أن السياسة الخارجية الأميركية تدخلت في عمل الجامعة، الأمر الذي قد ينعكس على توظيف الولايات المتحدة للمؤسسات الثقافية والتعليمية التابعة لها في الشرق الأوسط لصالح الترويج لوجهة نظرها وتصويب صورتها.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن زيادة أعداد أفرع الجامعات ومراكز الأبحاث الأميركية في المنطقة العربية تبرهن على أن هناك رغبة في إظهار الوجه الأخلاقي للولايات المتحدة، عبر الواجهة الثقافية والتعليمية، وأن هذه المؤسسات توظف أدواتها باحترافية في المناسبات السياسية بما يدعم وجهة نظر واشنطن، سواء كان ذلك عبر الندوات أو من خلال الترويج لقيم الديمقراطية

7