عدم جدية إسرائيل في تسليم الباقورة والغمر يضع الأردن في مأزق

الخارجية الأردنية تنفي ما يروج بشأن التوصل إلى اتفاق مبدئي مع تل أبيب حول الباقورة والغمر وتؤكد أن المباحثات تجري على أساس ترتيب تسليمهما.
الخميس 2019/10/17
الشارع الأردني مستنفر

اقتراب موعد انتهاء العمل بملحقي الباقورة والغمر في اتفاقية السلام وادي عربة يضع الجانب الأردني في مأزق، خاصة وأن إسرائيل لا يبدو أنها في وارد الالتزام بذلك وسط ترجيحات بأن تتذرع بأزمتها الداخلية المتعلقة بتعثر تشكيل الحكومة للمماطلة.

عمان- عادت قضية منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين إلى دائرة الضوء مجددا مع اقتراب الموعد المفترض لتسليمهما من قبل الجانب الإسرائيلي بعد أن قررت عمان العام الماضي إنهاء تأجيرهما، وسط تساؤلات هل ستستجيب إسرائيل فعلا للطلب الأردني، أم ستعمد إلى المماطلة وفي هذه الحالة كيف ستتعاطى عمّان مع الوضع؟

وتسوق وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية بين تل أبيب وعمّان بشأن المنطقتين توصلت لاتفاق مبدئي على تمديد التأجير لأراضي الغمر، وهو ما سارعت الخارجية الأردنية إلى دحضه مؤكدة أن المباحثات تجري على أساس ترتيب تسليمها.

وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين السفير سفيان سلمان القضاة في بيان صحافي، أن قرار المملكة الذي اتخذ بتاريخ 12 أكتوبر 2018 بإنهاء العمل بالملحقين الخاصين بالباقورة والغمر نهائي وقطعي، وأنه بانتهاء النظامين الخاصين بتاريخ 10 نوفمبر المقبل (حسب ما نصت عليه اتفاقية السلام وادي عربة) لن يكون هناك أي تجديد أو تمديد.

وبيّن القضاة أن “الجانب الإسرائيلي طلب التشاور وفقا لما نصت عليه المعاهدة، ودخلنا مشاورات حول الإنهاء ولم تكن حول التجديد، بل للانتقال من المرحلة السابقة والترتيبات السابقة إلى المرحلة المقبلة”.

ونشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية في وقت سابق الأربعاء أن الحكومة الأردنية وافقت على تمديد تأجير أراضي الغمر، لمدة عام، فيما تشهد المفاوضات بين الأردن وتل أبيب بشأن الباقورة تعثرا.

من جهتها نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الأردن وافق على تأخير استرجاع الأراضي الزراعية في منطقة الغمر لموسم زراعي آخر من أجل إتمام عمليات عودة هذه الأراضي إليه بعد انتهاء العمل بملحق الباقورة والغمر الذي ينتهي العمل به في 25 أكتوبر الجاري.

سفيان سلمان: دخلنا مشاورات مع إسرائيل حول الإنهاء وليس حول التجديد
سفيان سلمان: دخلنا مشاورات مع إسرائيل حول الإنهاء وليس حول التجديد

ويشكك كثيرون في إمكانية التزام إسرائيل بتسليم المنطقتين، بالنظر للتجارب السابقة معها، ويرجح مراقبون أن تعمد إلى التسويف، وقد تتذرع بعدم تشكيل حكومة جديدة.

وتواجه إسرائيل أزمة داخلية معقدة حيث لم يجد بعد رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو الخيط الناظم الذي يستطيع من خلاله تشكيل حكومة جديدة، في ظل تباينات الكتل السياسية الكبرى، وسط تحذيرات من البعض بأن إسرائيل قد تجد نفسها أمام انتخابات ثالثة في أقل من عام.

وتتولى حاليا وزارة الخارجية الإسرائيلية ملف المحادثات مع الجانب الأردني، بيد أن قرار الحسم فيه لا يبدو في الأفق في ظل الشلل الحكومي، ومتوقع أن تلعب إسرائيل على هذا الوتر.

 وكان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ألغى في أكتوبر 2018 جزءًا من معاهدة السلام المعروفة بوادي عربة، كان يمنح الإسرائيليين الحق في التصرف في منطقتي الباقورة والغمر لمدة 25 عامًا.

وأعلن الملك عبدالله الثاني “إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام مع إسرائيل”، وقال “تم إعلام إسرائيل بالقرار الأردني إنهاء العمل بالملحقين… الباقورة والغمر أراضٍ أردنية وستبقى أردنية ونحن نمارس سيادتنا بالكامل على أراضينا”.

وتعد أراضي الباقورة والغمر أحد مسببات التوتر الإسرائيلي الأردني على مدى عقود ويتعرض الأردن منذ سنوات لضغوط شعبية تطالب بإنهاء تصرف الإسرائيليين في المنطقتين.

 والباقورة هي أراض حدودية تقع شرق نهر الأردن ضمن لواء الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة إربد، وتقدر مساحتها الجملية بنحو 6000 دونم. وكانت إسرائيل احتلت حوالي 1390 دونما منها في العام 1950، وفي مفاوضات السلام بين عمان وتل أبيب، ادعت إسرائيل أحقيتها في 830 دونما من هذه المساحة بزعم أنها أملاك إسرائيلية خاصة بيعت لهم عبر الوكالة اليهودية.

وبعد مفاوضات صعبة توصل الجانبان الإسرائيلي والأردني في العام 1994 إلى معاهدة سلام عرفت باتفاقية “وادي عربة” تضمنت استرداد الأردن لجزء من الباقورة تبلغ مساحته 850 دونما. ونصت المعاهدة في الملحق الأول على تطبيق نظام خاص على كامل المنطقة بحيث تقر إسرائيل بأردنيتها مع إرفاق ذلك بعبارة تقول إن المنطقة فيها حقوق ملكية خاصة ومصالح مملوكة للإسرائيليين وبالتالي هم المتصرفون في الأرض وعلى ضوء ذلك يتعهد الأردن بمنح حرية مطلقة لهم ويبقى هذا الاتفاق نافذا لمدة 25 سنة.

أما الغمر فهي منطقة حدودية تقع ضمن محافظة العقبة على بعد 168 كلم جنوب العاصمة عمّان وتقابلها على الطرف الآخر من الحدود مستوطنة صوفار وتقدر مساحتها بـ4000 دونم وقد احتلتها إسرائيل بعد حرب 1967 ضمن أراض أردنية تقع شرق خط الهدنة لعام 1949، ورفضت إسرائيل الانسحاب منها بحجة أنها امتداد لمستوطنة صوفار، فيما يعتبر المحللون أن الموقف الإسرائيلي نابع من أهمية هذه المنطقة الخصبة والغنية بالمياه الجوفية.

ووردت الغمر أيضا في الملحق الأول من معاهدة السلام تحت عنوان منطقة “الغمر- صوفار” الذي ينص على أنها تحت سيادة الأردن بيد أنها لا تخضع لقوانين الجمارك الأردنية ويتم تطبيق ذات النظام الخاص بالباقورة حيث توجد ملكيات خاصة لمزارعين إسرائيليين ويتعهد الأردن بحمايتهم ويستمر الاتفاق لـ25 عاما ويتجدد تلقائيا ما لم تطالب الحكومة الأردنية باسترداد تلك الأراضي.

ويقول خبراء إنه بالنظر لأهمية المنطقتين فإن من المستبعد أن تقدم إسرائيل على التفريط فيهما، ولئن كانت لا تستطيع إعلان ضمهما على غرار ما فعلت في الجولان، لعدة اعتبارات لعل أهمها أنها بذلك ستنسف معاهدة السلام مع ثاني دولة عربية، فإنها من المؤكد ستحاول المماطلة من خلال التحجج بأزمتها الداخلية.

 وقال إيلي إرزي العضو في طاقم المفاوضات الحالي، وأحد مُهندسي اتفاقية وادي عربة قبل 25 عاما، في تصريحات لوسائل إعلام إسرائيلية إن صعوبة التوصل إلى اتفاق كامل مع الأردنيين، يعود إلى “الوضع السياسي المعقّد في إسرائيل”، وأضاف “من يقود المفاوضات هي وزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي، لكن بغية اتخاذ قرار نحن نحتاج إلى قرار من الحكومة، وهي مشلولة”.

تعد أراضي الباقورة والغمر أحد مسببات التوتر الإسرائيلي الأردني على مدى عقود ويتعرض الأردن منذ سنوات لضغوط شعبية تطالب بإنهاء تصرف الإسرائيليين في المنطقتين

وإلى جانب ورقة تعثر تشكيل الحكومة فإن لدى إسرائيل أوراق أخرى كابتزاز الأردن بمسألة ناقل البحرين، وهو مشروع استراتيجي بالنسبة للأردن على الصعيد الاقتصادي، وأيضا هناك ورقة المعتقلين الأردنيين.

 وحذّرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية الأربعاء من تدهور صحة معتقلة فلسطينية تحمل الجنسية الأردنية محتجزة في سجون إسرائيل ومضربة عن الطعام منذ 23 يوما.

وقالت الهيئة، في بيان صحافي، إن تدهورا طرأ على الحالة الصحية للمعتقلة هبة اللبدي (32 عاما) المضربة احتجاجا على اعتقالها الإداري، وتقبع في ظروف “عزل قاسية وصعبة” في سجن “الجلمة” الإسرائيلي.

واعتقلت السلطات الإسرائيلية اللبدي لدى دخولها إلى الضفة الغربية قادمة من الأردن، وتم تحويلها للاعتقال الإداري بعد قضائها 25 يوما في التحقيق بتهم أمنية.

ويقول محللون إن الأردن الرسمي يبدو في موقف صعب فهو لا يستطيع تمديد الاتفاق مثلما تدفع تل أبيب، في ظل ضغوط شعبية وسياسية متزايدة عليه، ومن جهة ثانية لا يريد صداما مع إسرائيل.

2