عدنان الخاشقجي الصامت الراضي بالإفلاس

الأحد 2014/08/17
الخاشقجي يعيش فصولا رمادية هذه الأيام

الرياض - كان الاسم العربي الأكثر شهرة بين رجال الأعمال والمال، ولا يزال أكثرها غموضا، وكان الاسم الأبرز في الحضور عبر الصحافة الأميركية والبريطانية في فترات طويلة في السبعينات والثمانينات، وكان رجل السلاح الذي تودّه شركات تصنيع الأسلحة وبيعها، وكان نجما مغريا لفنانات هوليوود، وكان رجل مفاوضات سياسية أحيانا، وكان صاحب علاقات كبرى برؤساء دول وزعماء، وكان اسمه لا يغيب عن قائمة أثرياء العالم.

جميعها، خبر كان، وفي (كان) الفرنسية، قضى متعه، وجعل منها لمعة ألماس تفرزانها عيناه، هو رجل يعاقر كبر سنه اليوم، لم يعد لديه من كل تلك الكانات، سوى أرجيلة يأخذ منها ما تستطيع أنفاسه شهقها، ليرمي دخانها إلى الأعلى، كما هو حال ثروته التي تبخرت، بعد عقود من البذخ، والمال الذي يبلغ متوسطه السنوي قرابة النصف مليار دولار.

بدايات ابن الوزير

والده الدكتور محمد، كان طبيبا في بدايات الدولة السعودية، قريبا من مؤسس الكيان اليوم الملك عبدالعزيز، حتى أصبح وزيرا للصحة، ومهد ذلك لابنه عدنان رسم خطوات الطموح، ليغادر مسقط رأسه، مدينة مكة المكرمة، إلى عالم الغرب، حيث وجد نفسه هناك، بعيدا عن قاعاتها الدراسية، بل في قاعات صياغة الصفقات والمعاملات التجارية، فانقطع عن دراسته، لأن الفرصة حانت له، فاستغلها، لكنه لم ينجح في استغلالها حتى آخر عمره.

له من الأبناء ستة، من زوجتين، بينما هو رجل مزواج، في العشق، وما تمليه عليه حياته المالية، ابنته الكبرى نبيلة، هي الأقرب إليه، فجعل اسمها عنوانا ليخته الشهير في سواحل كان الفرنسية، الذي احتضن أكثر حفلات عيد الميلاد في التاريخ بذخا، حين بلغ الخاشقجي عمره الخمسين. وكانت أم نبيلة السيدة ثريا، زوجة عدنان الخاشقجي الأولى، دخلت تاريخا مختلفا، وجعلت من طلاقها صفقة مالية بعد تسوية هي الأعلى في العالم فحصلت على قرابة 500 مليون دولار.


الخاشقجي وديانا


اتهمته بعض الصحف البريطانية، بأنه وراء مقتل الأميرة الفاتنة ديانا، التي كانت مع ابن أخته دودي الفايد، المتزوجة من الملياردير محمد الفايد، لكنه سرعان ما أبطل انفجار قنبلة ربطت الصحافة هناك عقدة بعد أن كشفت عن خلافات بين الخاشقجي وزوج شقيقته الفايد.


المال مفتاح كل شيء


لطيف معشر، مبتسم دائما، وإن ثارت الظنون واشتعلت المحاكم بقضايا ضده، رجل دبلوماسي، قليل الكلام، يعشق الإجابات القصيرة، والأرقام الكبيرة، منهجهالغموض، والتباهي، باسمه يحضر أمام كبريات الشركات والتحالفات، فيكسب، لأن القوة والهدوء من صنيعة الإنسان، اللماح الذكي في أهدافه، حتى اشتعلت له الحياة طربا، هو رجل الفكرة، والأفكار منهجه.

الخاشقجي السياسي اعترف في لحظة نشوة لصحيفة يديعوت أحرونوت أن صفقة موسى في العام 1985 التي هدفت إلى تهجير يهود الفلاشا الأثيوبيين إلى إسرائيل والتي نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان عبر الأراضي السودانية تمت في مزرعته الخاصة بكينيا

السعودي، عدنان الخاشقجي، اسم ملأ الدنيا، كان شاغلا للناس ولم يعد كذلك، عاد إلى وطنه بعد أربعة وخمسين عاما، قضاها في حل وترحال، جعل له في كل بلد منبع مال، جفت اليوم، وأصبح رجاله السابقون تحت الأرض، دفع ثمن غيابهم، لأنه كان حاضرا بشخصه معهم، وأثبت أن قوته لم تكن سوى بهم للوصول إلى المال، فهو الميكافيلي بصيغة اقتصادية، يرى أن الوسائل لا تهم في قانونيتها ما دام الوصول إلى الكنز هو الهدف.

عمل في كل شيء، لكن السلاح كانت التهمة التي لا تنفك عنه، بل شرف حمله إلى الصعود، هو بالتجريد الحرفي لم يكن إلا وسيطا، وسيط قطاعات الأسلحة، وحمل وكالة كبريات الشركات الأميركية للشرق الأوسط، وبعض الدول الأفريقية، ليكون النموذج الأعتى الذي لا يمكن التنبؤ بما قد تقوده أفكاره إليه.


رجل سياسة غامض


كان أحد صناع جسور إيصال الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى هرم الرئاسة، الذي كان مستشاره القانوني، ولم ينفك عن التواصل معه ليكون مستشارا فوق العادة عن الدول العربية، وتردد اسمه في قضية إيران-كونترا حيث قيل إنه عمل وسيطا سريا في عملية تبادل الرهائن الأميركيين مقابل سلاح لإيران خلال حربها مع العراق.

ولاحقا، كان حاضرا لمقاومة أي قرار يجعل أميركا تشن حربها على العراق العام 2003 من خلال علاقاتها التي لم تشفع له أن يكون وسيطا من جديد، لكن هذه المرة أمام صدام حسين، الذي لا يعرف لغة الوساطات، بعد أن آمن الخاشقجي أن خطة أميركا الجديدة هي تقسيم جديد للمنطقة، يهدف أولا وأخيرا لحماية إسرائيل.


مع يهود الفلاشا


الخاشقجي السياسي اعترف في لحظة نشوة لصحيفة يديعوت أحرونوت أن (عملية موسى) عام 1985 التي تهدف إلى تهجير يهود الفلاشا الأثيوبيين إلى إسرائيل والتي نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان عبر الأراضي السودانية تمت في مزرعته الخاصة بكينيا قبل تلك الهجرة بعامين، بحضور كل من جعفر نميري وشارون ومسؤول أمني إسرائيلي.

الخاشقجي ابن وزير الصحة الأسبق الذي غادر مسقط رأسه مكة إلى عالم الغرب، حيث وجد نفسه هناك، بعيدا عن قاعاتها الدراسية، بل في قاعات صياغة الصفقات والمعاملات التجارية، فانقطع عن دراسته، لأن الفرصة كانت قد سنحت له

تعرض للسجن نهاية الثمانينات في أميركا، بتُهمة مساعدة أسرة الرئيس الفلبيني الشهير ماركوس في نهب مليارات من خزينة الدولة، لكن البراءة جاءته سريعا، قبل أن تهزه رياح السوء.


رجل الغلاف والإفلاس


نشرت مجلة (تايم) تقريرا عن عدنان الخاشقجي ذكرت فيه أن نفقاته الشخصية في اليوم تقترب من أرقام المليون دولار، قبل أن يتعرض إلى خسارة كبرى تجاوزت المليار بعد غرق مناجم ألماس كان يملكها في ولاية يوتاه الأميركية، في أواسط الثمانينات كذلك، وهي حقبة عصره الماسي.

تعرض لقضايا عديدة في المحاكم الأميركية، قبل أن يسقط القضاء الأميركي قبل عشرة أعوام عنه غالب التهم، بعد أن كان متهما بالتلاعب بأسهم شركات خاصة بالاتصالات، توقعت بعض الشركات أنه يعمل لصالح حسابات سياسية، نظير تاريخه الكبير في الغموض، وتعدد أساليب عمله في تكوين الأرباح، التي ثبت أنه يعمل بعلاقاته وذكائه الاجتماعي في حشد الأرقام المليونية.

اليوم، لم تعد الأضواء مسلطة عليه، يريد استعادتها عبر كتاب يحكي سيرته، التي ستكون وجبة تسد كثيرا من فتات خبري في صحف عديدة، بل وستجعل الخاشقجي المتحكم في خطة انتقال القارئ الباحث عمّا يشبعه في سيرته، وستقضي على تساؤلات أجيال كانت تتمنى أن تعيش بالقرب من رجل سعودي يصنع المال، وسيكون مجالا مختلفا لممارسة أعماله، مستمتعا ببحث الناس عنه وعن خفايا حيواته بين الغنى والإفلاس وبين فواصلها ذات الألوان.

يعيش فصولا رمادية هذه الأيام، تاركا ما تبقى من أبناء خارج البلاد، وصداقات مطرزة على دفاتر شيكات بالية، متنقلا بين جدة والدرعية في الرياض، قارئا في وجوه الناس حكايات من أعمار شتى، لم يكن يعلمها وهو على بساط السجادات الحمراء، وفي يخوت تضرب عباب الأفراح، وطائرات لم يكن يحمل همّا، كما هو اليوم.

8