عدم تحمس الحزام السياسي للمشيشي يرجئ التعديل الوزاري في تونس

ضغوط النهضة تضع رئيس الحكومة في صدام مع سعيد.
الثلاثاء 2021/01/12
ضغوط متزايدة

تونس - تزايدت وتيرة التطورات السياسية في تونس وسط مشهد ضبابي بعد تداخل حسابات الحوار الوطني المقرر إجراؤه في وقت لاحق مع التعديل الوزاري الذي كان من المرتقب أن يتم الإعلان عنه، غير أن المؤشرات السياسية تنبئ بأنه سيقع تأجيله.

ويبدو أن المشيشي بات مجبرا على إرجاء الإعلان عن التعديل الوزاري والتريث بعد أن أبدت أطراف سياسية داعمة له عدم تحمسها لهذه الخطوة المرتقبة، رغم المشاورات الجارية في الكواليس بشأن الوزارات التي سيشملها التعديل، الذي قد يشمل 12 وزارة حسب أوساط سياسية تونسية.

وفيما تسابق حركة النهضة الإسلامية الزمن من أجل دفع المشيشي إلى استعجال الإعلان عن التعديل الوزاري، بدت بعض الأطراف التي تمثل حزام الحكومة البرلماني، غير متحمسة لهذه الخطوة التي من المنتظر أن تعجل بصدام بين المشيشي والرئيس قيس سعيد، خاصة أن هذا التعديل سيجعل النهضة تحكم سيطرتها المطلقة على حكومة المشيشي.

وكشف البيان الذي أصدرته رئاسة الجمهورية في وقت متأخر من مساء الاثنين عن بلوغ الخلافات بين المشيشي وسعيد ذروتها، وأبرز هذا البيان الذي صدر على خلفية استقبال سعيد للبرلمانية عن الكتلة الديمقراطية سامية عبو توجس الرئيس التونسي من تداعيات هذا التعديل.

وقال سعيد حسب نص البيان إنه "لم يتم إعلامي بالتعديل الوزاري الذي يتم الترتيب له (..) يجب ألا تقتصر المشاورات على أطراف بعينها علما أنه لم يتم إعلام رئيس الدولة، وهو رمز وحدتها والضامن لاستقلالها واستمراريتها والساهر على احترام الدستور، بما يجري الترتيب له من تعديل وزاري".

ويرى مراقبون أن كلام سعيد لا يمكن أن يكون بمعزل عن التصعيد اللافت للأطراف التي تدفع نحو الحوار الوطني والتي من أبرزها الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية ذات النفوذ الواسع في تونس، إزاء الحديث عن التعديل المرتقب.

والاثنين، قال الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل والناطق باسمه سامي الطاهري في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك "ألا يكون التركيز على التعديل الوزاري محاولة مدروسة لعرقلة مبادرة الحوار"، في إشارة إلى مبادرة الاتحاد التي حظيت بقبول سعيد لكنها بقيت تراوح مكانها مع تصاعد وتيرة التجاذبات السياسية، ما ينذر بفشلها وفقا لمتابعين.

وفي الوقت الذي تنزل فيه حركة النهضة الإسلامية بكامل ثقلها من أجل الدفع نحو التسريع في الإعلان عن التعديل الوزاري، الذي من المفترض أن يشمل 12 وزارة بما في ذلك وزارات الداخلية والثقافة والبيئة وهي وزارات تشهد شغورا الآن، تبرأت جهات سياسية أخرى منه.

ولم يقتصر الأمر عند بعض مكونات "وسادة المشيشي" البرلمانية على رفض التعديل، بل تعدى ذلك إلى التلويح بسحب هذه المكونات دعمها للحكومة في خطوة تضع المشيشي في مأزق حقيقي، خاصة إذا احتد الصراع بينه وبين سعيد الذي قد يلجأ إلى صلاحياته الدستورية في علاقة بالحكومة.

وقالت نسرين العماري، النائبة عن كتلة الإصلاح الوطني الداعمة للمشيشي، إن ''كتلتنا ستراجع موقفها من حكومة المشيشي وستنسلخ من الحزام السياسي الداعم لها في حال تم تحويل وجهة الحكومة من حكومة كفاءات مستقلة إلى حكومة سياسية".

وليد جلاد: النهضة وقلب تونس يدفعان لأن تصبح حكومة المشيشي سياسية
وليد جلاد: النهضة وقلب تونس يدفعان إلى أن تصبح حكومة المشيشي سياسية

وإلى جانب كتلة الإصلاح (16 نائبا)، ترفض كتل تحيا تونس (10 نواب) وحزب قلب تونس (30 نائبا) الذي يقبع رئيسه نبيل القروي في السجن التعديل المرتقب، وهو ما قد يربك المشيشي الذي يقود وزارة الداخلية أيضا، ما جعله في وضع غير مريح خاصة مع تكريس النهضة لضغوطها عليه.

ودخل رئيس البرلمان راشد الغنوشي وهو يرأس حركة النهضة أيضا على خط الجدل بشأن التعديل المرتقب الأسبوع الماضي، ليدعو علنا المشيشي إلى الإسراع في القيام بهذه الخطوة بذريعة أن الحزام السياسي الداعم للحكومة يدعو إلى التعديل الوزاري.

وتقول أوساط سياسية إن حزب قلب تونس الذي يعد أبرز حلفاء النهضة في الظرف الراهن لا يرفض التعديل ككل، وإنه يفاوض من أجل ضمان بعض الحقائب الوزارية، ما جعله يلوح برفض التعديل في وقت سابق.

وقال القيادي بحزب قلب تونس عياض اللومي في تصريحات أوردتها إذاعة موزاييك المحلية والخاصة "يبدو أننا أصبحنا في عدم انسجام مع رئيس الحكومة هشام المشيشي، والأكيد أنه ستكون لذلك تداعيات في المستقبل (..) حزبنا وكتلته النيابية يرفضان أي تعديل وزاري".

وازدادت مسألة التعديل الوزاري تعقيدا بعد أن وقع تسريب الأسماء المرشحة لتقلد بعض المناصب الوزارية، ما أثار مخاوف من أن تتحول الحكومة من حكومة كفاءات مستقلة إلى حكومة سياسية، وهو ما أفضى إلى تغيير بعض الكتل مواقفها على غرار تحيا تونس.

وقال وليد جلاد النائب عن حركة تحيا تونس إن "حزبنا دعا منذ البداية إلى التعديل الوزاري (..) هناك شغور يجب أن يتم سده في وزارات الثقافة والداخلية والبيئة والشؤون المحلية".

وأضاف جلاد في تصريح لـ"العرب" أن "التعديل الوزاري الذي أردناه نحن يحافظ على شكل الحكومة وهي حكومة كفاءات مستقلة، لكن اليوم النهضة وقلب تونس يدفعان إلى أن تكون حكومة المشيشي سياسية، وهذا قالاه حتى منذ تزكية هذه الحكومة (..) نحن غير معنيين بذلك".

وتابع "التنسيق أيضا مع رئيس الجمهورية مهم (..) لا ينبغي أن يخلق هذا التعديل أزمة بين رأسي السلطة التنفيذية (..) ننتظر أن يصارحنا رئيس الحكومة لأننا في تحيا تونس لا نتعامل مع الدولة بمنطق الغنيمة ونتعامل مع المشيشي بتغليب المصلحة الوطنية''. 

إلى ذلك، تبقى الأوضاع السياسية في تونس تراوح مكانها في ظل رغبة حركة النهضة في السيطرة على حكومة المشيشي التي تدفع أطراف أخرى، على غرار حركة الشعب والتيار الديمقراطي، إلى إسقاطها وتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون من بين مخرجات الحوار الوطني.